لبنان: رهينة المحاصصة في زمن الانهيار

لبنان تحت خطر الحرب... والسلطة تعيد بناء منظومة الانهيار وتتجاهل إنذارات الكارثة المقبلة
الصورة عبر Lebanonon

يواجه لبنان حرباً مدمرة وانهياراً اقتصادياً ومالياً وتفككاً مؤسساتياً تزامناً مع أزمات سياسية متلاحقة. وتعود جذور هذا الانهيار المالي في البلاد إلى عام 2019، حيث بدأت الأوضاع الاقتصادية في التدهور بشكل حاد. أدى هذا المسار إلى تآكل قدرة المؤسسات العامة على أداء مهامها، مما وضع الدولة أمام تحديات وجودية معقدة، حيث تجد المرافق العامة نفسها عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين. تعاني قطاعات حيوية من انعدام التمويل، وسط عجز عن اتخاذ قرارات إصلاحية توقف التدهور المستمر الذي ينهش جسد الدولة. يلقي هذا الواقع بظلاله الثقيلة على كافة جوانب الحياة اليومية، في ظل غياب رؤية وطنية موحدة لمعالجة تداعيات الانهيار المتفاقم. تركت هذه الأزمات المتراكمة البلاد في حالة من الترقب، بينما تستمر المؤسسات في التفكك تحت وطأة الضغوط المالية التي بدأت قبل سبع سنوات، مما أدى إلى فقدان الثقة في قدرة النظام على التعافي أو تقديم حلول جذرية للأزمات البنيوية.

سياسات الاحتواء وتكريس الانقسام السياسي

يتبنى رئيس الجمهورية جوزيف عون (Joseph Aoun) ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي (Najib Mikati) سياسة احتواء تجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري (Nabih Berri). يهدف هذا التوجه إلى إدارة التوازنات السياسية القائمة في البلاد وسط تعقيدات المشهد الحكومي والتشريعي. يعتمد هذا المسار على تقليص حدة التوترات المباشرة مع رئيس مجلس النواب، في محاولة للحفاظ على استمرارية العمل المؤسساتي المحدود وتجنب تعطيل القرارات الإجرائية الضرورية التي قد تزيد من حدة الاحتقان السياسي في مرحلة دقيقة من عمر البلاد. إن هذه السياسة، رغم كونها تكتيكية، تعكس طبيعة النظام السياسي الذي يعتمد على التفاهمات الفوقية بدلاً من المؤسسات الدستورية.

واجهت التعيينات الإدارية الأخيرة اعتراضات سياسية وطائفية واسعة، حيث اتسمت عملية اختيار المسؤولين بالخضوع لنظام المحاصصة المعمول به. شملت هذه التعيينات كلاً من رئيس الجامعة اللبنانية (Lebanese University)، ومحافظ النبطية (Nabatieh)، وعضواً في مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك (Railway Board). أثارت هذه التعيينات انتقادات من أطراف سياسية رأت فيها تكريساً لنفوذ القوى التقليدية على حساب الكفاءة، مما عمق الانقسام السياسي حول آلية إدارة الفراغ المؤسساتي. وتؤكد هذه الاعتراضات استمرار حالة الجدل حول التعيينات في المناصب العامة، حيث تُفرض الاعتبارات الطائفية والمحاصصة الحزبية كمعيار أساسي للوصول إلى المواقع القيادية، وهو ما يعزز حالة التفكك الإداري في الدولة. تسببت هذه الاعتراضات في تأخير تنفيذ بعض المهام الموكلة لهذه الهيئات، مما أثر على سير العمل في المؤسسات المعنية بتقديم الخدمات العامة، وجعل من التعيينات الإدارية ساحة جديدة للصراع على النفوذ بدلاً من كونها أداة لتطوير العمل العام. إن غياب المعايير المهنية في التعيينات، واعتماد نظام المحاصصة، يفاقمان من حدة الأزمة، حيث يتم تقديم الولاءات السياسية على المصلحة العامة، مما يترك المؤسسات في حالة من الشلل الإداري والوظيفي. ومع استمرار هذا النهج، تزداد الهوة اتساعاً بين تطلعات المواطنين وواقع المؤسسات التي أصبحت رهينة التجاذبات السياسية، مما يجعل الإصلاح الإداري مطلباً بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان.