استعادة قلعة الشقيف: صدى الماضي وتساؤلات الأمن الإسرائيلي في لبنان

Beaufort Castle in southern Lebanon, as seen in the distance from Metula, in northern Israel, June 1, 2026. The mountaintop fortification was built in the 12th century during the Crusades.
الصورة: Amir Cohen/Reuters عبر News

استعادت القوات العسكرية الإسرائيلية السيطرة على قلعة الشقيف (Beaufort Castle) في 31 مايو/أيار 2026، بعد أن عبرت القوات الإسرائيلية نهر الليطاني في 30 مايو/أيار 2026، وذلك في سياق تصعيد عسكري دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التأكيد على أن إسرائيل "أقوى من أي وقت مضى". جاءت هذه التطورات في أعقاب تقارير لبنانية عن غارات جوية وقصف في المنطقة يوم السبت، 30 مايو/أيار 2026، بعد ثلاثة أيام من إدانات سابقة للقصف. كانت إسرائيل قد انسحبت من لبنان عام 2000، منهية احتلالاً دام 18 عاماً لجنوب لبنان، حيث تعرضت قلعة الشقيف لأضرار بالغة خلال تلك الفترة قبل أن تحتلها إسرائيل آخر مرة قبل 26 عاماً. هذه الاستعادة للسيطرة تأتي بعد ربع قرن من الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، مما يعكس تحولاً كبيراً في المشهد الأمني الإقليمي.

في تعليقات أدلى بها الأحد، 31 مايو/أيار 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "مقاتلينا الشجعان استولوا على موقع البوفورت. لقد رفعوا بكل فخر علم دولة إسرائيل وعلم لواء غولاني هناك". وأضاف نتنياهو أن الاستيلاء على قلعة الشقيف يمثل "مرحلة دراماتيكية وتغييراً دراماتيكياً في السياسة التي نقودها". وقد أفادت تقارير بأن نتنياهو صرح أيضاً بأن توجيهاته "الآن هي تعميق وتوسيع سيطرتنا على المناطق التي كانت تحت سيطرة حزب الله". وقد أمر نتنياهو القوات بتعميق التوغل الإسرائيلي في لبنان، مشدداً على أن هذه الخطوات تأتي في إطار سياسة تهدف إلى بسط السيطرة على مناطق كانت تحت نفوذ حزب الله. هذا التوجيه الصريح من نتنياهو يشير إلى استراتيجية إسرائيلية أوسع تتجاوز مجرد استعادة موقع واحد، وتتجه نحو إعادة تشكيل ميزان القوى في جنوب لبنان.

تاريخ القلعة وأهميتها الاستراتيجية

تُعد قلعة الشقيف (Beaufort Castle) قلعة صليبية يبلغ عمرها ما يقرب من 900 عام، وتحديداً قلعة تعود إلى العصور الصليبية. وصفتها منظمة اليونسكو بأنها "أحد أفضل الأمثلة المحفوظة للقلاع التي تعود للعصور الوسطى في منطقة الشرق الأدنى". وقد شيد الصليبيون القلعة على منحدر عالٍ يطل على نهر الليطاني قبل حوالي 900 عام. هذا الموقع الاستراتيجي منحها أهمية بالغة عبر التاريخ، حيث أتاحت سيطرتها على المرتفعات المجاورة رؤية واسعة للمنطقة المحيطة. تقع القلعة على ارتفاع يزيد عن 2000 قدم فوق مستوى سطح البحر، مما يوفر لها موقعاً دفاعياً ومراقباً ممتازاً.

تقع القلعة بالقرب من مدينة النبطية وتبعد حوالي 9 أميال (14.5 كيلومترًا) عن الحدود الإسرائيلية. تعكس هذه القلعة التي تعود إلى العصور الصليبية أهمية تاريخية واستراتيجية بالغة في المنطقة، مما جعلها نقطة محورية في العديد من الصراعات الإقليمية على مر القرون. وقد أدت أهميتها الجغرافية إلى تحولها إلى موقع عسكري رئيسي في عدة مناسبات، كان آخرها خلال الصراعات الإسرائيلية اللبنانية. موقعها المطل على نهر الليطاني وعلى المرتفعات المحيطة جعلها هدفاً عسكرياً مرغوباً للعديد من الجيوش عبر التاريخ، من الصليبيين إلى الجيوش الحديثة.

غزو 1982: رمزية الصراع والنتائج

غزت إسرائيل لبنان في عام 1982، وبحسب تقارير، استولت كتيبة غولاني على قلعة الشقيف خلال هذا الغزو، وذلك على الرغم من صدور أمر بإلغاء الهجوم، حيث احتج ضابط لاحقاً بأن ستة من أصدقائه قُتلوا. في ذلك العام، كانت أهمية استيلاء القوات الإسرائيلية على القلعة رمزية أكثر منها استراتيجية، وفقاً لتقارير. أفادت تقارير بأن عدو إسرائيل في يونيو/حزيران 1982 كان منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات. وقد استخدمت منظمة التحرير الفلسطينية قلعة الشقيف كنقطة مراقبة حيوية لمراقبيها لتوجيه نيران الصواريخ والمدفعية نحو إسرائيل، مستفيدة من موقعها المرتفع الذي يوفر رؤية بانورامية للمنطقة. هذا الاستخدام من قبل منظمة التحرير الفلسطينية أكد على الأهمية الاستراتيجية للقلعة كمركز عملياتي لمراقبة الحدود وإطلاق النار.

تباهى شارون بأن عملية 1982 نجحت دون أن يُفقد جندي واحد، وفقاً لتقارير، وهو ما يتناقض مع الاحتجاجات التي صدرت من ضباط آخرين. في سبتمبر/أيلول 1982، انتُخب حليف إسرائيل، بشير الجميل، رئيساً في لبنان. بعد أيام قليلة، قُتل بشير الجميل في هجوم بقنبلة في بيروت، وأفادت تقارير بأن أنصار الجميل دخلوا مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين وارتكبوا مجزرة بحق مئات المدنيين. بحسب تقارير، فإن حل إسرائيل بعد حرب 1982 كان يشبه ما يقترحه نتنياهو اليوم: إنشاء "منطقة أمنية" في جنوب لبنان بهدف حماية الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو مفهوم يعاد طرحه في السياق الحالي. هذا المفهوم للمنطقة الأمنية كان يهدف إلى فصل القوات الإسرائيلية عن التهديدات المحتملة القادمة من الأراضي اللبنانية، وهو ما يعكس استمرارية في التفكير الأمني الإسرائيلي عبر العقود.

عقود من الاحتكاك وحرب العصابات

خلال الثمانية عشر عاماً التي تلت الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، أطلق حزب الله النار بشكل متكرر على القوات الإسرائيلية وعبر الحدود باتجاه شمال إسرائيل. وقد هاجم حزب الله مراراً الوحدات الإسرائيلية العاملة داخل لبنان، وكانت قلعة الشقيف (Beaufort Castle) هدفاً متكرراً لهذه الهجمات. في سياق متصل، ادعى حزب الله أنه دمر دبابة إسرائيلية بالقرب من القلعة، مما يسلط الضوء على شدة المواجهات في محيط القلعة. هذه الهجمات المستمرة أظهرت التحديات التي واجهتها القوات الإسرائيلية في الحفاظ على سيطرتها على المنطقة. كانت القلعة نقطة احتكاك دائمة، حيث شهدت اشتباكات عنيفة تعكس الطبيعة المستمرة للصراع.

تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوتر، حيث كثفت الاشتباكات بين حزب الله والقوات الإسرائيلية، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أبريل. في هذا الصدد، يزعم حزب الله أنه ينشر طائرات مسيرة جديدة تعمل بالألياف البصرية لم يجد الإسرائيليون بعد طريقة لإيقافها، مما يشير إلى تطور في تكتيكات حزب الله. يعكس فيلم "الشقيف" (Beaufort) المرشح لجائزة الأوسكار عام 2007، الإحباط الذي شعر به الجنود الإسرائيليون الذين رأوا أنفسهم أهدافاً لحزب الله أكثر من كونهم ضامنين للأمن، بحسب تقارير إعلامية. يجسد الفيلم الصعوبات النفسية والعملياتية التي واجهتها القوات الإسرائيلية المتمركزة في القلعة خلال فترة الاحتلال. هذه الشهادات الفنية والإعلامية تؤكد على حجم التحديات التي واجهتها إسرائيل في الحفاظ على سيطرتها على القلعة والمنطقة المحيطة بها في مواجهة حرب العصابات المستمرة.

تداعيات الحاضر ودعم دولي

ذكرت قوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) أن عمليتها تركز على بسط السيطرة العملياتية على مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي، مشيرة إلى سعيها لتفكيك البنية التحتية لحزب الله في كلا المنطقتين. وأضافت القوات أن العملية بدأت قبل عدة أيام، وخلالها "بدأ عدد كبير من الجنود البريين الإسرائيليين عمليات هجومية تهدف إلى توسيع خط الدفاع الأمامي". كما أفادت قوات الدفاع الإسرائيلية أن "إرهابيي حزب الله أداروا من مرتفعات الشقيف أنشطة عسكرية وقتالية ونفذوا العديد من الهجمات"، مما يبرر، من وجهة نظرها، أهمية استعادة السيطرة على القلعة والمنطقة المحيطة بها. هذا التركيز على مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي يشير إلى أهمية جغرافية وعسكرية للمنطقة تتجاوز القلعة نفسها، وتشمل نقاطاً استراتيجية أخرى.

في سياق متصل، نقل مسؤول إسرائيلي لشبكة CNN أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ نتنياهو الأسبوع الماضي أنه يدعم "حرية عمل إسرائيل ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان". هذا الدعم الأمريكي يعزز الموقف الإسرائيلي في مواجهة الانتقادات الدولية المحتملة لعملياتها العسكرية. وقد صرحت قوات الدفاع الإسرائيلية أيضاً بأنها "وسعت عملياتها ضد أهداف حزب الله شمال النهر" وفي "مناطق إضافية"، مشيرة إلى نطاق أوسع للعمليات العسكرية الجارية. هذه التطورات تشير إلى مرحلة جديدة من التصعيد في الصراع بين إسرائيل وحزب الله، مع تركيز إسرائيلي واضح على تغيير الوضع القائم في جنوب لبنان. الدعم الأمريكي الواضح يمنح إسرائيل هامشاً أكبر للمناورة في عملياتها العسكرية في المنطقة، مما قد يؤدي إلى مزيد من التوترات والتصعيد في المستقبل القريب. إن توسيع العمليات العسكرية ليشمل مناطق أبعد شمال نهر الليطاني يؤكد على عزم إسرائيل على تفكيك قدرات حزب الله بشكل منهجي، وليس فقط استعادة مواقع رمزية.