أجّل لبنان، يوم الاثنين، تصويتاً برلمانياً على مشروع قانون للعفو العام، وذلك وسط احتجاجات واسعة النطاق في البلاد. كان من المقرر أن تُعقد الجلسة العامة للتصويت على القانون، الذي أثار جدلاً كبيراً، في 20 مايو. أعلن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تأجيل الجلسة البرلمانية التي كان من المقرر أن تناقش وتصوت على مشروع القانون المثير للجدل. جاء هذا التأجيل في ظل حالة من الاستنفار الشعبي والاعتراضات التي عمت مناطق مختلفة من لبنان، خاصة بسبب الاستثناءات التي تضمنها مشروع القانون المقترح والتي أثارت مخاوف بشأن تبعات القانون المقترح وما قد يترتب عليها من تداعيات.
تضمن مشروع قانون العفو العام بنداً يقضي بمنح العفو عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ الأول من مارس 2026. لم يوضح بري أسباب التأجيل بشكل فوري، لكن القرار جاء في ظل احتجاجات وتصعيد طائفي، وهو ما أثار مخاوف بشأن تبعات القانون المقترح. وقد سبق أن حذر معتقلون إسلاميون في السجون اللبنانية من القانون المقترح، واصفين إياه بأنه "فخ لترسيخ الظلم".
خلفيات الاتفاق على صيغة القانون وتفاصيله
توصلت اللجان النيابية المشتركة، في 19 مايو، إلى صيغة توافقية لمشروع قانون العفو العام المقترح بعد مداولات مكثفة. وفي سياق متصل، رفض معتقلون إسلاميون استثناءات يعتقدون أنها تحد من استفادتهم الفعلية من القانون، مما أضاف طبقة من التعقيد إلى المشهد السياسي والاجتماعي. من جانبه، صرح نائب رئيس مجلس النواب، إلياس بو صعب، بأن صيغة مقبولة من الأغلبية الساحقة في البرلمان قد تم التوصل إليها، مؤكداً على أن الجهود المبذولة في اللجان المشتركة قد أثمرت عن توافق واسع. وأفاد بو صعب قائلاً: "لقد توصلنا إلى صيغة مقبولة من الأغلبية الساحقة في البرلمان، والعدد المطلوب من أصوات النواب موجود لتمرير قانون العفو وفقاً لما اتفقنا عليه في اللجان المشتركة". هذا التصريح يعكس ثقة داخل الأروقة البرلمانية بإمكانية تمرير القانون، لولا الضغوط الشعبية التي أدت إلى تأجيل التصويت.
وشملت التعديلات التي تم اعتمادها تحديد عقوبات السجن لجرائم الإعدام بـ 28 عاماً، مما يعني حوالي 21 عاماً من السجن الفعلي بعد احتساب التخفيضات المحتملة. كما حددت التعديلات عقوبات السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بـ 17 عاماً من السجن، وهو ما يمثل تخفيفاً كبيراً عن العقوبات الأصلية. تضمنت التعديلات تخفيضاً في العقوبات بمقدار الثلث، مما يعكس توجهاً نحو تقليص مدد السجن للمشمولين بالعفو. واعتمد المقترح أيضاً أحكام القانون رقم 194، الصادر عام 2011 والمتعلق بالمهجرين، وهو ما يفتح الباب أمام معالجة قضايا هذه الفئة.
ويتطلب المقترح الإفراج عن المعتقلين الذين أمضوا ما يصل إلى 14 عاماً في السجن دون صدور أحكام نهائية بحقهم، وهو ما يمثل نقطة محورية في المطالبات المتعلقة بتحقيق العدالة الإجرائية. وبشأن هذه النقطة، أوضح المحامي هيثم عزو أن "المقترح يتطلب الإفراج عن المعتقلين الذين أمضوا ما يصل إلى 14 عاماً في السجن دون صدور أحكام نهائية بحقهم، مما يشكل معاملة استثنائية لوضع قانوني شديد التعقيد أثار طويلاً قضايا تتعلق بضمانات الحرية الشخصية". هذه التطورات تأتي في ظل متابعة حثيثة للتحركات التشريعية الرامية إلى معالجة ملف العفو العام في لبنان، وتبرز التحديات القانونية والإنسانية التي يواجهها هذا الملف.
الاحتجاجات الشعبية والمطالب المتزايدة
اندلعت احتجاجات واسعة في مناطق مختلفة من لبنان، خاصة في الشمال ومنطقة البقاع، على خلفية الاستثناءات التي تضمنها مشروع قانون العفو العام، والتي اعتبرها المحتجون تمييزية بحق المعتقلين والمدانين الإسلاميين. تضمنت هذه الاحتجاجات حرق إطارات وإغلاق طرق رئيسية، مما أثر على حركة المرور وعكس حالة من الغضب الشعبي المتزايد والرفض القاطع للصيغة المطروحة. هذه التحركات الاحتجاجية كانت واسعة النطاق، وشملت مناطق حساسة في البلاد، مما يدل على عمق الاستياء الشعبي.
طالب المحتجون بعفو يشمل جميع المعتقلين والمدانين دون استثناءات، مؤكدين على ضرورة تحقيق العدالة والمساواة في تطبيق القانون على جميع الحالات المعنية، ورفضهم لأي تمييز يمكن أن ينتقص من حقوق فئات معينة. كما ذكر المحتجون الشيخ أحمد الأسير تحديدًا، وهو شخصية دينية حكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، وذلك ضمن مطالبهم الشاملة بالعفو. هذا التركيز على الأسير يشير إلى عمق القضية بالنسبة للمحتجين ورغبتهم في شمول العفو لشخصيات بارزة في قضايا ذات حساسية سياسية ودينية، ويعكس رغبة في معالجة ملفات يعتبرونها سياسية بامتياز. تأتي هذه المطالبات في وقت حساس يشهد فيه لبنان توترات اجتماعية وسياسية متزايدة، مما يزيد من تعقيد مهمة صياغة قانون يحظى بقبول واسع.
وفي سياق متصل، أصدر معتقلون إسلاميون في السجون اللبنانية بياناً حذروا فيه من القانون المقترح، واصفين إياه بأنه "فخ لترسيخ الظلم" بدلاً من إزالته. يعكس هذا البيان موقف المعتقلين الرافض للصيغة الحالية للقانون، ويعبر عن مخاوفهم من أن يؤدي تطبيق القانون إلى تعميق الإحساس بالظلم بدلاً من معالجته. ويشير هذا إلى أن المعتقلين يرون في القانون استمراراً للتمييز ضدهم، وليس حلاً شاملاً لمشكلاتهم، مما يضيف بعداً آخر للاعتراضات على القانون.
تُبرز هذه التطورات مدى تعقيد ملف العفو العام في لبنان، حيث يتجاوز الجانب القانوني ليشمل أبعاداً اجتماعية وسياسية عميقة، مما يجعل التوصل إلى حل توافقي مهمة صعبة تتطلب مراعاة جميع الأطراف. وتظهر الاحتجاجات والبيانات الصادرة من المعتقلين أن أي قانون عفو يجب أن يأخذ في الاعتبار المطالب الشعبية والشعور بالظلم لكي يحظى بالقبول، ويحقق الأهداف المرجوة منه دون إثارة المزيد من الانقسامات.
الاستثناءات المثيرة للجدل في القانون وتداعياتها
تضمن مشروع قانون العفو العام في لبنان عدة استثناءات أثارت جدلاً واسعاً، حيث نص على عدم شمول العفو لعدد من الجرائم المحددة التي تعتبر ذات خطورة خاصة أو تمس بأمن الدولة والمجتمع. شملت هذه الاستثناءات جرائم القتل العمد أو مع سبق الإصرار والترصد ضد المدنيين والعسكريين، ما يوضح تركيز المشرعين على عدم التسامح مع الجرائم التي تستهدف الأرواح بشكل مباشر، سواء كانت ضحاياها من المدنيين الأبرياء أو من أفراد القوات المسلحة التي تضطلع بمهام حماية الوطن.
كما استُثنيت من أحكام العفو الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وهي عادة ما تكون قضايا ذات حساسية وطنية أو أمنية بالغة، وتتطلب معالجة قضائية خاصة نظراً لطبيعتها وتأثيرها على الأمن العام والاستقرار. هذا الاستثناء يؤكد على أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها في ملف العفو العام، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تمس صميم الدولة ومؤسساتها.
إضافة إلى ذلك، فإن مشروع القانون لم يشمل جرائم المخدرات الجنائية في حالات العود أو التعدد في الأحكام أو الملاحقات القضائية، مما يشير إلى مقاربة صارمة تجاه تجار المخدرات المتكررين والشبكات الإجرامية التي تعمل في هذا المجال. هذا يعكس التزاماً بمكافحة آفة المخدرات التي تهدد الأمن الاجتماعي والصحة العامة، وعدم منح أي فرصة للمتورطين المتكررين في هذه الجرائم لتجنب العقاب.
كما استبعد العفو جرائم الخيانة والتجسس والاتصالات غير المشروعة مع إسرائيل، وهو ما يعكس الموقف الرسمي الصارم تجاه أي مساس بالأمن القومي اللبناني وعلاقته بالكيان الإسرائيلي. هذه الجرائم تعتبر من أخطر الجرائم التي يمكن أن ترتكب ضد الدولة، وبالتالي فإن استثنائها من العفو يؤكد على الأولوية المطلقة لحماية سيادة لبنان واستقلاله.
ولم يقتصر الاستثناء على الجرائم الأمنية والشخصية، بل امتد ليشمل الجرائم المتعلقة بالاعتداء على الأملاك العامة والأموال العامة، تأكيداً على حماية ممتلكات الدولة من أي تجاوزات أو فساد. هذا البند يعكس التزاماً بمحاربة الفساد وحماية الموارد العامة، وهي قضية تحظى باهتمام كبير في الشارع اللبناني. أخيراً، استُثنيت أيضاً الجرائم المنصوص عليها في قوانين مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع، مما يشير إلى رغبة في عدم منح حصانة للمتورطين في قضايا الفساد، وذلك في ظل المطالبات الشعبية المتزايدة بمحاربة هذه الظاهرة التي أثرت بشكل كبير على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
قضايا إضافية وتداعيات التأجيل على المشهد اللبناني
جاء التأجيل وسط احتجاجات وتصعيد طائفي، ما أثار مخاوف بشأن تبعات القانون المقترح وتأثيره على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد. وقد نصّ المقترح على حق عائلات شهداء الجيش في عدم التنازل عن حقوقها الشخصية أمام القضاء المدني، وهو ما يؤكد على احترام تضحيات الجيش وضرورة الحفاظ على حقوق ذوي الشهداء. هذا البند يمثل نقطة مهمة في القانون، حيث يوازن بين مبدأ العفو وحقوق الضحايا.
كما برزت قضية المهجرين اللبنانيين إلى إسرائيل كمسألة خلافية أخرى تتطلب معالجة شاملة ضمن أي قانون عفو. وفي هذا السياق، دعا البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي إلى أن يعالج قانون العفو العام وضع المهجرين اللبنانيين إلى إسرائيل، مؤكداً على أهمية إيجاد حلول لهذه الفئة التي تعاني من أوضاع خاصة ومعقدة. هذه الدعوة تعكس بعداً إنسانياً ووطنياً لملف العفو العام، وتضيف إليه تحديات جديدة تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً.
التأجيل يعكس مدى الحساسية والتعقيد المحيط بقانون العفو العام في لبنان، حيث تتداخل فيه الأبعاد القانونية والاجتماعية والسياسية والطائفية. إن التوصل إلى صيغة توافقية تحظى بقبول جميع الأطراف المعنية، وتلبي المطالب الشعبية دون المساس بالعدالة أو الأمن، يظل تحدياً كبيراً أمام السلطات اللبنانية، ويتطلب حواراً وطنياً شاملاً ومعمقاً.