سباق دبلوماسي وسياسي حول مستقبل لبنان والمنطقة في ظل مفاوضات واشنطن

باريس تبحث عن دور في التسوية... حراك فرنسي عربي في بيروت ماذا يحضر للبنان؟
الصورة عبر News

يصل المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت اليوم الأربعاء الموافق 3 يونيو 2026، وذلك في إطار حراك دبلوماسي مكثف يهدف إلى دفع المفاوضات حول مستقبل لبنان والمنطقة. وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع توقعات بزيارة مرتقبة للأمير فيصل بن فرحان إلى لبنان، والذي سيرافقه السفير السعودي الجديد، مما يشير إلى اهتمام إقليمي ودولي متزايد بالوضع اللبناني، ويسلط الضوء على الأهمية التي توليها القوى الإقليمية والدولية لاستقرار لبنان في هذه المرحلة الحساسة.

ووفقًا لمصادر مطلعة، تقود الولايات المتحدة المفاوضات الجارية حاليًا في واشنطن، وتعمل على صياغة التسوية المتوقعة للملفات العالقة في لبنان والمنطقة. وتؤكد هذه المصادر أن الدور الأمريكي محوري في توجيه مسار الحوار الدبلوماسي، ويهدف إلى تحقيق استقرار يعكس المصالح الإقليمية والدولية. وتعتبر هذه التحركات جزءًا من سباق دبلوماسي أوسع يسعى لتحديد مسار الأحداث في المنطقة، وذلك في ظل تعقيدات المشهد السياسي والأمني.

مساعي فرنسية وعربية لدعم التسوية الأمريكية

يبدأ المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان سلسلة اجتماعات مع مسؤولين لبنانيين وقادة سياسيين اعتبارًا من يوم غد الخميس الموافق 4 يونيو 2026. وتأتي هذه التحركات الفرنسية في إطار نشاط دبلوماسي مكثف شهدته المنطقة مؤخرًا، حيث تزايدت الأنشطة الدبلوماسية المصرية والقطرية بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية، مما يعكس اهتماماً إقليمياً متنامياً بالملف اللبناني. وتسعى باريس من خلال هذه المساعي إلى تأمين حضور سياسي لها في أي تسوية قيد التحضير للملفات الإقليمية، مؤكدة على دورها التقليدي في المنطقة.

ويشير تقرير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تهميش الدور الفرنسي، ويُعزى ذلك إلى موقف فرنسا من الحرب مع إيران. وفي المقابل، تدعم كل من السعودية ومصر وقطر الجهود الأمريكية خلف الكواليس، وذلك من خلال المساعدة في تقريب وجهات النظر وتوفير قنوات اتصال وتجاوز العقبات السياسية. وتؤكد مصادر مطلعة أن واشنطن تسيطر بشكل شبه كامل على الملف اللبناني المتعلق بالحدود وترتيبات ما بعد الحرب، مما يمنحها نفوذاً كبيراً في توجيه مسار المفاوضات.

ويوصف هذا المشهد الدبلوماسي الحالي بأنه سباق سياسي ودبلوماسي محموم يهدف إلى تحديد شكل التسوية النهائية وهوية الأطراف الراعية لها. وتُظهر هذه التطورات تزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بالوضع اللبناني كجزء من صراع أوسع لتحديد مسار الأحداث في المنطقة، حيث تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ وتأمين مصالحها في مرحلة ما بعد النزاع.

جولات مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل

انطلقت جولة ثالثة من المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن يوم الخميس، وذلك قبل أيام قليلة من انتهاء هدنة قلصت، لكنها لم توقف، القتال بين إسرائيل وحزب الله. وتستمر إسرائيل وحزب الله، المدعوم من إيران، في تبادل إطلاق النار بشكل شبه مستمر عبر الحدود على الرغم من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في 17 أبريل، والذي كان في الأصل هدنة لمدة 10 أيام، ثم جرى تمديدها لثلاثة أسابيع أخرى. ويأمل المسؤولون اللبنانيون أن تسفر مفاوضات اليومين عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وتمهيد الطريق لمعالجة قضايا تشمل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله.

وصف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية المناقشات التي جرت طوال يوم الخميس بأنها "مثمرة وإيجابية"، مشيرًا إلى تطلع الولايات المتحدة لليوم الثاني من المحادثات يوم الجمعة. يذكر أن إسرائيل ولبنان في حالة حرب رسمياً منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، مما يضفي على هذه المحادثات أهمية تاريخية ودبلوماسية بالغة. وعلى الرغم من أهمية المحادثات، فإن حزب الله ليس جزءًا من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وقد أعرب علناً عن معارضته لانخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي الداخلي اللبناني.

وقد حضر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الاجتماعات الأولى بين إسرائيل ولبنان في واشنطن خلال شهر أبريل، مما يؤكد على مستوى المشاركة الأمريكية رفيعة المستوى في هذه الجهود الدبلوماسية. وتمثل الجولة الحالية من المحادثات خطوة نحو مفاوضات أكثر جدية، بمشاركة مبعوثين رفيعي المستوى من لبنان وإسرائيل. ويرأس المبعوث اللبناني المحادثات يوم الخميس، سيمون كرم، وهو محامٍ وسفير لبناني سابق لدى الولايات المتحدة، ويتمتع بخبرة دبلوماسية واسعة.

مواقف متباينة حول الترتيبات الأمنية والتطبيع

على الجانب الإسرائيلي، كان من المقرر أن يحضر نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين (Yossi Draznin) المحادثات، مما يؤكد على الأهمية الأمنية التي توليها إسرائيل لهذه المفاوضات. وقد ركز المسؤولون الإسرائيليون على نزع سلاح حزب الله ووصفوا المفاوضات بأنها تمهيد لتطبيع محتمل للعلاقات الدبلوماسية، وهو هدف استراتيجي لإسرائيل. في المقابل، أفاد المسؤولون اللبنانيون بأنهم يسعون إلى اتفاق أمني أو هدنة تتوقف عند حد التطبيع الكامل، مما يبرز التباين في الأهداف بين الطرفين. وفي هذا السياق، دعا الرئيس دونالد ترامب علناً إلى اجتماع بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لدفع عملية السلام.

ويُذكر أن لبنان يرغب في وقف إطلاق نار كامل أولاً، ثم التفاوض بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، مما يشكل أولوية قصوى للجانب اللبناني. كما يرى الجانب اللبناني أن قضية أسلحة حزب الله ستُعالج سياسياً داخل لبنان بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، مؤكداً على أن هذه القضية شأن داخلي. ويعتمد لبنان بشكل كبير على الإدارة الأمريكية لتزويده بنفوذ في المفاوضات مع إسرائيل، معتقداً أن ترامب "صادق" في رغبته بمساعدة لبنان، مما يعكس ثقة لبنان في الوساطة الأمريكية.

في محادثة جرت مؤخراً بين ترامب وعون، لم يمارس الرئيس الأمريكي أي ضغط على عون للقاء نتنياهو أو التحدث معه، مما يشير إلى تفهم الولايات المتحدة للموقف اللبناني الحساس. وقد أبلغ عون ترامب بأنه إذا ذهب إلى واشنطن وصافح نتنياهو ثم انهارت المحادثات لاحقاً، فقد يكون لذلك تداعيات داخلية في لبنان ويقوّض مصداقية ترامب، مما يوضح المخاطر السياسية التي يواجهها الرئيس اللبناني. وأوضح عون لترامب أنه إذا تمكن البلدان من التوصل إلى اتفاق أمني، فإنه سيأتي إلى البيت الأبيض "للتدشين" هذا الاتفاق، ليرد ترامب قائلاً: "أنا أحب ذلك"، مما يعكس دعمه لهذه الخطوة.

مقترحات لنزع سلاح حزب الله والآثار الإنسانية

في سياق متصل، تعرضت سبع مركبات في لبنان لضربات إسرائيلية يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، بينهم امرأة وطفلاها، في تصعيد للعنف. وأفادت تقارير بأن ضربات لاحقة في جنوب لبنان أدت إلى مقتل 10 أشخاص آخرين، من ضمنهم ستة أطفال، مما يسلط الضوء على التكلفة البشرية الباهظة للصراع. وفيما يتعلق بمقترحات نزع السلاح، ذكرت تقارير أنه إذا وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار وانسحبت من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، فإن حزب الله سيوافق على ترتيب يسلم بموجبه أسلحته للجيش اللبناني، مما يشكل حلاً محتملاً لنزع السلاح. وبحسب هذا المخطط، يمكن للبنان النظر في السماح للمقاتلين الأفراد من حزب الله بالانضمام إلى الجيش اللبناني إذا استوفوا شروط الأهلية، مما يوفر مساراً لإعادة دمج المقاتلين.

من جانبه، صرح السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحييل لايتر (Yechiel Leiter)، بأن إسرائيل تهدف "للتفاوض من أجل سلام كامل كما لو أن حزب الله غير موجود — حدود، سفارات، تأشيرات، سياحة، كل شيء"، مما يكشف عن طموحات إسرائيلية واسعة للسلام. ويعتقد لايتر أنه من الممكن التوصل إلى اتفاق سلام شامل في غضون بضعة أشهر، بشرط نجاح تفكيك حزب الله، مما يربط تحقيق السلام بنزع سلاح الحزب. وعلى الصعيد الأمني، انفجرت طائرة مسيرة تابعة لحزب الله داخل إسرائيل بعد ساعات من بدء محادثات الخميس، مما أسفر عن إصابة ثلاثة مدنيين، اثنان منهم بجروح خطيرة، مما يمثل خرقاً للهدنة. ويعد هذا أول حادث يصاب فيه مدنيون بمقذوفات حزب الله منذ وقف إطلاق النار، مما يثير المخاوف بشأن استدامة الهدنة.

وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، بلغ عدد القتلى منذ بدء الحرب في 2 مارس 2,896 شخصًا، مع مقتل حوالي 400 شخص في لبنان منذ تطبيق وقف إطلاق النار الاسمي، مما يشير إلى استمرار العنف رغم الهدنة. كما أصيب 8,824 شخصًا في لبنان، مما يبرز حجم الأزمة الإنسانية. وعلى الجانب الإسرائيلي، قتل ثمانية عشر جنديًا إسرائيليًا، ومدنيان إسرائيليان داخل إسرائيل، ومقاول دفاع يعمل في جنوب لبنان، مما يدل على الخسائر البشرية من الجانبين. وشملت الخسائر أيضًا ستة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، مما يؤكد على المخاطر التي تواجه القوات الدولية في المنطقة.