لبنان على حافة أزمة غذائية حادة مع تصاعد النزاع والنزوح

يواجه لبنان أزمة انعدام أمن غذائي حادة من المتوقع أن تؤثر على أكثر من مليون شخص خلال الأشهر المقبلة، وذلك في ظل تجدد النزاع والنزوح الجماعي. بدأت إسرائيل بقصف لبنان، وخاصة الجنوب، في الثاني من مارس/آذار بعد أن أطلق حزب الله النار عليها. يأتي هذا التصعيد بعد هدنة استمرت يومين أوقفت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران. هذه التطورات الأخيرة تزيد من تعقيد الوضع الإنساني والاقتصادي في البلاد، الذي كان هشًا بالفعل.

شهدت أسعار الخضروات ارتفاعًا تجاوز 20%، بينما زادت أسعار الخبز بنسبة 17% منذ الثاني من مارس/آذار، مما يفاقم الضغوط الاقتصادية على الأسر اللبنانية. في المقابل، أفادت وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية بأن المخزونات الغذائية في البلاد تكفي لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر، وأن سلاسل الإمداد وعمليات الاستيراد والتصدير تعمل بشكل طبيعي في الموانئ والمعابر البرية. صدر هذا التحليل يوم الأربعاء الموافق 29 أبريل/نيسان 2026، في محاولة لطمأنة الرأي العام بشأن توافر السلع الأساسية على المدى القريب.

تداعيات النزاع على الاقتصاد العالمي

قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا في مقابلة مع رويترز يوم الجمعة إن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متتالٍ على الاقتصاد العالمي، معربًا عن قلقه العميق من تداعياتها واسعة النطاق. يمكن أن يرتفع التضخم بما يتراوح بين 200 و 300 نقطة أساس في السيناريو الأساسي للنزاع، وقد يصل تأثير التضخم إلى 0.9 نقطة مئوية إذا استمرت الحرب لفترة أطول. يقدر البنك الدولي نمو الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية بـ 3.65% في عام 2026، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بـ 4% التي كانت متوقعة في أكتوبر الماضي. قد ينخفض هذا النمو بشكل أكبر ليصل إلى 2.6% في سيناريو سلبي يتضمن استمرار الحرب لأمد أطول. كان من المتوقع أن يبلغ التضخم في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية 4.9% في عام 2026، ارتفاعاً من التقدير السابق البالغ 3%. وفي سيناريو متطرف، يمكن أن يشهد التضخم ارتفاعًا يصل إلى 6.7% في هذه الاقتصادات، مما يشير إلى مخاطر اقتصادية جسيمة.

كما أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 50%، مما أثار مخاوف بشأن تكاليف الطاقة العالمية. وعطلت الحرب إمدادات النفط والغاز والأسمدة والهيليوم وسلع أخرى حيوية، بالإضافة إلى تأثيرها السلبي على قطاع السياحة والسفر الجوي الذي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي. وأعلنت هدنة لمدة أسبوعين من قبل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في محاولة لتخفيف حدة التوترات. تساءل بانغا عن مستقبل هذه الهدنة: "السؤال حقًا هو، هل سيؤدي هذا السلام الحالي والمفاوضات التي ستجري في نهاية هذا الأسبوع إلى سلام دائم ومن ثم إعادة فتح مضيق هرمز؟" وأضاف محذرًا: "إذا لم يؤدِ ذلك إلى ذلك، وإذا اندلع الصراع مرة أخرى، فهل سيكون له تأثير أكبر أو طويل الأمد على البنية التحتية للطاقة؟". في سياق متصل، يعمل البنك الدولي بشكل وثيق مع موزمبيق لتوسيع قدراتها في إنتاج الطاقة، كجزء من جهوده لتعزيز أمن الطاقة في المنطقة. وذكر بانغا أن نيجيريا "يجب أن تتنفس الصعداء. لقد بنت القدرة على تحقيق أمن الطاقة لنفسها من خلال هذا الاستثمار الضخم"، في إشارة إلى استثمار مجموعة دانغوتي (Dangote Group) البالغ 20 مليار دولار في مصافٍ داخل نيجيريا. وأوضح: "إنه في الواقع مثال جيد جدًا على الشيء الصحيح الذي يتم القيام به من حيث الاكتفاء الذاتي من الطاقة بالنسبة لهم، ولكن أيضًا لجيرانهم". وأكد بانغا أن "إذا لم يتم تشغيل الطاقة النووية والمائية والحرارية الأرضية على نطاق واسع، جنبًا إلى جنب مع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فسوف ينتهي بهم الأمر إلى فعل المزيد بالوقود التقليدي، ولا أحد يريد ذلك حقًا"، مشددًا على أهمية التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة. وفي سياق منفصل، أنهى البنك الدولي حظراً طويلاً على تمويل مشاريع الطاقة النووية في يونيو/حزيران الماضي، مما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في هذا القطاع.

تأثير الحرب على القطاع الزراعي

يشير المزارع أبو حسن عيسى، الذي ظهر وهو يحمل محاصيله في حقل قرب صور بجنوب لبنان في 27 أبريل/نيسان 2026، إلى تأثير النزاع الإقليمي على أسعار الوقود والغذاء، وهي عوامل تزيد من تكاليف الإنتاج وتحد من وصول المزارعين إلى الأسواق. وأفاد وزير الزراعة اللبناني بأن القطاع سيحتاج إلى "سنوات" للتعافي من تداعيات الصراع المدمرة، مؤكداً على حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية وسلاسل الإمداد. ويواجه المزارعون اللبنانيون صعوبات بالغة جراء الحروب المتتالية التي تضرب المنطقة، مما يعيق قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج. ويأتي ذلك في ظل أزمة أمن غذائي يواجهها لبنان نتيجة الهجوم الإسرائيلي ضد جماعة حزب الله، مما أدى إلى تعطيل إمدادات السلع وارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وفي المناطق المتأثرة بالنزاع في جنوب لبنان، توقف أكثر من 80% من الأسواق عن العمل، وفقًا لتقارير ميدانية، مما يحرم السكان من الوصول إلى المواد الغذائية الأساسية. كما أفاد التجار في هذه المناطق بأن مخزونات المواد الغذائية الأساسية لديهم لا تكفي لأكثر من أسبوع واحد، مما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة في حال استمرار الوضع.

جهود الإغاثة الإنسانية والتحديات

قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا إن النمو العالمي قد ينخفض بما يتراوح بين 0.3 و 0.4 نقطة مئوية في السيناريو الأساسي، حتى مع توقع انتهاء مبكر للحرب، مما يبرز التأثيرات الاقتصادية العميقة التي تتجاوز فترة النزاع المباشر. في خضم هذه التحديات، وصلت عشر قوافل تابعة لبرنامج الغذاء العالمي (WFP) إلى الجنوب لتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية. ويقدر أن ما بين 50 ألف إلى 150 ألف شخص في جنوب لبنان يحتاجون إلى الدعم الإنساني العاجل، مما يبرز حجم الأزمة المتفاقمة والحاجة الملحة للمساعدات.

وقبل التصعيد الأخير للنزاع، كان حوالي 900 ألف شخص في جميع أنحاء لبنان يواجهون بالفعل انعدام الأمن الغذائي، مما يشير إلى هشاشة الوضع قبل الأزمة الحالية وتأثيرها المضاعف. في سياق متصل بالنزاع، صرحت إيران يوم الجمعة بأنه يجب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة ويجب أن يسري وقف إطلاق النار في لبنان قبل أن تتمكن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، المقرر عقدها يوم السبت في باكستان، من المضي قدمًا، مما يربط بين القضايا الإقليمية المختلفة.