انخرط جنود إسرائيليون في عمليات نهب وتدمير واسعة النطاق في جنوب لبنان، وفقاً لشهادات مفصلة نشرتها صحيفة هاآرتس (Haaretz) يوم الأربعاء. تأتي هذه التقارير في ظل تصاعد القتال بين إسرائيل وحزب الله (Hezbollah) منذ شهر مارس الماضي، عقب الحرب الإسرائيلية الأمريكية المشتركة على إيران، حيث تتزايد الأنباء عن نهب واسع النطاق من قبل الجنود الإسرائيليين وتدمير للممتلكات المدنية. هذه الممارسات، التي شهدت نقل بضائع منهوبة إلى داخل إسرائيل في ما وصف بأنه مهمة غير رسمية، تثير تساؤلات جدية حول سلوك القوات العسكرية والقيادة، خاصة مع تواتر التقارير التي تؤكد هذه الأفعال.
في الشهر الماضي، أفادت صحيفة هاآرتس (Haaretz) أن القوات الإسرائيلية نهبت أرائك وأجهزة تلفزيون ودراجات نارية من منازل في جنوب لبنان، بينما غض قادة الجيش الطرف عن هذه الأفعال إلى حد كبير، مما أثار انتقادات واسعة. وقد جاءت هذه المعلومات ضمن سلسلة من التقارير التي وثقت تجاوزات الجنود في المنطقة. وفي هذا السياق، صرح جندي احتياط لصحيفة هاآرتس (Haaretz) بأن المهمة الرئيسية للجيش في جنوب لبنان لم تكن تقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، بل شملت أيضاً تدمير المنازل بشكل ممنهج، مما يشير إلى وجود أهداف تتجاوز الضرورات العسكرية المباشرة.
شهادات عن نهب واسع النطاق وتدمير ممنهج
كشفت تقارير متعددة أن بضائع نُهبت من قرى لبنانية جرى نقلها إلى داخل إسرائيل، في ما وصف بأنه مهمة غير رسمية وغير معلن عنها. وقد شملت هذه البضائع، التي تم الاستيلاء عليها من منازل ومتاجر، سجاداً فاخراً، وكراسٍ بذراعين، ودراجات نارية، وسخانات، بالإضافة إلى سلع أخرى باهظة الثمن جردت منها المتاجر. هذه الأفعال لم تكن مجرد حوادث فردية، بل جاءت في سياق تقارير أوسع عن تدمير ونهب ممنهج في جنوب لبنان، مما يشير إلى نمط سلوكي متكرر ومقلق للغاية. وقد وثقت هذه التقارير تفاصيل دقيقة عن نوعية الممتلكات المسروقة وكيفية نقلها، مما يعزز الادعاءات حول الطبيعة المنظمة لهذه العمليات.
وأفاد موقع Ynet الإخباري الإسرائيلي في وقت سابق من هذا الشهر بأن قادة عسكريين يواجهون صعوبة متزايدة في التعامل مع حجم عمليات النهب المتزايدة والمنتشرة، مما يعكس مدى تفشي هذه الظاهرة داخل صفوف القوات. ووفقاً لأحد جنود الاحتياط الذين تحدثوا عن هذه الممارسات، لم يُعاقب أي جندي على أعمال النهب التي وقعت، مما يعكس مستوى من التسامح أو اللامبالاة تجاه هذه الأفعال، ويزيد من احتمالية تكرارها. وقال هذا الجندي الاحتياطي إن "لم يكن هناك سبب آخر سوى الانتقام" من وراء هذه الأفعال، مشيراً إلى دافع شخصي لا علاقة له بالضرورات العسكرية أو الأهداف الاستراتيجية، بل يرتكز على الرغبة في الانتقام والتدمير.
من جانبها، قالت منظمة Euro-Med Human Rights Monitor (المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان) إن التقارير الواردة من لبنان تشير إلى "نمط واضح من السرقة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية". وأضافت المنظمة أن القوات الإسرائيلية كانت "تداهم المنازل، وتعبث بالممتلكات، وتنهب أموال وممتلكات السكان الشخصية"، مشيرة إلى أن هذه الممارسة "يبدو أنها أصبحت سياسة فعالة للدولة والجيش" وليست مجرد حوادث فردية معزولة. وذكرت منظمة Euro-Med أنها وثقت أيضاً عمليات نهب مماثلة في غزة والضفة الغربية المحتلة، مما يؤكد أن هذه الظاهرة تتجاوز حدود لبنان وتنتشر في مناطق أخرى تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، مما يشير إلى منهجية أوسع في التعامل مع ممتلكات المدنيين.
وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي نزح فيه حوالي 100 ألف لبناني من منازلهم في الأيام الأخيرة، خوفاً من الضربات الإسرائيلية المتواصلة، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (Ocha). هذا النزوح الجماعي يعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة في المنطقة، ويزيد من الضغوط على المجتمعات المضيفة. وفي سياق متصل، قتل حزب الله 21 جندياً إسرائيلياً على الأقل منذ شهر مارس، منهم ثمانية منذ 17 أبريل، معظمهم من القوات الغازية المتمركزة داخل لبنان، مما يشير إلى استمرار الاشتباكات العنيفة وتصاعد وتيرتها. وأكد جندي احتياطي آخر في تصريحاته، أن "لم يكن هناك سبب آخر سوى الانتقام" يبرر هذه الأعمال، مكرراً نفس الدافع الذي ذكره زميله، مما يسلط الضوء على الطبيعة الانتقامية لبعض هذه الأفعال بدلاً من كونها ضرورة عسكرية.
تدمير المنازل كمهمة أساسية ومشاركة أطراف غير عسكرية
ذكرت تقارير أن منازل ومدارس وعيادات دمرت في جنوب لبنان دون وجود مبرر عسكري معلن لهذه الأعمال، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف العسكرية لهذه العمليات وتأثيرها على البنية التحتية المدنية. هذه الأفعال تأتي ضمن سياق أوسع لعمليات تدمير ونهب في المنطقة اللبنانية، مما يزيد من معاناة السكان المدنيين ويقوض قدرتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية. كانت صحيفة "هاآرتس" قد أشارت سابقاً إلى أن المهمة الرئيسية للجيش في جنوب لبنان كانت تدمير المنازل، وفقاً لتصريحات جندي احتياط، مما يؤكد أن هذا التدمير لم يكن عرضياً أو نتيجة لعمليات جانبية، بل كان جزءاً أساسياً من المهمة الموكلة إليهم. وقد شملت عمليات التدمير هذه بنى تحتية مدنية أساسية وحيوية، مثل المدارس التي تعد ركيزة التعليم والمستقبل، والعيادات التي تقدم الرعاية الصحية الضرورية، مما يثير تساؤلات حول الأهداف العسكرية لهذه الإجراءات وتأثيرها المدمر على الحياة اليومية للمواطنين، ويزيد من الشكوك حول الامتثال للقانون الدولي الإنساني.
تم تنفيذ جزء كبير من أعمال الهدم هذه بواسطة مقاولين خاصين، من ضمنهم "مستوطنون متطرفون" بالإضافة إلى عمال من البدو والدروز. يشير هذا إلى استخدام جهات غير عسكرية مباشرة في عمليات تدمير الممتلكات في جنوب لبنان، مما يضيف بعداً آخر لهذه الممارسات ويكشف عن شبكة أوسع من الفاعلين المتورطين في هذه الأنشطة. هذه الأنماط من العمليات تضيف طبقة أخرى إلى الاتهامات الموجهة للقوات الإسرائيلية، حيث تُظهر مشاركة أطراف متنوعة في تنفيذ أعمال الهدم التي وصفها البعض بأنها لا تحمل مبررات عسكرية واضحة، وتثير تساؤلات حول مساءلة هذه الأطراف غير العسكرية. يثير ذلك تساؤلات حول طبيعة التخطيط والتنفيذ لهذه العمليات ومدى توافقها مع القوانين الدولية التي تحظر تدمير الممتلكات المدنية دون ضرورة عسكرية قصوى، كما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الدولة عن أفعال هؤلاء المقاولين.
في سياق متصل، قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 3,020 شخصاً منذ بدء الهجوم الأخير في مارس، من بينهم 824 شخصاً منذ ما يسمى بوقف إطلاق النار في 17 أبريل، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. تستمر هذه الأرقام في الارتفاع مع استمرار العمليات العسكرية في المنطقة، مما يشير إلى تصعيد مستمر في العنف وتكلفة بشرية باهظة. وتتزامن هذه الإحصائيات المروعة مع تزايد التقارير عن النهب والتدمير، مما يرسم صورة قاتمة للوضع الإنساني والأمني في جنوب لبنان. هذه الخسائر البشرية الفادحة تعكس شدة الصراع وتأثيره المدمر على السكان المدنيين، الذين يواجهون ليس فقط خطر القتل والإصابة، بل أيضاً تدمير منازلهم ومصادر رزقهم، مما يفقدهم سبل العيش الأساسية ويعمق من معاناتهم.
صمت القيادة وتاريخ النهب واللامبالاة المتزايدة
أفاد تلفزيون القناة 14 (Channel 14) بأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، طلب من القادة العاملين في لبنان التوقيع على خطاب يلتزمون فيه بمنع عمليات النهب، في محاولة للسيطرة على الوضع المتدهور ووقف هذه الممارسات المشينة. وعلق زامير على هذه القضية بالقول: "ظاهرة النهب، إن وجدت، هي وصمة عار ويمكن أن تشوه سمعة (الجيش) بأكمله. إذا وقعت مثل هذه الحوادث، فسوف نحقق فيها. أنا لست مستعداً لأن نصبح جيشاً من اللصوص." هذه الخطوة تأتي في ظل تزايد التقارير عن عمليات نهب وتدمير واسعة النطاق في جنوب لبنان، مما يشير إلى محاولة من القيادة العسكرية لمعالجة هذه الاتهامات المتزايدة، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء، وتؤكد على وعي القيادة بخطورة هذه الأفعال على سمعة الجيش وقيمه.
وفي سياق تاريخي، ذكر المؤرخ الإسرائيلي آدم رايز أن "النهب كان جزءاً من كل حرب إسرائيلية"، مضيفاً أن "ما هو جديد هو اللامبالاة التامة" إزاء هذه الأفعال، مما يشير إلى تحول في طريقة تعامل القيادات والمجتمع مع هذه الممارسات. يشير هذا التعليق إلى أن المشكلة قديمة وليست ظاهرة حديثة، لكن حجم التجاهل أو التسامح معها قد تغير، ليصبح أكثر وضوحاً في الصراعات الحالية، مما يثير تساؤلات حول المعايير الأخلاقية والعسكرية المتبعة. يرى رايز أن هذا النمط يتكرر في الصراعات الإسرائيلية المتعاقبة، مما يثير تساؤلات حول مدى فعالية الإجراءات المتخذة لمنع هذه الممارسات أو محاسبة المسؤولين عنها، وكيفية معالجة هذه الظاهرة المتجذرة. هذه "اللامبالاة التامة" التي ذكرها رايز تعكس تغيراً في المعايير أو في تطبيق القوانين العسكرية، مما قد يشجع على المزيد من هذه التجاوزات.
كما أشارت تقارير في يناير إلى أن القوات الإسرائيلية صادرت حوالي 250 رأساً من الماعز من الأراضي السورية ونقلتها إلى بؤر استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. تسلط هذه الحادثة الضوء على أنماط مشابهة من مصادرة الممتلكات التي تتجاوز حدود لبنان، وتظهر استمرار هذه الممارسات في مناطق أخرى تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، مما يؤكد على أن هذه الأفعال ليست مقتصرة على جبهة واحدة. هذه الأحداث، سواء في لبنان أو سوريا أو الضفة الغربية، تساهم في تقديم صورة أوسع لاتهامات بالنهب وتصرفات غير قانونية من قبل عناصر عسكرية إسرائيلية، وتؤكد على أن هذه الممارسات ليست مقتصرة على جبهة واحدة بل هي جزء من نمط أوسع، مما يتطلب تحقيقاً شاملاً ومحاسبة فعالة لضمان احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية ممتلكات المدنيين في جميع المناطق المتضررة من الصراع.