تدمير ممنهج في جنوب لبنان: إسرائيل تخلق منطقة عازلة على غرار غزة

Two Israeli soldiers operate in southern Lebanon, as seen from northern Israel, April 29, 2026
الصورة: Ariel Schalit/AP عبر News

تشهد بلدات وقرى في جنوب لبنان دماراً واسع النطاق، حيث تقوم إسرائيل بتدمير منهجي للمناطق على طول حدودها الشمالية، وفقاً لتقارير إعلامية متعددة. تؤكد هذه التقارير أن إسرائيل تدمر البلدات والقرى في جنوب لبنان، وهو ما يهدف إلى تحقيق هدف إسرائيلي معلن يتمثل في إنشاء "منطقة عازلة" على طول حدودها مع لبنان، على غرار المنطقة العازلة التي أقامتها في قطاع غزة. وتؤكد إسرائيل أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز أمنها الحدودي، مشيرة إلى أن عملياتها تستهدف البنية التحتية لحزب الله.

توسع الدمار في بلدات وقرى لبنانية

تعرضت بلدات لبنانية قريبة من الحدود مع إسرائيل لدمار واسع النطاق، نتيجة عمليات الهدم والضربات الإسرائيلية المتواصلة، وفقاً لتقارير إعلامية. هذا الدمار أثر بشكل كبير على البنية التحتية والمباني في هذه المناطق، حيث تشير التقارير إلى أن البلدات القريبة من الحدود مع إسرائيل قد دمرت إلى حد كبير بفعل عمليات الهدم والضربات الإسرائيلية. على سبيل المثال، أصبحت بلدة المنصوري (Mansouri) الآن تقع على بعد أقل من ميل واحد من "الخط الأصفر" الذي حددته إسرائيل في الجنوب، مما يشير إلى تدهور الوضع الجغرافي للمنطقة وتوسع نطاق العمليات الإسرائيلية. وتفيد التقارير أن إسرائيل نفذت عمليات هدم منظمة في 55 بلدة وقرية لبنانية تحتلها حالياً في الجنوب. هذه الإجراءات تأتي ضمن سياق أوسع لما يُوصف بأنه محاولة إسرائيلية لإنشاء منطقة عازلة، وهو هدف صرحت به إسرائيل علانية.

تتجاوز العمليات العسكرية مجرد استهداف المواقع العسكرية المزعومة، لتشمل تدميراً واسع النطاق للبنية التحتية المدنية والمنازل. هذا النمط من التدمير يثير مخاوف جدية بشأن تداعياته الإنسانية والاجتماعية على السكان المحليين الذين أجبروا على النزوح أو فقدوا ممتلكاتهم. وتذكر السجلات التاريخية أن المرة الأخيرة التي احتلت فيها إسرائيل جنوب لبنان، استمر هذا الاحتلال لما يقرب من عقدين من الزمن، مما يثير مخاوف بشأن الآثار طويلة المدى للعمليات الحالية واحتمال استمرار الوجود الإسرائيلي في المنطقة لفترة طويلة. ويؤكد هذا النمط من التدمير الممنهج على أن الأضرار تتعدى الأهداف العسكرية المباشرة لتطال النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية.

أهداف إسرائيل المعلنة وتداعياتها الاستراتيجية

صرحت إسرائيل بأنها تهاجم البنية التحتية لحزب الله في جنوب لبنان. وخلال الشهرين الماضيين من الحرب، استهدفت إسرائيل جسوراً في جنوب لبنان، مما أدى إلى تدمير جميع المعابر الرئيسية فوق نهر الليطاني المتجهة نحو الجنوب. هذه الضربات أثرت بشكل مباشر على حركة المرور والربط بين المناطق الجنوبية واللبنانية الأخرى، وعزلت فعلياً جزءاً كبيراً من الجنوب اللبناني عن بقية البلاد. يهدف هذا التدمير للبنية التحتية الحيوية إلى إعاقة حركة الأفراد والإمدادات، مما يخدم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية المعلنة. ويُعد استهداف البنية التحتية المدنية جزءاً من هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة.

وفي الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار المؤقت الحالي، نفذت إسرائيل ضربة استهدفت جسر القاسمية الساحلي. كان هذا الجسر يمثل آخر معبر متبقٍ إلى الجنوب، مما أدى إلى قطع طرق الإمداد والتنقل بشكل كامل في تلك المنطقة الحيوية قبيل دخول الهدنة حيز التنفيذ. يؤكد استهداف هذا الجسر أهمية البنية التحتية للطرق والجسور في الاستراتيجية الإسرائيلية لعزل الجنوب اللبناني وخلق منطقة عازلة فعالة. هذه الإجراءات الاستباقية، التي تمت قبل سريان وقف إطلاق النار، تشير إلى عزم إسرائيل على تحقيق أهدافها بغض النظر عن الترتيبات المؤقتة. وتندرج هذه العمليات ضمن إطار أوسع من تدمير البلدات والقرى في جنوب لبنان، وهو ما أقرته إسرائيل كجزء من سعيها لإنشاء "منطقة عازلة" على طول حدودها الشمالية.

وقد أعلنت إسرائيل أنها مستعدة للبقاء في جنوب لبنان المحتل لأشهر أو حتى سنوات، في إشارة إلى استراتيجيتها طويلة الأمد في المنطقة. هذا التصريح يثير تساؤلات حول النوايا الإسرائيلية ومدى استمرارية العمليات العسكرية في المستقبل، وتداعيات ذلك على السكان المحليين والبنية التحتية. وتؤكد هذه التصريحات أن الأهداف المعلنة لإسرائيل تتجاوز مجرد العمليات العسكرية المحدودة، وتشمل وجوداً طويل الأمد قد يغير المشهد الجغرافي والسياسي للمنطقة الحدودية بشكل دائم. ويشير هذا التوجه إلى نية إسرائيل في ترسيخ وجودها وتأثيرها في هذه المناطق الحدودية، مما يعمق المخاوف بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي.

تأثير مدمر على البنية التحتية والمدنيين

تأثرت البنية التحتية المدنية في جنوب لبنان بشكل كبير جراء العمليات الإسرائيلية. وتشير تقديرات مسؤولين لبنانيين إلى أن حوالي 62,000 منزل تضررت أو دمرت منذ بداية شهر مارس/آذار وحده. يشمل هذا الدمار الواسع شبكات المياه والكهرباء والجسور، مما يعيق الحياة اليومية للسكان ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً صعباً للغاية. البنية التحتية المدنية في جنوب لبنان تضررت بشكل كبير، مما يؤثر على قدرة المجتمعات على الوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا الدمار الواسع للبنية التحتية المدنية في جنوب لبنان أثر بشكل كبير على حياة السكان، حيث باتت الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء والاتصالات مهددة بشكل مستمر.

وقد حذرت منظمة أوكسفام (Oxfam) غير الحكومية من أن القوات الإسرائيلية "تستخدم خطة غزة في لبنان"، مشيرة إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية للمياه وشبكات الكهرباء والجسور. ووفقاً للمنظمة، فإن هذه الهجمات تهدف إلى "قطع الإمدادات والخدمات الحيوية عن بلدات وقرى بأكملها"، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة ويجعل الظروف المعيشية لا تطاق. هذه الإجراءات تترك المجتمعات المحلية في وضع صعب، حيث تتأثر قدرتهم على الحصول على الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء، مما يعرضهم لمخاطر صحية واجتماعية جسيمة. وتؤكد هذه التحذيرات على النمط الملاحظ في تدمير البنية التحتية المدنية، والذي يطال أساسيات الحياة اليومية للسكان، مما يعكس استراتيجية قد تهدف إلى جعل المنطقة غير صالحة للسكن.

انتهاكات القانون الدولي ومخاوف مستقبلية

تقع بلدة المنصوري على بعد حوالي ستة أميال من الحدود مع إسرائيل. ويلاحظ كوري شير (Corey Scher)، الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر بيئة الصراعات بجامعة ولاية أوريغون، أن مساحات واسعة من البلدات والقرى في لبنان تُزال فعاليًا من الخريطة، على غرار ما حدث في غزة. وذكر شير أن "المناطق المتضررة سابقًا في لبنان تُسوّى بالأرض الآن بشكل كامل. ويبدو الأمر كما بدت غزة، عندما شهدنا أيضًا تسوية كاملة"، مضيفًا أن "الجزء المثير للاهتمام بالنسبة لي، والقاسم المشترك، هو أنك ترى مساحات واسعة من البلدات والقرى تُزال فعليًا من الخريطة". هذه الملاحظات تشير إلى نمط منهجي للتدمير يتجاوز العمليات العسكرية المحدودة، ويهدف إلى تغيير دائم للمشهد الجغرافي.

وفي سياق متصل، علمت زينب مهدي من الناقورة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أن منزلها قد دُمر بالكامل، إلى جانب معظم القرية. وعبرت مهدي عن غضبها وحزنها، قائلة: "أنا غاضبة، وأنا حزينة"، وأضافت: "لكني أشعر أيضًا بالكثير من الخوف – الخوف بشأن المدة التي ستستغرقها عودتنا؟ ماذا لو لم يحدث ذلك في حياتي؟ يا إلهي، يبدو أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً". تعكس مشاعر مهدي اليأس والقلق العميقين بين السكان المتضررين، الذين يواجهون مستقبلاً غامضاً بعد فقدان منازلهم ومجتمعاتهم.

تعتبر عمليات التدمير هذه انتهاكًا للقانون الدولي، وجريمة حرب محتملة. يؤكد خبراء القانون الدولي أن استهداف البنية التحتية المدنية وتدمير المنازل على نطاق واسع دون ضرورة عسكرية واضحة يمكن أن يشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد النزاع المسلح. تلخص مهدي مشاعرها قائلة: "مجرد شم ترابنا يكفي"، وتضيف: "مجرد الجلوس على أرضك في قريتك، يرفع معنوياتك، رغم كل شيء". هذه الكلمات تسلط الضوء على الارتباط العميق للسكان بأراضيهم وتراثهم، وتؤكد على الأثر النفسي والاجتماعي المدمر لهذه العمليات. المخاوف تتزايد بشأن مستقبل هذه المجتمعات، حيث يرى البعض في هذه الإجراءات محاولة لتغيير ديموغرافي وجغرافي للمنطقة الحدودية.