استأنفت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، بوساطة أمريكية، أمس الخميس في واشنطن، لتدخل مرحلة دبلوماسية أكثر تعقيدًا. تطورت هذه العملية من آلية وقف إطلاق نار هشة في أبريل إلى مسار تفاوضي مزدوج عسكري وسياسي، وكان الخلفية المباشرة للمحادثات السياسية ليوم أمس اجتماع عسكري استضافه البنتاغون الأسبوع الماضي. وصف مسؤولون أمريكيون جلسة البنتاغون العسكرية بأنها بناءة لكنها محدودة، مشيرين إلى أن التقدم التقني ممكن، لكن السلطة السياسية، خاصة على الجانب اللبناني، لا تزال مشتتة. تهدف المحادثات إلى تفعيل وقف إطلاق النار من خلال تحديد آليات التنفيذ، وتقليل الاحتكاك على طول الحدود، واستكشاف خطوات مثل إنشاء "مناطق نموذجية".
تظل القضايا السياسية الجوهرية مثل مستقبل حزب الله، والانسحاب الإسرائيلي، وتسلسل الخطوات دون حل. في تطور ذي صلة، وبعد ساعات من افتتاح محادثات الخميس، انفجرت طائرة مسيرة تابعة لحزب الله داخل إسرائيل، مما أدى إلى إصابة ثلاثة مدنيين، اثنان منهم بجروح خطيرة، مسجلة أول إصابة لمدنيين بصواريخ حزب الله منذ وقف إطلاق النار. وقبل ذلك بيوم، الأربعاء، ضربت إسرائيل سبع مركبات في لبنان، مما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، بينهم امرأة وطفلاها، فيما أدت ضربات لاحقة في جنوب لبنان إلى مقتل 10 أشخاص آخرين، من بينهم ستة أطفال.
مسارات التفاوض العسكرية والسياسية
اعتبرت معظم المصادر أن الاجتماعات كانت ناجحة فقط في تحسين مستويات الاتصال بين المستويين العسكري والسياسي اللبناني والإسرائيلي بشكل محدود. وأشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الوفدين الإسرائيلي واللبناني بدآ في بناء درجة من الألفة والثقة المتبادلة. ويقدم مفهوم "المنطقة النموذجية"، الناشئ عن المسار العسكري، حلاً محتملاً من خلال تخفيف التصعيد قطاعاً بقطاع. وبموجب هذا النهج، ستنسحب إسرائيل من مناطق محددة، وسينتشر الجيش اللبناني لتفكيك البنية التحتية لحزب الله، وستقوم الولايات المتحدة بالتحقق من الامتثال.
وفي حال نجاحها، يمكن لهذه الفكرة أن تتوسع تدريجياً، مما يمهد الطريق لما يصفه المسؤولون الأمريكيون بترتيب "إنهاء النزاع"، وهو أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار ولكنه أقل من معاهدة سلام رسمية. ويتشكل حالياً مسار مبدئي، يتبع منهجية "خطوة بخطوة". تتمثل الخطوة الأولى في الحفاظ على وقف إطلاق النار الحالي وتطبيقه، ومنع التصعيد أثناء المفاوضات. أما الخطوة الثانية، فتتضمن تنفيذ خطة "المناطق النموذجية".
وتقضي الخطوة الثالثة بالتوسع التدريجي لهذه المناطق، إلى جانب جهود لتفكيك البنية التحتية لحزب الله. بينما تتجه الخطوة الرابعة نحو الانتقال إلى إطار "إنهاء النزاع"، بما في ذلك ترسيم الحدود والالتزام بمبادئ عدم الاعتداء. وتحافظ الخطوة الخامسة على الباب مفتوحاً أمام مسار طويل الأمد يؤدي إما إلى التطبيع أو اتفاق سلام رسمي. وقد صُممت كل خطوة لإعادة بناء الثقة وتعزيزها مع تجنب فخ نزاع "التسلسل".
العقبات الرئيسية: حزب الله والسيادة اللبنانية
لم يكن الوفد اللبناني مخولاً بشكل كامل لاتخاذ قرارات ملزمة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بحزب الله. وقد قلّل هذا التقييد بشكل حاد من سقف الإنجازات الممكنة من خلال المسارين السياسي والعسكري على حد سواء. ويواصل لبنان الدفع باتجاه وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي في نهاية المطاف. في المقابل، تُصر إسرائيل على أن أي ترتيب دائم يجب أن يتضمن ضمانات لنزع سلاح حزب الله وإنهاء الهجمات عبر الحدود. وتُشكل "معضلة التسلسل" – أي من يبدأ بالتحرك أولاً – العقبة السياسية المركزية.
يعتمد هذا المسار التفاوضي على افتراضات لا تزال خاضعة للنزاع السياسي، لا سيما بشأن قدرة الحكومة اللبنانية ورغبتها في مواجهة حزب الله. وقد وصف وزير الخارجية ماركو روبيو (Marco Rubio) حزب الله بأنه العقبة الرئيسية أمام السيادة اللبنانية والسلام الإسرائيلي-اللبناني. وصرح روبيو قائلاً: "لا وجود لـ"حزب الله" بمعزل عن إيران"، معتبراً إياه جماعة تعتمد كلياً على الدعم الخارجي.
ووصف روبيو حزب الله بأنه عدو ليس فقط لإسرائيل والولايات المتحدة، بل للدولة اللبنانية نفسها، مستشهداً بدعواته للإطاحة بالحكومة وانتهاكاته المتكررة لتفاهمات وقف إطلاق النار. ويبرر هذا التأطير المفاوضات على أنها تجري بالدرجة الأولى بين دولتين، إسرائيل ولبنان، مستبعداً حزب الله من المحاورين الشرعيين. ويعزز هذا المنطق التسلسلي الذي يتماشى مع المطالب الإسرائيلية: يجب نزع سلاح حزب الله عسكرياً كشرط مسبق لأي تسوية دائمة. وقد أقر روبيو بالمعضلة، مشيراً إلى أن تعزيز الدولة اللبنانية، وخاصة الجيش، يجب أن يتوازى مع تفكيك القدرات العسكرية لحزب الله.
مواقف الأطراف ورؤى الحلول
تأتي المحادثات الحالية قبل أيام من انتهاء هدنة قللت من القتال بين إسرائيل وحزب الله لكنها لم توقفه، بحسب تقرير. ويأمل المسؤولون اللبنانيون أن تسفر المفاوضات التي تستغرق يومين عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وتمهد الطريق لمعالجة قضايا مثل انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله. ووصف مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية يوم الخميس الكامل من المناقشات بأنه "مثمر وإيجابي". وقد دفعت إدارة الرئيس (Donald Trump) ترامب من أجل تحقيق انفراجة بين الجارتين اللتين تعيشان رسمياً في حالة حرب منذ قيام إسرائيل عام 1948.
حزب الله ليس جزءاً من هذه المحادثات وقد عارض بشدة انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في 17 أبريل/نيسان، استمرت إسرائيل والجماعة المسلحة المدعومة من إيران في تبادل إطلاق النار شبه المستمر عبر الحدود. كانت الهدنة في البداية لمدة 10 أيام، ثم مددت لثلاثة أسابيع أخرى.
لم يحضر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (Marco Rubio) جلسة الخميس. وقد ترأس المبعوث اللبناني المحادثات يوم الخميس سيمون كرم (Simon Karam)، بينما كان من المقرر أن يحضر نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين (Yossi Draznin) عن الجانب الإسرائيلي. وقد ركز المسؤولون الإسرائيليون على نزع سلاح حزب الله ووصفوا المفاوضات بأنها مقدمة لتطبيع محتمل للعلاقات الدبلوماسية. في المقابل، صرح المسؤولون اللبنانيون بأنهم يسعون إلى اتفاق أمني أو هدنة لا ترقى إلى مستوى التطبيع، مؤكدين على مبدأ عدم وجود "حزب الله بمعزل عن إيران"، وفقاً لتصريحات سابقة لماركو روبيو.
التحديات المستقبلية والآفاق
يعتمد نهج الرئيس دونالد ترامب في هذه المفاوضات على الضغط من أجل تهدئة التصعيد مع الحفاظ على حرية إسرائيل في التصرف إذا واصل حزب الله هجماته، وقد كان تدخله عاملاً حاسماً في إبقاء إسرائيل على طاولة التفاوض. وقد دعا ترامب علناً إلى عقد اجتماع بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن عون رفض الاجتماع أو التحدث مباشرة مع نتنياهو في هذه المرحلة.
وصرح مسؤول لبناني رفيع المستوى يوم الخميس بأن لبنان يريد وقف إطلاق نار كاملاً أولاً، ثم التفاوض على انسحاب القوات الإسرائيلية. وأشار المسؤول إلى أن قضية أسلحة حزب الله سيتم التعامل معها سياسياً داخل لبنان بعد ذلك، مضيفاً أن لبنان "يعتمد بشكل كبير على الإدارة الأمريكية" لتزويده بنفوذ في المفاوضات مع إسرائيل. وعندما تحدث ترامب وعون مؤخراً، لم يضغط ترامب على عون للقاء نتنياهو وكان متفهماً لأسباب الرفض. وقد أبلغ عون ترامب أنه إذا تمكن البلدان من التوصل إلى اتفاق أمني، فإنه سيأتي إلى البيت الأبيض "للتدشين" عليه.
ويعتقد المسؤول اللبناني أنه إذا وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار وانسحبت من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، فإن حزب الله سيوافق على ترتيب يسلم بموجبه أسلحته للجيش اللبناني. من جانبه، قال السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر إن إسرائيل تهدف "للتفاوض من أجل سلام كامل وكأن حزب الله غير موجود – حدود، سفارات، تأشيرات، سياحة، كل شيء". ويعتقد ليتر أنه من الممكن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في غضون بضعة أشهر، بشرط نجاح تفكيك حزب الله.