اتفاق الإطار الثلاثي: خطوة نحو السلام أم وهم جديد؟

US Secretary of State Marco Rubio looks on as State Department Counselor Daniel Holler, Israel's Ambassador to the US Yechiel Leiter and Lebanon's Ambassador to the US Nada Hamadeh sign a framework agreement between Israel and Lebanon, at the State Department in Washington, DC, US, June 26, 2026.
الصورة: REUTERS/KEN CEDENO عبر News

وقّعت إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة اتفاق "الإطار الثلاثي" يوم الجمعة الماضي، الموافق 3 يوليو 2026، في خطوة تهدف إلى معالجة قضايا إقليمية حساسة. احتوى الاتفاق على 14 نقطة، ووقع عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وقع أيضًا على مذكرة التفاهم الإيرانية. حصل الإطار الثلاثي على مباركة كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، ما يعكس الدعم الرسمي للاتفاق من الجانبين ويمنحه شرعية إقليمية ودولية. هذا التوقيع يمثل تتويجًا لجهود دبلوماسية مكثفة، ويسلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة كوسيط في المنطقة، في محاولة لرسم مسار جديد للعلاقات بين دول طالما اتسمت بالعداء والتوتر.

ينص الاتفاق على التعهد بالعمل نحو البحث عن الرفات وإعادتها، بالإضافة إلى إطلاق سراح المعتقلين. يُعتقد أن هذه النقطة قد تشير بشكل محتمل إلى قضية الملاح الجوي الإسرائيلي رون أراد، الذي أُسقطت طائرته فوق لبنان عام 1986، وهي قضية إنسانية ظلت عالقة لعقود وشكلت نقطة توتر بين الجانبين. تأتي هذه الجهود في سياق محاولات لحل ملفات عالقة طال أمدها بين الدول المعنية، في مسعى لتسوية قضايا إنسانية وأمنية معقدة ظلت تشكل تحديًا للعلاقات بين الطرفين لعقود. الاتفاق، الذي يضم 14 نقطة مفصلة، يحدد الإطار العام للتعاون المستقبلي ويضع أسسًا لمعالجة هذه الملفات الحساسة التي طالما كانت مصدر توتر، مما يبرز أهمية البعد الإنساني في أي تسوية شاملة.

جذور الصراع والاتفاقيات السابقة

شُيِّد "السياج الجيد" بين إسرائيل ولبنان في يونيو 1976 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كرمز للتعايش غير الرسمي في ظل ظروف استثنائية. وقد رمز المعبر القريب من المطلة إلى هذا السياج، ليصبح نقطة اتصال رئيسية بين البلدين في تلك الفترة، مما سمح ببعض التفاعل على الرغم من غياب العلاقات الرسمية. استمر هذا السياج في لعب دور مهم في الديناميكيات الحدودية حتى انسحبت القوات الإسرائيلية من لبنان في مايو 2000 تحت قيادة رئيس الوزراء إيهود باراك. جاء هذا الانسحاب بعد سنوات طويلة من الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، منهياً بذلك مرحلة مهمة من الصراع المباشر.

اندلعت حرب لبنان الأولى في يونيو 1982، وتُعرف أحيانًا باسم عملية "السلام للجليل"، والتي شهدت توغلاً إسرائيليًا واسع النطاق في الأراضي اللبنانية بهدف القضاء على تهديد منظمة التحرير الفلسطينية. هذه الحرب كانت جزءًا من سلسلة طويلة من الصراعات التي شكلت المشهد الأمني في المنطقة، وخلّفت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجمعية للشعبين. بدأت حرب لبنان الثانية قبل 20 عامًا من هذا الشهر (يوليو 2026) بهجوم حزب الله عبر الحدود على جنود إسرائيليين، ما أدى إلى مقتل ثمانية واختطاف اثنين، مما أشعل فتيل صراع دامٍ. جاء هجوم حزب الله هذا بعد شهر من اختطاف جلعاد شاليط إلى غزة على يد حماس، مما ربط بين جبهتين من الصراع الإقليمي وأظهر الترابط بين التحديات الأمنية في المنطقة. انتهت حرب لبنان الثانية بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الذي طالب الحكومة اللبنانية بنشر الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، بهدف استعادة سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها وضمان الاستقرار الحدودي ومنع تكرار مثل هذه الهجمات.

لم تكن هذه الاتفاقيات هي الوحيدة التي سعت لتسوية النزاعات بين الجانبين؛ فقد وقّع يائير لابيد اتفاقه مع لبنان في أكتوبر 2022 في الأيام الأخيرة من ولايته مع الرئيس اللبناني المنتهية ولايته ميشال عون. هذا الاتفاق السابق كان يهدف إلى ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، مما يعكس الجهود المستمرة لإيجاد حلول للقضايا العالقة وتأمين المصالح الاقتصادية المرتبطة بالموارد البحرية. تشكل هذه السلسلة من الأحداث والاتفاقيات خلفية معقدة للاتفاق الثلاثي الحالي، مما يبرز التحديات المستمرة في بناء سلام دائم ومستقر في المنطقة، ويشير إلى أن كل خطوة نحو التسوية تبنى على أسس سابقة أو تحاول تجاوزها.

بنود الاتفاق وتداعياتها على حزب الله

تهدف بنود أخرى ضمن اتفاق الإطار الثلاثي إلى منع حزب الله من تلقي أموال إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الامتناع عن أي إجراء قانوني أو دبلوماسي دولي ضد الأطراف المعنية بالاتفاق. هذه البنود تسعى إلى تقويض القدرات المالية والسياسية لحزب الله، وتحد من نفوذه الإقليمي الذي طالما كان مصدر قلق لإسرائيل والولايات المتحدة. كما يُفترض أن يقوم الجيش اللبناني (LAF) بنزع سلاح حزب الله ومنع سيطرته على الحدود، مع وجود آلية تحقق تشرف عليها الولايات المتحدة لضمان ذلك. هذا الجانب من الاتفاق يعتبر محوريًا في محاولة استعادة سيادة الدولة اللبنانية الكاملة على أراضيها وتقويض أي وجود عسكري غير تابع للدولة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا بالنظر إلى النفوذ التاريخي لحزب الله.

جاء هذا الاتفاق بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي، بوساطة من باكستان وقطر. تضمنت مذكرة التفاهم الإيرانية هذه 14 نقطة أيضاً، مما يشير إلى تشابه هيكلي في بعض جوانب هذه التفاهمات الإقليمية، وربما يعكس نهجًا أمريكيًا جديدًا في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط المعقدة عبر اتفاقيات متعددة الأطراف. ويُعتقد أن الاتفاق بين إسرائيل ولبنان قد يكون قد همّش إيران في بعض الجوانب، خاصة فيما يتعلق بنفوذها ودورها في الساحة اللبنانية، مما يثير تساؤلات حول التوازنات الإقليمية الجديدة وإمكانية تراجع الدور الإيراني في لبنان.

في سياق آخر، لم يُسمح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمشاركة في مفاوضات اتفاق إسرائيل ولبنان، مما قد يشير إلى رغبة الأطراف الرئيسية في حصر دائرة المفاوضات على الولايات المتحدة كطرف وسيط أساسي، وتجنب تعقيد العملية بوجود أطراف أوروبية إضافية. شهدت الحرب الحالية في عام 2024 "حملة أجهزة النداء" التي أدت إلى القضاء على جزء كبير من القيادة العليا لحزب الله. تبع ذلك القضاء المستهدف على زعيم حزب الله، حسن نصر الله، ثم خليفته، في ضربة موجعة للتنظيم. هذه التطورات العسكرية الكبيرة أضعفت بشكل كبير القدرات التنظيمية والقيادية لحزب الله، مما قد يكون قد خلق بيئة مواتية لإبرام هذا الاتفاق، حيث أصبح التنظيم في موقف أضعف للتأثير على مجريات الأحداث. يُذكر أن حزب الله قام ببناء أنفاق إرهابية في لبنان لنفس السبب الذي دفع حماس لبناء أنفاق في غزة، وهو شن هجمات على المجتمعات الإسرائيلية، مما يبرز التهديد الأمني المشترك الذي تواجهه إسرائيل من الجماعات غير الحكومية المسلحة، ويبرر سعيها لإضعاف هذه الجماعات.

التحديات المستقبلية وآفاق السلام

ينص اتفاق الإطار الثلاثي بين إسرائيل ولبنان على اعتراف متبادل بين البلدين، وهو ما يمثل نقطة محورية في مساعي التوصل إلى استقرار إقليمي طال انتظاره. ويؤكد هذا البند على الحاجة إلى بناء علاقات مستقبلية تستند إلى الاعتراف بوجود كل طرف وسيادته، مما يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات بينهما، ويفتح الباب أمام تجاوز عقود من النزاع. هذا الاعتراف المتبادل يفتح الباب أمام تطبيع محتمل للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية في المستقبل، إذا ما تم تطبيق بنود الاتفاق بنجاح، مما قد يعود بالنفع على شعبي البلدين.

كما تنص المادة 8 من اتفاق الإطار الثلاثي على أن "البلدين يؤكدان أنهما يتشاركان الهدف المتمثل في لبنان آمن ومعاد بناؤه، تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانية، حيث لا تشكل أي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تهديدًا لإسرائيل أو لبنان أو مواطني أي من البلدين. يدرك البلدان أن استعادة الأمن في جنوب لبنان من خلال نشر القوات المسلحة اللبنانية [LAF]، والعودة الآمنة لسكانها المدنيين، وأمن المجتمعات الشمالية في إسرائيل، ضرورية للاستقرار والسلام طويل الأمد." يضع هذا البند إطارًا واضحًا للمسؤوليات الأمنية المتبادلة والنتائج المرجوة من الاتفاق، مؤكداً على ضرورة وجود لبنان مستقر وذو سيادة كاملة كشرط أساسي للأمن الإقليمي، ويشدد على أن أمن الطرفين مترابط بشكل لا يمكن فصله. هذه الرؤية المشتركة للأمن والاستقرار هي حجر الزاوية في بناء الثقة بين الطرفين، وتوفر أساسًا للتعاون المستقبلي.

يدعو الاتفاق أيضًا إلى انسحاب إسرائيلي من منطقتين "تجريبيتين" لم تُحددا تفاصيلهما، مع السماح في الوقت ذاته ببقاء وجود قوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) في المنطقة العازلة الأمنية الحالية. يشير هذا التفصيل إلى نهج تدريجي في تطبيق الانسحابات، مع الحفاظ على بعض الترتيبات الأمنية القائمة في المناطق الحدودية، مما يعكس الحذر الأمني الذي لا يزال يسود المنطقة ويبرز الحاجة إلى بناء الثقة خطوة بخطوة. هذا التوازن بين الانسحاب والإبقاء على الوجود الأمني يمثل تحديًا في تفسير نوايا الاتفاق وتطبيقه العملي، ويتطلب مراقبة دقيقة من قبل الولايات المتحدة والأطراف المعنية لضمان التزام الجميع بالبنود المتفق عليها. إن نجاح هذا الاتفاق يعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية للأطراف وقدرتها على تجاوز عقود من العداء والشك المتبادل، والعمل نحو مستقبل من الاستقرار والتعاون، مما يطرح تساؤلات حول مدى واقعية هذه التطلعات في ظل التعقيدات الإقليمية.