أزمة لبنان المستمرة: بين تعثر الإصلاحات وتحديات الأمن

For many citizens, Lebanon regaining its sovereignty is not simply a question of security or economic recovery but a matter of daily survival (File/Reuters)
الصورة: Reuters عبر Arab News

دخل لبنان في أزمة مصرفية حادة خلال عام 2019، مما أدى إلى تدهور مالي واسع النطاق في البلاد. تسببت هذه الأزمة في تقييد وصول المودعين إلى مدخراتهم وتراجع قيمة العملة الوطنية، وهو ما أثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي العام. كانت هذه البداية بمثابة شرارة لسلسلة من الانهيارات التي طالت مختلف القطاعات الحيوية، مما جعل النظام المصرفي الذي كان يُعد يوماً ركيزة للاقتصاد الوطني في حالة شلل تام، وأدى إلى فقدان الثقة في المؤسسات المالية المحلية.

تفاقمت هذه التحديات في عام 2020، حين اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بتعليق مدفوعات سندات اليوروبوند (Eurobond). جاء هذا الإجراء نتيجة تعذر الوفاء بالالتزامات المالية الخارجية، مما وضع الدولة في حالة تخلف عن سداد ديونها السيادية. يمثل هذا التوقف نقطة تحول محورية في مسار الأزمة المالية، حيث أدى إلى انقطاع لبنان عن الأسواق المالية الدولية وزيادة حدة الضغوط على النظام المالي المحلي، وهو ما دفع البلاد نحو عزلة مالية فرضت قيوداً إضافية على قدرة الدولة في إدارة مواردها المحدودة.

تداعيات الأزمة المالية والديون السيادية

أبطل المجلس الدستوري مادة أساسية في قانون إعادة هيكلة المصارف خلال أكتوبر 2026، مما أعاق المساعي الرامية إلى تنظيم القطاع المالي المتعثر. إن هذا الإبطال القانوني لمادة جوهرية في التشريع المالي أدى إلى تعقيد المشهد أمام المودعين والمؤسسات على حد سواء، حيث باتت خريطة الطريق نحو التعافي المالي والمصرفي تفتقر إلى إطار تنظيمي واضح ومستقر. يأتي هذا القرار في وقت لا تزال فيه المؤشرات الاقتصادية تظهر ثقلاً كبيراً على الدولة، إذ قدّر البنك الدولي (World Bank) حجم الدين العام في لبنان بنحو 176.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024. هذه النسبة المرتفعة من الدين العام تعكس حجم الفجوة المالية التي تعاني منها الميزانية العامة، وتضع تحديات جسيمة أمام أي خطط مستقبلية للإصلاح الهيكلي أو التنمية المستدامة.

وفي سياق متصل، علّق خالد أبو زهر (Khaled Abou Zahr) على الأوضاع الراهنة قائلاً: "لم يحدث أي تقدم حقيقي نحو نزع السلاح. بل قد يكون العكس هو الصحيح، حيث تسير الأمور كالمعتاد بالنسبة لحزب الله (Hezbollah)". تعكس هذه التطورات تعقيد المشهد اللبنانية الذي يجمع بين ضغوط المديونية السيادية المرتفعة والعوائق القانونية التي تواجه خطط التعافي المالي، في ظل استمرار هيمنة قوى مسلحة على مفاصل القرار.

التحديات الأمنية ونفوذ الميليشيات المسلحة

صادرت القوى الأمنية اللبنانية في أكتوبر 2026 مركبة محملة بـ 780 كيلوغراماً من المتفجرات. جاءت هذه العملية في وقت تشهد فيه البلاد توترات أمنية متزايدة وتحديات ميدانية تتعلق بضبط الحدود ومنع دخول المواد المحظورة، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على منع تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة لتخزين ونقل الأسلحة والمتفجرات التي تهدد السلم الأهلي.

وفي حادثة أمنية أخرى بارزة خلال عام 2026، تعرض ميراج أورال (Mihrac Ural)، وهو قائد ميليشيا سابق موالٍ لنظام الأسد، لعملية اختطاف. ونُقل ميراج أورال (Mihrac Ural) عقب اختطافه إلى سوريا. إن وقوع مثل هذه الحوادث داخل الأراضي اللبنانية يشير إلى هشاشة الوضع الأمني وتداخل الملفات الإقليمية مع الداخل اللبناني. تعكس هذه الحوادث التعقيدات المرتبطة بوجود الميليشيات المسلحة والأنشطة المرتبطة بها في لبنان، فضلاً عن التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية في فرض سيطرتها على الأراضي اللبنانية وضبط العمليات الخارجة عن القانون التي قد تنعكس على استقرار البلاد الداخلي، وتزيد من حالة عدم اليقين التي يعيشها المواطن اللبناني في ظل تقاطع الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.