اعترف الجيش الإسرائيلي بأن الطائرات المسيرة تشكل تهديدًا معقدًا لقواته التي تغزو جنوب لبنان. يأتي هذا الاعتراف في ظل استمرار حزب الله في إطلاق الطائرات المسيرة نحو شمال إسرائيل وعلى القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وقد تعامل الجيش الإسرائيلي خلال الشهرين الماضيين مع مئات من طائرات حزب الله المسيرة، في إشارة إلى حجم التحدي المتزايد الذي تواجهه القوات الإسرائيلية في المنطقة.
يُذكر أن الرقيب عيدان فوكس (Idan Fooks)، البالغ من العمر 19 عامًا، قُتل مؤخرًا جراء هجوم بطائرة مسيرة. وبعد وقت قصير من هذا الحادث المأساوي، أصابت طائرة مسيرة متفجرة أخرى الموقع بينما كانت مروحية تصل لإجلاء جثته وستة جنود آخرين مصابين، مما يسلط الضوء على الطبيعة المتطورة والخطيرة للتهديدات التي تواجهها القوات الإسرائيلية في ساحة المعركة.
تطور التهديد وتأثيره على العمليات
وصف جندي إسرائيلي الوضع الحالي بأنه أسوأ مما كان عليه في السابق، مشيراً إلى أنه في الجولات السابقة كان الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية العمل وشن الهجمات في أي مكان بجنوب لبنان. وأفاد الجندي الإسرائيلي بأن "حزب الله يطلق النار بكثافة"، مما يعكس تغيراً في ديناميكيات الصراع. ويُذكر أن حزب الله يستخدم طائرات مسيرة هجومية باتجاه واحد ضد إسرائيل منذ سنوات، وفقاً للتقارير. وقد استخلص حزب الله دروساً من الحروب السابقة، وحدد نقاط الضعف في القوات الإسرائيلية المنتشرة في مناطق القتال، مما مكنه من تطوير تكتيكاته الهجومية.
يستهدف حزب الله التحصينات ومناطق تجمع القوات باستخدام طائرات مسيرة انتحارية يتم التحكم فيها عن بعد، والتي تحوم أو تنتظر فوق أسطح المنازل. وقال جندي إسرائيلي عن هذه الطائرات: "إنها تحوم في الجو أو تنتظر على أسطح المنازل. في اللحظة التي يكون فيها حركة، تنفجر فوق القوات. من الصعب للغاية اكتشافها – صغيرة وصامتة وسريعة". وتعد الطائرات المسيرة المتصلة عبر الألياف البصرية صامتة ولا تصدر أي إشارات، مما يجعل اكتشافها أو اعتراضها صعباً للغاية على أنظمة الدفاع التقليدية. وقد أدمج حزب الله مجموعة واسعة من الطائرات بدون طيار في ترسانته العسكرية، بما في ذلك طائرات استطلاع رباعية المراوح ومنصات ثابتة الجناحين وذخائر متسكعة محملة بالمتفجرات، مما يعكس تنوع قدراته الهجومية والاستطلاعية.
توسعت قدرات حزب الله في مجال الطائرات المسيرة بسرعة ملحوظة، متأثرة بعمليات نقل التكنولوجيا من إيران وبالدروس المستفادة من صراعات مختلفة مثل تلك التي جرت في أوكرانيا والقوقاز والشرق الأوسط. وقد أظهر حزب الله في الأسابيع الأخيرة المزيد من الطائرات المسيرة الصغيرة من منظور الشخص الأول (FPV) بالإضافة إلى طائرات مسيرة متصلة بكابلات الألياف البصرية. واعتمد الحزب بشكل متزايد على طائرات مسيرة رخيصة ومحدثة مزودة بالمتفجرات وكابلات الألياف البصرية، مما يزيد من صعوبة التصدي لها نظراً لتكلفتها المنخفضة وسهولة الحصول عليها. ويدرك جنود الاحتياط الذين يخدمون تحت نيران حزب الله في جنوب لبنان حجم التهديد المتزايد، ويعمل العديد منهم على تطوير تكنولوجيا أنظمة مكافحة الطائرات بدون طيار (C-UAS) بعد عودتهم إلى ديارهم، في محاولة لابتكار حلول فعالة لهذا التحدي. وفي أكتوبر 2024، قتلت طائرات مسيرة تابعة لحزب الله أربعة جنود يبلغون من العمر 19 عاماً في قاعدة تدريب تابعة للواء غولاني بالقرب من بنيامينا (Binyamina)، مما يؤكد على فتك هذه الأسلحة وقدرتها على تجاوز الدفاعات.
فجوة الاستجابة الإسرائيلية والحلول المتاحة
وصف ضابط إسرائيلي رفيع المستوى تهديد الطائرات المسيرة بأنه "تحدٍ كبير للغاية"، مشيراً إلى وجود "فجوة واضحة بين إدراك التهديد والاستجابة الفعالة له". ويُذكر أن هذه الطائرات المسيرة تتميز بصغر حجمها وصمتها وتوافرها بسهولة، مما يجعلها أداة فعالة لحزب الله في استهداف القوات الإسرائيلية.
وبحسب تقارير، تمتلك إسرائيل إحدى أكثر شبكات الدفاع الجوي تطوراً في العالم، إلا أن هذه الأنظمة صُممت في الأساس لاعتراض الصواريخ والقذائف والطائرات الكبيرة. وعلى الرغم من ذلك، أفادت تقارير بأن نظام "الحديد الليزري" (Iron Beam) يعمل على الحدود الشمالية وقد اعترض بنجاح عدة طائرات مسيرة، مما يمثل بصيص أمل في مواجهة هذا التهديد. كما يمكن للقبة الحديدية التعامل مع الطائرات المسيرة، لكنها تمثل حلاً مكلفاً للغاية لتهديد رخيص ومتوفر بكثرة، مما يثير تساؤلات حول الكفاءة الاقتصادية لاستخدامها ضد هذه الأهداف.
يضم قطاع التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلي عشرات الشركات التي تعمل بنشاط على تطوير حلول لمكافحة الطائرات المسيرة (C-UAS)، في محاولة لسد الفجوة التكنولوجية الحالية. ومع ذلك، فإن الحدود بين إسرائيل ولبنان تمتد عبر تضاريس متنوعة تشمل الجبال والوديان والغطاء النباتي الكثيف، مما قد يؤثر بشكل كبير على أداء أجهزة الاستشعار وأنظمة الكشف والاعتراض. هذه العوامل الجغرافية تزيد من التعقيد في مواجهة التهديد المتزايد للطائرات المسيرة الصغيرة التي يستخدمها حزب الله، وتتطلب حلولاً أكثر تكيفاً ومرونة.
سياق الصراع وتداعيات الهجمات
بدأ حزب الله عملياته العسكرية ضد إسرائيل في 2 مارس/آذار، وذلك رداً على ما وصفه بـ "عدوانها المتواصل" وانتهاكاتها المتكررة لوقف إطلاق النار لعام 2024، واستمرار احتلالها للأراضي اللبنانية. وقد جاء هذا التحرك أيضاً في سياق الرد على عدوان إسرائيل ضد إيران. وعقب اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في 8 أبريل/نيسان، اضطرت تل أبيب لقبول وقف إطلاق النار في لبنان أيضاً، بعد مطالبة طهران بإنهاء الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. لكن الجيش الإسرائيلي استأنف هجماته على جنوب لبنان حتى بعد تمديد الهدنة الأولية التي استمرت عشرة أيام لثلاثة أسابيع إضافية، مما يشير إلى استمرار التوترات في المنطقة. وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلية احتلال أجزاء من جنوب لبنان، فارضة "الخط الأصفر" كمنطقة عازلة، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني.
وفقاً للسلطات اللبنانية، قُتل ما يقرب من 2500 شخص في لبنان منذ أن شنت إسرائيل هجومها المتجدد أوائل مارس/آذار، مما يسلط الضوء على الكلفة البشرية الباهظة لهذا الصراع. ورغم فترات وقف إطلاق النار، لم تتوقف أنشطة الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله، مما يشير إلى أن الجماعة تمتلك سلسلة إمداد مرنة لطائراتها المسيرة، مما يمكنها من مواصلة عملياتها بغض النظر عن الهدنات المؤقتة. وفي حادث منفصل، قُتل موظف تابع لوزارة الحرب الإسرائيلية أثناء قيامه بهدم منازل في جنوب لبنان باستخدام جرافة، مما يبرز طبيعة الأعمال العسكرية في المنطقة وتأثيرها على البنية التحتية والمدنيين.