وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان يوم الثلاثاء في زيارة تهدف إلى بحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وتُعد هذه الزيارة، التي تستمر عدة أيام، هي الثانية للوزير الشيباني إلى بيروت منذ توليه منصبه، وتأتي في سياق إقليمي دقيق. وصفت وزارة الخارجية السورية الزيارة بأنها "تاريخية"، ما يعكس الأهمية التي توليها دمشق لهذه المحادثات مع الجانب اللبناني، ويُبرز الرغبة في تعزيز العلاقات المشتركة بين البلدين الشقيقين في هذه المرحلة الحساسة.
وفي هذا الصدد، أشار المحلل والباحث في الشؤون الدولية محمود علوش إلى أن هذه الزيارة تكتسب أهمية خاصة. وصرح علوش قائلاً: "زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الثانية إلى لبنان تختلف في الأهمية عن الأولى، وذلك بالنظر إلى السياقات الإقليمية التي تأتي فيها." ويُتوقع أن تتناول المباحثات قضايا رئيسية بين البلدين، بما في ذلك التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي، فضلاً عن بحث سبل تعزيز الاستقرار في المنطقة.
لقاءات رفيعة المستوى وتعزيز العلاقات الثنائية
تضمنت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين اللبنانيين. فقد التقى الشيباني بالرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي. وتهدف هذه اللقاءات إلى تعزيز أطر التعاون بين البلدين ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك في ظل التطورات الإقليمية الراهنة. وأكدت المصادر الدبلوماسية أن جدول أعمال الزيارة كان حافلاً بالمواضيع الحيوية التي تخدم مصالح البلدين، وتدفع بالعلاقات الثنائية نحو آفاق أوسع من التنسيق والتعاون على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية.
تركزت المحادثات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون على تعزيز العلاقات الثنائية بين سوريا ولبنان، وتطوير التعاون الاقتصادي في قطاعات متعددة. كما تناول اللقاء استعراض التطورات الإقليمية والدولية الراهنة، وتبادل وجهات النظر حول سبل التعامل مع التحديات المشتركة. وأكد الجانبان على أهمية التنسيق المستمر بين دمشق وبيروت لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه المنطقة، والعمل على إيجاد حلول مشتركة تضمن مصالح الشعبين. وتُعد هذه المباحثات خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة وتفعيل الأطر المؤسسية المشتركة، بما يخدم استقرار البلدين والمنطقة بشكل عام.
وفي إطار هذه الزيارة، كان اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري هو الأول من نوعه بين مسؤول سوري رفيع المستوى وبري منذ تولي الإدارة السورية الجديدة لمهامها. وقد حمل هذا اللقاء دلالات مهمة، حيث يمثل انفتاحاً جديداً في العلاقات السياسية بين البلدين على أعلى المستويات التشريعية والتنفيذية. وتناولت المحادثات أهمية تعزيز التعاون البرلماني وتفعيل الدبلوماسية الشعبية، بالإضافة إلى مناقشة القضايا الأمنية والاقتصادية التي تتطلب تنسيقاً مشتركاً بين دمشق وبيروت. كما شدد الجانبان على أهمية احترام سيادة البلدين، وتفعيل اللجنة السورية اللبنانية العليا، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي بين دمشق وبيروت.
توجت الزيارة بتوقيع اتفاقية لتشكيل اللجنة السورية اللبنانية العليا في بيروت بين سوريا ولبنان. وتُعد هذه اللجنة إطاراً مؤسسياً مهماً لتعزيز التعاون الثنائي في جميع المجالات، بما في ذلك التجارة، والاستثمار، والأمن، والبنية التحتية. ومن المتوقع أن تعمل اللجنة على تذليل العقبات وتسهيل التنسيق بين الوزارات والمؤسسات الحكومية في البلدين، مما يسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ويُنظر إلى هذه الاتفاقية على أنها خطوة عملية وملموسة نحو تفعيل الشراكة الاستراتيجية بين دمشق وبيروت، وتأكيد على التزام الجانبين بتطوير علاقاتهما المستقبلية.
حوار مع القيادات الدينية والسياسية المتنوعة
أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أهمية احترام سيادة البلدين، وتفعيل اللجنة السورية اللبنانية العليا، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي بين دمشق وبيروت. جاء ذلك في ختام لقاءات الشيباني مع المسؤولين اللبنانيين، والتي شملت طيفاً واسعاً من القيادات السياسية والدينية، مما يعكس حرص دمشق على التواصل مع كافة مكونات المجتمع اللبناني.
وفي إطار جولته، التقى الشيباني مفتي لبنان عبد اللطيف دريان، حيث شدد الجانبان على أهمية تعزيز العلاقات الأخوية وترسيخ مبادئ التعددية والعيش المشترك في المنطقة. وقد أكد الشيباني خلال هذا اللقاء على دور المؤسسات الدينية في تعزيز التفاهم والتآخي بين الشعوب، مشيراً إلى أهمية التعاون في مواجهة التحديات المشتركة التي تهدد النسيج الاجتماعي.
كما التقى الشيباني البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي، وتناقشت المحادثات سبل دعم العيش المشترك وتعزيز الاستقرار وتطوير العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني. وقد أشار الطرفان إلى ضرورة الحفاظ على قيم التسامح والاحترام المتبادل، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والازدهار في المنطقة.
استكمل الشيباني لقاءاته في مدينة طرابلس، حيث اجتمع مع مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد طارق إمام. وتناولت اللقاءات قضايا تهم الجانبين وتؤكد على أهمية التواصل بين المرجعيات الدينية في البلدين، ودورها في توجيه الرأي العام نحو التعاون والتفاهم.
من جهة أخرى، شملت الزيارة لقاءات مع شخصيات سياسية لبنانية بارزة. التقى الشيباني الزعيم السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، مؤكداً على أهمية صون وحدة سوريا وسيادتها في هذه المرحلة الدقيقة. وقد تطرقت المحادثات إلى التحديات الإقليمية وكيفية تأثيرها على استقرار البلدين، وسبل التنسيق لمواجهة هذه التحديات.
كما التقى وزير الخارجية السوري رئيس حزب الكتائب سامي الجميل. وفي لقاء آخر، اجتمع الشيباني مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، حيث ناقش الطرفان سبل تطوير العلاقات الثنائية وأهمية استمرار الحوار والتنسيق بين دمشق وبيروت في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد عكست هذه اللقاءات حرص الجانب السوري على بناء جسور التواصل مع مختلف الأطياف السياسية اللبنانية، بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم المصالح المشتركة.
تحليلات وأهداف الزيارة الاستراتيجية
عقد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لقاءات يوم الخميس الموافق 2 يوليو 2026، وذلك في سياق زيارته الأخيرة إلى لبنان. وفي هذا الإطار، أكد المحلل والباحث في الشؤون الدولية محمود علوش أن هذه الزيارة تهدف إلى تأكيد عدم وجود نية لدى دمشق للتدخل عسكرياً في لبنان. وتأتي هذه التطمينات في فترة تشهد المنطقة توترات متصاعدة، مما يضفي أهمية خاصة على الرسائل السورية الموجهة للجانب اللبناني لتبديد أي مخاوف محتملة.
وأضاف علوش أن الزيارة سعت أيضاً إلى تقديم مبادرة اقترحها الرئيس السوري أحمد الشراعة لحل الأزمة اللبنانية، مما يشير إلى رغبة دمشق في المساهمة بإيجاد حلول للتحديات الداخلية اللبنانية ودعم استقراره. وبيّن علوش أن الزيارة هدفت كذلك إلى ترجمة رسائل من الرئيس السوري أحمد الشراعة موجهة نحو المكون الشيعي في لبنان، في خطوة تعكس مساعي دمشق لتعزيز التواصل مع كافة الأطراف اللبنانية وبناء الثقة المتبادلة.
ويعتقد محمود علوش أن "إدارة سوريا الجديدة تسعى إلى بناء علاقات مع مختلف القوى اللبنانية، بغض النظر عن مواقفها السابقة بشأن الملف السوري." هذا التوجه يمثل تحولاً في السياسة السورية تجاه الساحة اللبنانية، ويسعى إلى فتح قنوات اتصال مع أطياف أوسع من القوى السياسية اللبنانية، بهدف تحقيق مصالح مشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وأشار علوش إلى أن الانفتاح على الحوار مع حزب الله يُعد أمراً مهماً لدمشق لكي تلعب دوراً في حل الأزمة اللبنانية، مما يؤكد على ضرورة التنسيق مع القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية لضمان فعالية أي جهود لحل الأزمات. وذكر علوش أن سوريا قلقة من أن الوضع في لبنان قد ينزلق إلى مستويات أكثر خطورة. وعلق قائلاً: "سوريا قلقة من أن الوضع في لبنان قد ينزلق إلى مستويات أكثر خطورة. في تقييمه، هذا يدفع دمشق إلى تشجيع التفاهمات الداخلية بين القوى اللبنانية، والمساعدة في احتواء التوترات، ومنعها من التفاقم." تؤكد هذه التصريحات على الرؤية السورية لأهمية الاستقرار اللبناني كجزء لا يتجزأ من الاستقرار الإقليمي.
وفي سياق متصل، كان علوش قد صرح في وقت سابق بأن "زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الثانية إلى لبنان تختلف في الأهمية عن الأولى، وذلك بالنظر إلى السياقات الإقليمية التي تأتي فيها." وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة وتوقيتها الحساس، ودورها المحوري في توجيه مسار العلاقات الثنائية في المستقبل.