شهد لبنان تصعيداً عسكرياً أمس الأربعاء، حيث أفادت تقارير إعلامية لبنانية بوقوع غارة استهدفت مركبة جنوب الضاحية، تزامناً مع غارات إسرائيلية أخرى استهدفت محيط مدينة صور جنوبي البلاد. وأسفرت هذه الغارات عن مقتل ستة أشخاص على الأقل بالقرب من صور، وفقاً لمصادر. تأتي هذه التطورات وسط اتهامات إسرائيلية لحزب الله بالتحصن في مناطق ذات غالبية مسيحية.
وذكرت قناة لبنانية أن أكثر من ست غارات استهدفت مركبات صباح الأربعاء وحده، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي (IDF) اعتراضه لثلاث عمليات إطلاق صواريخ. هذه الأحداث تشير إلى تصاعد التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث يستمر تبادل الضربات بين الطرفين.
تكثيف الضربات وتدمير واسع في الجنوب
شهدت منطقة الضاحية الجنوبية في لبنان والقرى المجاورة لها تصعيداً في الضربات الجوية خلال الأيام الأخيرة، حيث كانت من الأهداف الرئيسية لهذه الغارات. واستمرت الضربات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني بكثافة ملحوظة، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق في العديد من المناطق. وأظهرت لقطات مصورة من المنطقة حجم الدمار الكبير الذي خلفته هذه الضربات، حيث تُظهر مقاطع الفيديو المنشورة من منطقة صور مباني مدمرة، وشوارع سدتها الأنقاض، ومركبات متفحمة، ومناطق لم تعد صالحة للسكن.
شملت القرى التي تعرضت للاستهداف والإخلاء في منطقة صور قرى دير قانون رأس العين، وبرج الشمالي، والحوش، والمنصوري، والقليلة، والحنية، ودبعال، وشحور، وصريفا، والمجادل، وعرزون، وطير دبّا، والبازورية، ومعشوق. وتُظهر مقاطع فيديو نُشرت من منطقة صور مباني مدمرة، وشوارع سدتها الأنقاض، ومركبات متفحمة، ومناطق لم تعد صالحة للسكن.
وفي سياق متصل، قررت بلدة رميش إزالة النازحين الذين وصلوا إليها بعد تلقيها مكالمات تحذيرية. ويأتي هذا في ظل استمرار التوتر وتبادل الضربات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مما يزيد من معاناة السكان المحليين وتشريدهم.
اتهامات إسرائيلية لحزب الله بالتحصن في مناطق مسيحية
ذكر الجيش الإسرائيلي أن العشرات من مقاتلي حزب الله يختبئون في الحي المسيحي بالضاحية الجنوبية. وأفادت تقارير بأن الجيش الإسرائيلي صرح بأن نشاط حزب الله في المناطق المسيحية يستند على اعتقاد بأن هذه المناطق توفر له ملاذاً أكثر أماناً. وقد تضمن بيان الجيش الإسرائيلي نداءً مباشراً إلى السكان المسيحيين في الضاحية. وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن "منظمة حزب الله الإرهابية، التي قادت لبنان إلى الخراب وتسببت لكم بدمار كبير، تواصل القيام بذلك اليوم من داخل منطقتكم". كما ذكر الجيش الإسرائيلي أن حزب الله يقود لبنان إلى الخراب ويتسبب في الدمار من داخل المناطق المسيحية.
حث الجيش الإسرائيلي السكان المسيحيين على المطالبة بإبعاد "إرهابيي حزب الله" من مناطقهم من أجل سلامتهم وأمنهم، قائلاً: "من أجل سلامتكم وأمنكم، طالبوا بإبعاد إرهابيي حزب الله من مناطقكم". وحذر الجيش الإسرائيلي "إرهابيي حزب الله" في المنطقة من أنهم ليسوا في أمان، وسيقوم الجيش الإسرائيلي بنشر تعليمات الإخلاء للحي المسيحي، وسيتخذ الإجراءات اللازمة إذا بقوا وعملوا من هناك. وأفادت تقارير بأن عناصر "إرهابية" في لبنان تستغل المناطق المسيحية في جنوب البلاد للحماية، مما يعرض المجتمعات المسيحية للخطر.
في شهر مارس، وخلال عملية "زئير الأسد"، أفادت تقارير لبنانية بأن شخصيات بارزة في قرية رميش المسيحية تلقت تحذيرات هاتفية من الجيش الإسرائيلي تفيد بأنه إذا كان حزب الله موجوداً بينهم، فإن الجيش الإسرائيلي سيضرب. وتقع رميش على بعد حوالي كيلومترين من الحدود الإسرائيلية. وقد أصدر الجيش الإسرائيلي مقطع فيديو يظهر هجمات لحزب الله باتجاه كنيسة مار جرجس في بلدة مرجعيون المسيحية جنوب لبنان. وأظهرت اللقطات صواريخ وهي تصيب مبانٍ في مرجعيون.
كما أفادت مصادر أمريكية لقناة MTV اللبنانية بأن واشنطن تدخلت لحماية القرى المسيحية في جنوب لبنان، لكن المشكلة تكمن في "فشل الجيش اللبناني في منع عناصر حزب الله من دخولها". وقالت المصادر إن "واشنطن تدخلت لحماية القرى المسيحية في جنوب لبنان، لكن المشكلة تكمن في فشل الجيش اللبناني في منع عناصر حزب الله من دخولها".
تحذيرات إخلاء وتحركات دبلوماسية
أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تحذيرات إخلاء مسبقة، لكن ليس بشكل دائم. وفي سياق متصل، أصدر الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين تحذيراً نادراً لإخلاء سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيراً إلى أنه سينفذ ضربات موجهة هناك في حال استمر حزب الله في إطلاق الصواريخ باتجاه المدن الإسرائيلية. ويُعتبر هذا التحذير الأول من نوعه للضاحية بعد فترة طويلة بدون مثل هذه التنبيهات. وقد صدرت الأوامر بهذه الضربات المخطط لها من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذين أمرا الجيش الإسرائيلي بالاستعداد لضرب أهداف لحزب الله في معقل بيروت بعد تصاعد إطلاق النار من لبنان باتجاه شمال إسرائيل.
دعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، السكان إلى مغادرة المنطقة من أجل سلامتهم. وقال أدرعي في تصريح له: "إذا استمر تنظيم حزب الله الإرهابي في إطلاق الصواريخ نحو مدن في إسرائيل، فإن الجيش الإسرائيلي سيرد بضربات موجهة على مواقع في الضاحية". وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في تصريح آخر أن "قوات الجيش الإسرائيلي لا تعمل في منطقة الكنيسة".
أفادت تقارير لبنانية ببدء تحركات للعائلات والمركبات بالخروج من معقل حزب الله حتى قبل أن يُصدر الجيش الإسرائيلي تحذير الإخلاء الرسمي في حوالي الساعة 4:50 مساءً. كما ذكرت تقارير أن عدة مدارس في بيروت دعت أولياء الأمور لاصطحاب أطفالهم قبل الإغلاقات التي قد تنتج عن التهديد الإسرائيلي. وبعد فترة وجيزة من إعلان بنيامين نتنياهو وإسرائيل كاتس عن الإجراء المخطط له، انطلقت صفارات الإنذار في عدة بلدات بمنطقة الجليل الأعلى وفي كرميئيل.
ردود فعل دولية ومساعي وقف إطلاق النار
طلبت فرنسا عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بشأن التصعيد في لبنان في وقت لاحق يوم الاثنين. وقال وزير الإعلام اللبناني بول مرقص إن بيروت تكثف الجهود مع الدول الصديقة "لإعادة وقف إطلاق النار". وقد عقدت الولايات المتحدة مؤخراً سلسلة اجتماعات نادرة بين ممثلين حكوميين إسرائيليين ولبنانيين، بمشاركة بيروت رغم معارضة حزب الله الشديدة. وقال مسؤول أمريكي تحدث لـ Axios إن ماركو روبيو (Marco Rubio) تحدث الأحد مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ونتنياهو حول الاتصالات الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان واقترح إطاراً "لتهدئة تدريجية". بموجب المرحلة الأولى من الاقتراح الأمريكي، سيتوقف حزب الله عن جميع الهجمات على إسرائيل، وفي المقابل، ستمتنع إسرائيل عن التصعيد في بيروت.
وضع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري المسؤولية على إسرائيل وطالبها بوقف "إطلاق النار أولاً". وقالت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء يوم الاثنين إن فريق التفاوض التابع لطهران أوقف تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء بسبب الهجمات على لبنان، مؤكدة أنه "لن تكون هناك محادثات حتى يتم تلبية وجهات نظر إيران والمقاومة بشأن هذه المسألة". وأفاد بري بأنه يستطيع "ضمان" التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، لكنه تساءل "من يجبر إسرائيل على وقف العدوان؟".
في المقابل، صرح مسؤول إسرائيلي أن هذه الخطوة تم تنسيقها مع واشنطن بعد فشل حزب الله في التعاون مع جهود وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة. ووفقاً للمسؤول، كان وزير الخارجية ماركو روبيو يروج لمبادرة وقف إطلاق النار، لكن حزب الله لم يتعاون، مما دفع واشنطن إلى رفع اعتراضها على الضربات الإسرائيلية في معقل بيروت. وقال مكتب رئيس الوزراء ووزارة الدفاع إن القرار اتخذ "بعد انتهاكات حزب الله المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان والهجمات ضد مدننا ومواطنينا". وفي وقت لاحق، أصدر نتنياهو بياناً مصوراً قال فيه إن إسرائيل لن تسمح بعد الآن لحزب الله بمهاجمة المجتمعات الإسرائيلية بينما تظل مراكز قيادته في بيروت دون مساس.