أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، زيارته الرسمية الثانية إلى دمشق في 9 مايو 2026، وذلك بعد عامين من سقوط نظام الأسد في سوريا. تأتي هذه الزيارات في سياق تحولات إقليمية وسياسية كبيرة أعادت تشكيل العلاقات الثنائية المعقدة بين البلدين الجارين. كانت سوريا قد شهدت نهاية حكم عائلة الأسد الذي استمر خمسة عقود، مع فرار بشار الأسد من البلاد في 8 ديسمبر 2024، في حدث تاريخي هز المنطقة بأسرها وأنهى خمسة عقود من حكم الأسرة. هذا التغير الجذري في المشهد السوري فتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة للعلاقات الإقليمية والدولية.
وفي سابقة دبلوماسية غير مسبوقة، أصبح أحمد الشرع أول زعيم سوري يزور البيت الأبيض في 10 نوفمبر 2025، مما يعكس التغيرات الجوهرية في المشهد السياسي الإقليمي والدولي تجاه دمشق والنظام السوري الجديد. هذه الزيارة رفيعة المستوى أشارت إلى إعادة تموضع سوريا على الساحة العالمية بعد سنوات من العزلة. خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة السورية، صرح نواف سلام بأنهم "ناقشوا مواصلة الجهود لمعالجة قضية المعتقلين السوريين [في لبنان] وكشف مصير المفقودين والمعتقلين قسراً في كلا البلدين". هذه التصريحات تسلط الضوء على القضايا الإنسانية العالقة بين البلدين والتي تعود لعقود من الزمن، وتؤكد على أهمية معالجتها في إطار العلاقات الجديدة. كما أن زيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى دمشق، وهي الثانية له منذ سقوط نظام الأسد في عام 2024، تؤكد على الأهمية المتزايدة للعلاقات الثنائية في ظل المتغيرات الإقليمية.
إرث الهيمنة السورية وتداعياته على لبنان
في عام 1976، غزت سوريا تحت حكم حافظ الأسد لبنان واحتلت أجزاء منه، محافظة على نفوذ سياسي وأمني كبير استمر حتى عام 2005. وشمل هذا النفوذ السيطرة على القرار السياسي اللبناني ووجود عسكري واسع النطاق، مما أثر بشكل عميق على سيادة لبنان واستقلاله. استمر هذا الوضع لما يقرب من ثلاثة عقود، وشكل جزءًا أساسيًا من العلاقة بين البلدين، مخلفًا قضايا عالقة تتعلق بالسيادة والحدود والأشخاص المفقودين، بالإضافة إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد. وقد أثر هذا التاريخ الطويل من الهيمنة بشكل عميق على البنية السياسية والأمنية والاقتصادية للبنان، وترك ندوبًا لا تزال تظهر في العلاقات الثنائية.
خلال فترة حكم الأسد، عانت سوريا من عزلة دولية متزايدة، وتعرضت لعقوبات دولية متكررة ومتفاقمة فرضتها قوى عالمية وإقليمية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب المزعوم. وقد أثرت هذه العقوبات بشكل كبير على الاقتصاد السوري وقدرته على الاندماج في الاقتصاد العالمي، مما أدى إلى تدهور مستمر في الظروف المعيشية للمواطنين. وشملت العقوبات قيودًا على التجارة والاستثمار، وتجميد أصول، وحظر سفر على مسؤولين حكوميين، مما فاقم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهتها البلاد. وقد ساهم هذا الوضع في تعميق الأزمة الاقتصادية داخل سوريا، مما أثر بدوره على قدرتها على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية وتسبب في ابتعادها عن المجتمع الدولي.
أولويات دمشق الجديدة في الملف اللبناني بعد سقوط الأسد
في ديسمبر 2024، شنت جماعات المعارضة السورية عملية واسعة النطاق للسيطرة على المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الحكومة، بما في ذلك العاصمة دمشق، من نظام الأسد. هذه العملية العسكرية الحاسمة أدت إلى انهيار سريع للنظام وهروب بشار الأسد، مما فتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا. في أعقاب هذه التطورات الجذرية، حدد نانار حواش، أحد الشخصيات البارزة في الحكومة السورية الجديدة، أولويات دمشق الجديدة في الملف اللبناني. صرح حواش بأن "أولويات دمشق القصوى في الملف اللبناني هي ضبط الحدود وترسيمها، ونقل المعتقلين السوريين المحتجزين في السجون اللبنانية، وعودة اللاجئين بشروط تستطيع دمشق إدارتها، وشخصيات حقبة الأسد التي فرت إلى لبنان". هذه الأولويات تعكس رغبة دمشق في إعادة ترتيب العلاقة مع لبنان على أسس جديدة تراعي مصالحها الوطنية وتحقيق الاستقرار على الحدود. وأضاف حواش أن "استعادة الودائع السورية المحتجزة في البنوك اللبنانية تأتي بعد هذه الأولويات، وتصنف الملفات الاقتصادية مثل الغاز والكهرباء والعبور في مرتبة أدنى على الرغم من أنها تولد معظم الخطاب العام". هذا الترتيب للأولويات يشير إلى أن الحكومة السورية الجديدة تضع القضايا الأمنية والإنسانية في صدارة اهتماماتها قبل المسائل الاقتصادية المباشرة، مما يعكس تحولاً في السياسة الخارجية السورية.
وفي خطوة عملية نحو تحقيق هذه الأولويات، تم في مارس 2026 نقل 130 سجيناً سورياً من لبنان إلى سوريا، وذلك لاستكمال ما تبقى من فترات أحكامهم في بلادهم. هذا النقل يعكس إحدى النقاط الرئيسية على جدول أعمال دمشق الجديدة فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية مع لبنان، ويسلط الضوء على التعاون العملي بين الدولتين في معالجة القضايا العالقة. خلال العام الذي تلا سقوط نظام الأسد، تعرضت سوريا لأكثر من 600 ضربة إسرائيلية، مما يشير إلى استمرار التوترات الأمنية في المنطقة وحساسية الوضع الجيوسياسي الذي تواجهه الحكومة السورية الجديدة. هذه الضربات الإسرائيلية المتكررة تزيد من تعقيد التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، وتبرز الحاجة إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي.
تأثير الهجمات الإسرائيلية المشتركة وتصاعد التوترات
تعاني كل من لبنان وسوريا من هجمات إسرائيلية مستمرة واحتلال لأراضيهما، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة ويفرض تحديات كبيرة على الحكومتين. هذه الهجمات لا تقتصر على منطقة واحدة، بل تمتد عبر الحدود، مما يؤثر على الاستقرار الإقليمي ككل ويؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية. وفي سياق هذه التطورات، أبدت الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، معارضة شديدة لحزب الله، مما يمثل تحولاً كبيراً في السياسة السورية تجاه هذا الفاعل الإقليمي الرئيسي. هذه المعارضة المفتوحة لحزب الله تشير إلى رغبة دمشق في إعادة تعريف تحالفاتها ودورها في المنطقة، وتجنب الارتباط بالقوى التي قد تزيد من عزلتها الدولية. وقد أسفرت الهجمات الإسرائيلية في لبنان عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص منذ 2 مارس 2026، مما يبرز حجم الخسائر البشرية والمعاناة التي يتكبدها المدنيون. كما تسببت هذه الهجمات في نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص داخل لبنان، مما يبرز الأثر الإنساني الكبير للوضع الأمني المتدهور وحجم الأزمة التي تواجهها البلاد، ويضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية والموارد. وتصاعدت حدة التوترات عندما هاجم حزب الله إسرائيل في 2 مارس 2026، وذلك رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، في تصعيد خطير للعنف الإقليمي أثار مخاوف من حرب أوسع نطاقاً وأضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراعات القائمة.
نحو سيادة متساوية وتنسيق إقليمي جديد
أدى سقوط نظام الأسد إلى قطع الطريق البري الذي كان حزب الله يستخدمه لتلقي التمويل والأسلحة من إيران، مما يمثل ضربة كبيرة لقدرة الحزب على إعادة الإمداد والدعم اللوجستي. هذا التطور يعيد تشكيل ديناميكيات القوى الإقليمية ويفرض تحديات جديدة على الجماعات المسلحة في المنطقة، ويعيد التوازن في المشهد الأمني، ويحد من نفوذ الفاعلين غير الحكوميين. في سياق هذه التحولات، تسعى قوى إقليمية رئيسية لتشجيع التعاون بين البلدين، حيث أشار منير ربيع، المحلل السياسي، إلى أن "تركيا والمملكة العربية السعودية ترغبان في تنسيق بين لبنان وسوريا". يعكس هذا التوجه رغبة في استقرار المنطقة وخلق بيئة إقليمية أكثر توازناً بعد سنوات من النفوذ السوري الأحادي في لبنان. هذه الجهود تأتي في ظل الحاجة إلى معالجة القضايا العالقة بين الجارين، وتؤكد على أهمية بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح المشتركة، بما في ذلك قضايا الحدود واللاجئين. التنسيق بين لبنان وسوريا، بدعم من القوى الإقليمية، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات الأمن والاقتصاد واللاجئين، مما يعود بالنفع على البلدين والمنطقة ككل، ويساهم في استقرار طال انتظاره في هذه المنطقة الاستراتيجية.