أعلنت إدارة ترامب يوم الخميس عن فرض عقوبات جديدة تستهدف مسؤولين أمنيين لبنانيين للمرة الأولى، في خطوة تأتي وسط جهود أمريكية لمواجهة نفوذ حزب الله في لبنان. وتُعد هذه العقوبات جزءًا من استراتيجية أوسع للضغط على الجماعة التي تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية ووكيلًا لإيران في المنطقة. وتتهم الولايات المتحدة الأفراد الخاضعين للعقوبات بمساعدة حزب الله في التهرب من جهود نزع السلاح التي يدعمها الجيش الأمريكي للجيش اللبناني، بهدف تقويض قدرة حزب الله على العمل بحرية داخل الدولة اللبنانية.
جاء هذا الإعلان يوم الخميس ليشمل مسؤولين أمنيين لبنانيين لأول مرة، إلى جانب أربعة مشرعين تابعين لحزب الله والسفير الإيراني في بيروت، في توسيع ملحوظ لنطاق العقوبات الأمريكية. وتؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات تهدف إلى مواجهة الأجندة الإيرانية الخبيثة في المنطقة، والتي ترى أنها تتجسد في نفوذ حزب الله المتزايد داخل المؤسسات اللبنانية.
مسؤولون لبنانيون ومشرعون تحت طائلة العقوبات
شملت العقوبات الجديدة أربعة نواب في البرلمان اللبناني ينتمون إلى حزب الله، وهم: حسن فضل الله، إبراهيم الموسوي، حسين الحاج حسن، ومحمد عبد المطلب فنيش. ويأتي هذا الإجراء وسط جهود أمريكية متواصلة لمواجهة نفوذ حزب الله في لبنان، وتأكيدًا على أن الجماعة تستغل مواقعها السياسية لتعزيز أجندتها. وقد وصفت وزارة الخزانة الأمريكية محمد عبد المطلب فنيش بأنه يتولى حالياً قيادة المجلس التنفيذي لحزب الله، مما يشير إلى دوره القيادي في المنظمة. وقد اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية الأفراد المعاقبين، بمن فيهم هؤلاء النواب الأربعة، بأنهم يعيقون جهود نزع سلاح حزب الله، مما يسلط الضوء على تغلغل الجماعة في النسيج السياسي اللبناني.
وقد أشارت الوزارة إلى أن هؤلاء الأفراد، من خلال دعمهم للجماعة، "يعززون الأجندة الخبيثة للنظام الإيراني في لبنان ويعرقلون بنشاط مسار السلام والتعافي للشعب اللبناني". وتؤكد واشنطن أن هذه العقوبات تبعث برسالة واضحة مفادها أن أي شخص يدعم حزب الله، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد يواجه عواقب وخيمة.
كما طالت العقوبات أحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفوي، وهما ضابطا أمن مرتبطان بحركة أمل. وتُتهم وزارة الخزانة الأمريكية صفوي بأنه قاد في السابق هجمات ضد إسرائيل، مما يعكس اتهامات أمريكية بضلوع أفراد من هذه الحركة في أنشطة تُعتبر معادية للمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. ووفقاً لتقارير صحفية لبنانية، يُوصف صفوي بأنه مسؤول أمني في حركة أمل ومقره في بعلبك، كما أنه قائد للميليشيا في الجنوب، مما يسلط الضوء على نفوذه الأمني والعسكري.
أُدرج العميد الركن خطار ناصر الدين، رئيس قسم التحليل في المديرية العامة للأمن العام اللبناني، ضمن القائمة السوداء. وشملت العقوبات أيضاً العقيد اللبناني سمير حمادي، رئيس فرع الاستخبارات العسكرية اللبنانية في منطقة الضاحية الجنوبية. واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية حمادي وناصر الدين بتقديم "معلومات استخباراتية مهمة" لحزب الله، مما يبرز الاتهامات الأمريكية بأن بعض المسؤولين الأمنيين اللبنانيين يتعاونون مع الجماعة المصنفة إرهابياً.
وذكرت وزارة الخزانة الأمريكية أن "تصنيفات اليوم تستهدف أفرادًا يعيقون نزع سلاح حزب الله، بمن فيهم أعضاء في البرلمان، ودبلوماسي إيراني ينتهك سيادة لبنان، ومسؤولون أمنيون لبنانيون أساءوا استخدام أدوارهم لإفادة منظمة إرهابية". هذه التصريحات تشدد على أن العقوبات لا تستهدف فقط أعضاء حزب الله الصريحين، بل أيضًا أولئك الذين يُعتبرون ممكنين لأنشطته من داخل المؤسسات الحكومية.
ومن بين المشمولين في هذه العقوبات الجديدة، محمد رضا شيباني، السفير الإيراني المعين لدى بيروت. ويُعتبر إدراج دبلوماسي إيراني رفيع المستوى في قائمة العقوبات خطوة تصعيدية، تؤكد على رؤية واشنطن بأن إيران تستخدم نفوذها الدبلوماسي لدعم حزب الله وتقويض السيادة اللبنانية.
ضغوط أمريكية على الجيش اللبناني
فَتَحَ الكونغرس الباب أمام الولايات المتحدة للتدريب والتجهيز القانوني للجيش اللبناني (LAF) لمواجهة حزب الله في قانون الإنفاق الدفاعي لهذا العام، لكن هذا الدعم يأتي مصحوبًا بضغوط متزايدة وشروط صارمة. وفي السياق ذاته، دعا رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، روجر ويكر (Roger Wicker) من الحزب الجمهوري عن ولاية ميسيسيبي، إلى وقف التمويل الأمريكي للجيش اللبناني ما لم يتحرك لنزع سلاح حزب الله "فوراً". هذه الدعوة تعكس قلقًا متزايدًا في الكونغرس بشأن عدم قدرة أو رغبة الجيش اللبناني في مواجهة نفوذ حزب الله.
كما أنهى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام (Lindsey Graham) بشكل مفاجئ اجتماعاً مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل (Rudolphe Haykal) في ديسمبر الماضي، ودعاه مؤخراً إلى الاستقالة، مما يشير إلى مستوى عالٍ من الإحباط الأمريكي من قيادة الجيش اللبناني. من جانبه، دعا رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش (Jim Risch) من أيداهو، إلى إنهاء "عصر الرضا وعمليات الإنقاذ غير المشروطة" للجيش اللبناني. هذه التصريحات الجماعية من شخصيات مؤثرة في الكونغرس تؤكد على أن الدعم الأمريكي للجيش اللبناني لم يعد يُنظر إليه على أنه غير مشروط، وأن هناك توقعات واضحة بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة ضد حزب الله لضمان استمرار هذا الدعم.
وتعهدت إدارة ترامب بتقديم حوالي 287 مليون دولار، معظمها للجيش اللبناني، مع توجيه 45 مليون دولار من هذا المبلغ إلى قوى الأمن الداخلي في البلاد العام الماضي. هذا التمويل الضخم يعكس أهمية الجيش اللبناني كشريك أمني لواشنطن، لكن المطالب بنزع سلاح حزب الله أصبحت أكثر إلحاحًا. ومن المقرر أن يقدم البنتاغون تقريراً إلى الكونغرس بحلول 30 يونيو حول تقدم الجيش اللبناني في الحفاظ على تمويل التدريب والتجهيز، مما يضع الجيش اللبناني تحت مجهر المراقبة الأمريكية الدقيقة، ويشير إلى أن التمويل المستقبلي قد يكون مرهوناً بمدى التزام الجيش اللبناني بهذه الشروط.
خلفية التوترات الإقليمية والجهود الدبلوماسية
تسعى واشنطن باستمرار لدفع الرئيس اللبناني، جوزيف عون، نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، في إطار جهود دبلوماسية أوسع في المنطقة تهدف إلى تحقيق الاستقرار. وقد تدخلت الولايات المتحدة للتوسط في ثلاث جولات من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في مسعى لحل النزاعات الحدودية وغيرها من القضايا العالقة بين البلدين. هذه المحادثات تعكس محاولة أمريكية لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط وتعزيز التعاون الإقليمي، في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة.
في المقابل، تحتفظ إسرائيل بعدة ألوية عسكرية تحتل شريطاً من الأراضي اللبنانية الجنوبية يمتد لمسافة تتراوح بين 3 و 5 أميال خارج الحدود الإسرائيلية المعترف بها دولياً. هذا الوجود العسكري الإسرائيلي المستمر يمثل نقطة توتر رئيسية في العلاقة بين البلدين، ويسهم في تعقيد المشهد الأمني في الجنوب اللبناني. وقد شهد شهر مارس الماضي إطلاق الجيش الإسرائيلي لغزو متجدد رداً على نيران حزب الله، مما أدى إلى نزوح مليوني شخص وتسبب في أضرار بالغة أو تدمير حوالي 120 قرية وبلدة في جنوب لبنان. هذه الأحداث تسلط الضوء على الطبيعة المتفجرة للصراع الحدودي وتأثيره المدمر على المدنيين، وتؤكد على الحاجة الماسة للتوصل إلى حلول مستدامة للنزاعات الإقليمية.
تداعيات العقوبات الأمريكية على لبنان
تأتي العقوبات الأمريكية الجديدة لتزيد من الضغط على الطبقة السياسية والاقتصادية في لبنان، التي تعاني بالفعل من أزمات متعددة. استهدفت العقوبات أربعة مشرعين لبنانيين تابعين لحزب الله، بالإضافة إلى السفير الإيراني في بيروت، مما يعكس استراتيجية أمريكية شاملة لاستهداف الشبكة التي تدعم حزب الله. هذه الإجراءات قد تكون لها تداعيات كبيرة على المشهد السياسي اللبناني، وقد تؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، خاصة وأنها تستهدف شخصيات ومؤسسات تعتبر جزءًا من النسيج السياسي والأمني للدولة.
إن اتهام مسؤولين أمنيين لبنانيين بتقديم "معلومات استخباراتية مهمة" لحزب الله يثير تساؤلات حول مدى تغلغل الجماعة في المؤسسات الحكومية اللبنانية. هذا التغلغل، بحسب واشنطن، يعرقل جهود نزع سلاح حزب الله ويقوض سيادة الدولة اللبنانية. ومن المرجح أن تزيد هذه العقوبات من العزلة الدولية للبنان، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يواجهها البلد، وتضع ضغوطاً إضافية على الحكومة اللبنانية لإظهار التزامها بمكافحة نفوذ الجماعات المسلحة.
تشير هذه العقوبات إلى تحول في السياسة الأمريكية تجاه لبنان، من التركيز على الدعم غير المشروط إلى تطبيق ضغوط صارمة لضمان أن لبنان لا يصبح قاعدة لحزب الله والمصالح الإيرانية. وتؤكد واشنطن أن هذه الإجراءات ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها وحلفائها في المنطقة، وأنها ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لها لمواجهة ما تعتبره نفوذاً إيرانياً خبيثاً في الشرق الأوسط.