يكثف الرئيس اللبناني جوزف عون اتصالاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ودول عربية و"صديقة"، بهدف الضغط على إسرائيل لترسيخ وقف إطلاق نار شامل ومستدام في المنطقة. وتأتي هذه الجهود المكثفة في إطار مساعي لبنان لضمان استقرار حدوده الجنوبية وحماية أراضيه وشعبه. وتهدف هذه الاتصالات إلى جعل تثبيت وقف إطلاق النار أولوية قصوى قبل الانتقال إلى أي ملفات أخرى أو مناقشة أية ترتيبات مستقبلية، وفقاً لمصادر مطلعة على سير المفاوضات. وقد أبلغ لبنان الوسطاء الأمريكيين بشكل واضح وصريح أن وقف إطلاق النار يمثل "المفتاح الرئيسي لأي خطوات قادمة" نحو التهدئة الشاملة. وفي هذا السياق، نقلت المصادر أن "ليس بالإمكان الاستمرار وسط الانتهاكات والاعتداءات المستمرة على لبنان" التي تشكل خرقاً للسيادة اللبنانية وتهدد الأمن الإقليمي.
مسار المفاوضات الفنية العسكرية وتفاصيلها
تظل مفاوضات المسار الأمني، التي تجري برعاية الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، محادثات "فنية عسكرية" تركز بشكل أساسي على الإجراءات الميدانية والخطوات العملية على الأرض، وفقًا لمصدر رسمي لبناني رفيع المستوى. وتتركز المناقشات الجارية على عدة نقاط جوهرية، أبرزها انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها مؤخرًا، بالإضافة إلى نشر الجيش اللبناني في تلك المناطق المستعادة لتعزيز سيطرة الدولة اللبنانية. كما تُعد مسألة تعزيز وقف إطلاق النار أولوية قصوى قبل الانتقال إلى أي ملفات أخرى ذات طبيعة سياسية أو أمنية أوسع، بحسب المصدر ذاته. ومن المتوقع عقد اجتماع هام في واشنطن في التاسع والعشرين من مايو الجاري، يشارك فيه ضباط لبنانيون وإسرائيليون رفيعو المستوى. وسيكون هذا الاجتماع ضمن "إطار فني عسكري" لمناقشة الخطوات الميدانية التفصيلية اللازمة لتثبيت الهدوء. وقد جرت الجولة الأخيرة من المفاوضات يومي 14 و 15 مايو، حيث نوقش خلالها مسودة "إعلان نوايا" تتعلق بمسار التفاوض ومبادئه الأساسية، في خطوة تهدف إلى وضع خارطة طريق للعملية.
مواقف الأطراف المتضاربة وتحديات الوساطة
تطالب إسرائيل بأن يوقف حزب الله إطلاق النار أولاً كشرط مسبق لأي تهدئة، بينما يصر حزب الله على ضرورة توقف الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان قبل أي خطوة متبادلة من جانبه، وفقاً لما ذكره مصدر مقرب من المفاوضات. ويشكل هذا التباين في الشروط المسبقة تحدياً كبيراً أمام جهود الوساطة. وتتواصل الهجمات الإسرائيلية عبر الأراضي اللبنانية، وذلك على الرغم من وجود وقف إطلاق نار قائم بوساطة أمريكية، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي. ويشير هذا التباين في المواقف إلى تعقيد الجهود الرامية إلى تثبيت الهدوء الشامل وتحقيق استقرار دائم. ويسعى الوسطاء الدوليون إلى إيجاد صيغة توافقية تضمن التزام جميع الأطراف، لكن كل طرف يتمسك بشروطه المسبقة، مما يعيق التقدم نحو حل شامل.
تداعيات التصعيد الميداني والأزمة الإنسانية
دخل وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ رسمياً في 17 أبريل الماضي، وجرى تمديده لاحقاً حتى مطلع يوليو، في محاولة لاحتواء التصعيد. ومع ذلك، شنت إسرائيل هجوماً واسع النطاق على لبنان منذ الثاني من مارس، مما أدى إلى تصعيد ميداني كبير وغير مسبوق في حدته. أسفر هذا الهجوم الإسرائيلي عن مقتل 3,073 شخصاً، وهو رقم يعكس حجم الخسائر البشرية الفادحة. كما أُصيب 9,362 آخرون جراء العمليات العسكرية المستمرة، مما يضع ضغطاً هائلاً على القطاع الصحي والبنى التحتية. نزح أكثر من 1.6 مليون شخص من منازلهم، بحثاً عن الأمان في مناطق أخرى. ويمثل هذا العدد من النازحين حوالي خُمس إجمالي سكان البلاد، مما يشير إلى حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تواجه لبنان وتتطلب استجابة دولية عاجلة.
جهود لبنان الدولية المستمرة وتحدياتها
يواصل لبنان اتصالاته المكثفة مع دول عربية وأجنبية "صديقة" بهدف الضغط على إسرائيل لترسيخ وقف إطلاق النار بشكل دائم وفعال. وتهدف هذه الجهود الدبلوماسية المستمرة إلى تأكيد التزام إسرائيل بالهدنة وتوفير بيئة مستقرة وآمنة قبل أي خطوات مستقبلية تتعلق بترسيم الحدود أو ترتيبات أمنية أخرى. وتأتي هذه الاتصالات في سياق سعي لبنان المستمر لحماية سيادته وسلامة أراضيه، والحد من التوترات الإقليمية التي تهدد استقراره.
على الرغم من هذه المساعي الدبلوماسية الحثيثة والاتصالات المستمرة على أعلى المستويات، لم تسفر المشاورات الدبلوماسية حتى الآن عن نتائج نهائية ملموسة أو اتفاق شامل، وفقاً للمصادر المطلعة. ويشير هذا إلى التحديات الكبيرة التي تواجه جهود الوساطة الدولية لضمان التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، خاصة في ظل استمرار التوترات الميدانية التي تعيق التقدم نحو تهدئة شاملة ومستدامة.