أظهر استطلاع رأي حديث أن ما يقرب من 66 في المئة من المشاركين المنتمين إلى الطائفة الشيعية يؤيدون تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية. تعكس هذه النسبة تحولاً في الآراء العامة داخل هذه القاعدة الشعبية تجاه وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية للدولة، في وقت تواجه فيه هذه الجماعة ضغوطاً سياسية متزايدة بشأن دورها المسلح وتأثيره على الاستقرار الداخلي في لبنان. إن هذه النسبة المئوية المحددة بـ 66 في المئة تشير بوضوح إلى اتساع نطاق المراجعات الشعبية التي تجريها البيئات الحاضنة تقليدياً للحزب، حيث باتت المطالبة بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية مطلباً يتردد صداه بوضوح أكبر داخل الأوساط الشيعية ذاتها، وهو ما يضع الحزب أمام تحدٍ وجودي يتعلق بمدى تمثيله لإرادة قاعدته في ظل الظروف الراهنة.
في سياق التحركات الدبلوماسية، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (Abbas Araghchi) سلسلة من اللقاءات الرسمية في بيروت شملت وزير الخارجية يوسف راجح ورئيس الجمهورية جوزيف عون. وخلال هذه المباحثات، أكد عباس عراقجي (Abbas Araghchi) موقف بلاده من التطورات اللبنانية، قائلاً: "لا نريد التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية." وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه الأطراف المعنية إلى تحديد أطر العلاقة بين الفاعلين الإقليميين والمشهد السياسي اللبناني، وسط مخاوف من تداعيات التصعيد المستمر على مؤسسات الدولة. إن اللقاءات التي جمعت الوزير الإيراني بكل من يوسف راجح وجوزيف عون تأتي في توقيت حساس للغاية، حيث تتجه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه طهران في تهدئة الأوضاع أو التأثير على مسار القرارات السيادية اللبنانية، خاصة فيما يتعلق بملف سلاح حزب الله الذي يمثل نقطة ارتكاز في النقاشات الوطنية.
وعلى صعيد التعاون المالي، عرضت إيران تقديم مبلغ 200 مليون دولار كتعويض عن الأضرار التي لحقت بمناطق في لبنان. تندرج هذه الخطوة ضمن المحاولات الإيرانية لتقديم دعم مادي لمواجهة آثار الخسائر الناتجة عن التوترات الأخيرة، حيث تسعى طهران إلى تعزيز حضورها كطرف فاعل في ملف إعادة الإعمار وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المناطق المتضررة، في ظل الانقسام السياسي الحاد حول شرعية سلاح حزب الله وقدرة الدولة اللبنانية على ممارسة سيادتها الكاملة. إن قيمة الـ 200 مليون دولار التي عرضتها إيران تأتي في ظل حاجة ملحة للموارد المالية لإصلاح البنى التحتية والمرافق التي تضررت بفعل التوترات القائمة. ورغم أن هذا العرض المالي يهدف إلى تخفيف المعاناة المباشرة عن المتضررين، إلا أنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية الإيرانية في لبنان، وما إذا كانت هذه المساعدات ستسهم في استعادة الاستقرار أم أنها ستزيد من تعقيد المشهد السياسي المتأزم بالفعل حول مسألة سلاح حزب الله.
إن التفاعل بين استطلاع الرأي الذي أظهر تأييد 66 في المئة لتسليم السلاح، وبين التحركات الدبلوماسية للوزير عباس عراقجي (Abbas Araghchi)، والوعود المالية بتقديم 200 مليون دولار، يضع المشهد اللبناني أمام مفترق طرق. فبينما يطالب جزء كبير من الشارع بتثبيت سلطة الدولة عبر نزع السلاح غير الشرعي، تستمر الجهود الإقليمية في محاولة موازنة الأدوار والضغوط، مما يترك الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية تحت ضغط مزدوج بين المطالب الشعبية والالتزامات الإقليمية. ومع استمرار هذه الديناميكيات، يبقى التساؤل حول قدرة الحكومة اللبنانية، ممثلة في وزير الخارجية يوسف راجح ورئيس الجمهورية جوزيف عون، على إدارة هذا الملف بما يضمن حماية السيادة اللبنانية وتلبية تطلعات المواطنين الذين عبروا بوضوح عن رغبتهم في حصر السلاح بيد الدولة. إن الأيام المقبلة ستكشف مدى فاعلية هذه المباحثات في ترجمة الأرقام والوعود إلى واقع ملموس يحفظ استقرار البلاد.