ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافق على مطلب رئيسي من طهران، يتمثل في كبح الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان. يأتي هذا التطور وسط مخاوف متزايدة من تصعيد إقليمي جديد. وقد شكّل هذا الاتفاق جزءًا من مساعي ترامب لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام التجارة العالمية. هذا الالتزام بإنهاء القتال في لبنان فوراً كان عنصراً أساسياً في الاتفاق الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران.
وأشارت تقارير إلى أن الهجمات الإسرائيلية ضد حزب الله قد تراجعت منذ هذا الاتفاق، مما يشير إلى تأثير مباشر للضغط الأمريكي. وفي خطوة منفصلة، توصلت الحكومة اللبنانية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة البيت الأبيض يوم الجمعة، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد السياسي والأمني في المنطقة. هذا الاتفاق، الذي جاء بعد أسابيع من المفاوضات المكثفة، يهدف إلى معالجة بعض القضايا العالقة بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول قدرته على تحقيق استقرار دائم في ظل التوترات القائمة.
تفاصيل الاتفاق الأمريكي الإيراني
كان الالتزام بإنهاء القتال في لبنان فوراً عنصراً أساسياً في الاتفاق الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران. وقد تم توقيع اتفاق مع إيران في 17 يونيو، يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان بشكل كامل، وفقاً لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها. بعد أسبوع واحد من هذا الاتفاق، وافق ترامب على صفقة جديدة تمنح إسرائيل مجالاً أوسع للإبقاء على قواتها هناك، بينما تحمل الحكومة اللبنانية وحزب الله مسؤولية حل الأزمة. هذا التعديل أثار تساؤلات حول مدى التزام الأطراف بالاتفاق الأصلي وتأثيره على الديناميكيات الإقليمية.
وأصرت إيران على انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان، وفقاً لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها. في المقابل، زعمت إسرائيل أن حربها مع حزب الله يجب أن تُحل عبر مسار دبلوماسي منفصل، بعيداً عن أي اتفاقات أوسع نطاقاً. وينص الاتفاق المبرم على بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى يتم نزع سلاح حزب الله وتستعيد القوات المسلحة اللبنانية سيطرتها الكاملة على المنطقة. هذا الشرط يضع عبئاً كبيراً على الحكومة اللبنانية وحزب الله في تحقيق متطلبات الاتفاق لكي تنسحب القوات الإسرائيلية. تمثل هذه التطورات توازناً دقيقاً بين مصالح الأطراف المعنية، وتثير تساؤلات حول استقرار الوضع الأمني في لبنان على المدى الطويل، خاصة مع التداعيات المحتملة على الساحة الداخلية اللبنانية، حيث يمكن أن يؤدي هذا الشرط إلى توترات داخلية غير مسبوقة. إن عدم وجود حزب الله كطرف مباشر في المفاوضات التي أفضت إلى هذا الاتفاق يزيد من تعقيد الوضع، حيث يثير الشكوك حول مدى التزامه بتطبيقه.
مخاوف لبنان من حرب داخلية أو نزاع جديد
تتزايد المخاوف في لبنان من اندلاع حرب جديدة بين حزب الله والحكومة اللبنانية، أو عودة الحرب الأهلية التي مزقت البلاد بين عامي 1975 و1990. ويأتي هذا التوتر في أعقاب التطورات الأخيرة المتعلقة بالاتفاقات الإقليمية وتأثيرها المباشر على الوضع الداخلي. هذه المخاوف ليست مجرد تكهنات، بل تستند إلى تاريخ طويل من الصراعات الداخلية وتوازن القوى الهش في البلاد.
وفي هذا السياق، صرح هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، بأن الاتفاق احتوى على شروط غير متكافئة لأن "لبنان لم يكن لديه خيار آخر ولا أوراق رابحة". وأضاف خشان أن لبنان لا يمتلك الوسائل لاستعادة أراضيه بالقوة، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله، في إشارة إلى موازين القوى المعقدة في المنطقة والتحديات التي تواجه الأطراف اللبنانية. هذا النقص في الخيارات والأوراق الرابحة يجعل لبنان في موقف ضعيف أمام الضغوط الإقليمية والدولية، مما يحد من قدرته على التفاوض بشروط أفضل. وأشار خشان إلى أن هذه الظروف تضع لبنان في مأزق، حيث يجد نفسه مضطراً لقبول شروط قد لا تكون في مصلحته العليا.
وحذر خشان من أن الفشل في التوصل إلى اتفاق يعني توسيع إسرائيل "للخط الأزرق"، وهو خط ترسيم الحدود الذي وضعه الأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000. ويشير ذلك إلى احتمال تصعيد عسكري أو جغرافي في حال عدم التزام الأطراف بالشروط المتفق عليها، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية على الحدود الجنوبية للبنان وتغيير خريطة المنطقة. هذا التوسع المحتمل للخط الأزرق يثير قلقاً كبيراً في الأوساط اللبنانية والدولية، حيث يمكن أن يؤدي إلى اشتباكات مسلحة وتشريد المزيد من السكان.
ويرى محللون أن هناك مخاطر من وقوع اشتباكات مباشرة بين الدولة اللبنانية الهشة وحزب الله المدجج بالسلاح. ويُعزى هذا التخوف إلى التوتر القائم بين الأطراف، حيث يضع الاتفاق عبئاً على الحكومة اللبنانية وحزب الله لإحراز تقدم في نزع سلاح الحزب وبسط سيطرة الجيش اللبناني على الجنوب، وهو ما قد يؤدي إلى احتكاكات داخلية خطيرة. هذه المخاطر تنبع من التباين الكبير في القوة العسكرية بين الدولة اللبنانية وميليشيا حزب الله، مما يجعل أي محاولة لفرض شروط الاتفاق بالقوة أمراً محفوفاً بالمخاطر. وتثير هذه التطورات تساؤلات جدية حول قدرة لبنان على الحفاظ على استقراره الداخلي في ظل هذه الضغوط المتزايدة والتحديات التي تواجه مؤسساته الأمنية والسياسية.
موقف حزب الله والجيش اللبناني
حذر حزب الله السلطات اللبنانية من أن الاتفاق قد يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية، مؤكداً على أن أي محاولة لفرض شروط الاتفاق بالقوة ستواجه بمقاومة شديدة. ويعتقد هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، أن الاتفاق "لا يملك فرصة كبيرة للنجاح"، مشيراً إلى أن تنفيذه سيكون "اختباراً للجيش اللبناني، لأن حزب الله سيقاوم نزع السلاح". وأوضح خشان أن الأمر لا يتعلق بقوة حزب الله بقدر ما يتعلق بأن الجيش قد ينقسم إذا واجه حزب الله، مما يهدد بتفكك المؤسسة العسكرية اللبنانية. هذا التحذير من حزب الله يعكس مدى حساسية الوضع الداخلي والتخوف من انقسامات عميقة داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية نفسها، مما يزيد من تعقيد مهمة تنفيذ الاتفاق ويجعلها شبه مستحيلة دون عواقب وخيمة.
في المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق اللبناني أنه سيمكن الدولة من اتخاذ إجراءات ضد حزب الله، الذي تدخل طويلاً في السياسات اللبنانية مستغلاً مصالح إيران، داعمه الرئيسي. هذا الرأي يشير إلى أمل لدى بعض الأطراف اللبنانية في استعادة سيادة الدولة ونفوذها على جميع أراضيها، وإنهاء ما يرونه هيمنة لحزب الله على القرار الوطني. حزب الله لم يكن طرفاً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التزامه بتطبيقه أو قبوله لشروطه. هذا الغياب عن طاولة المفاوضات يضعف من شرعية الاتفاق في نظر الحزب ويزيد من احتمالية رفضه لأي بنود تمس نفوذه أو قوته العسكرية، مما يهدد بتقويض الاتفاق برمته.
من جانب آخر، أشار دينيس أفتر، وهو مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق متخصص في الشؤون الإيرانية، إلى أن إسرائيل تدرك تماماً أن القوات المسلحة اللبنانية من غير المرجح أن تنزع سلاح حزب الله في المستقبل المنظور. هذا الموقف يلقي بظلاله على التوقعات بشأن مدى فعالية الاتفاق وقدرة الأطراف اللبنانية على تنفيذه دون تصعيد داخلي أو خارجي. إن إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة يشير إلى أن الاتفاق قد لا يحقق أهدافه على المدى القصير، مما قد يؤدي إلى استمرار الوضع الراهن أو البحث عن حلول بديلة قد تكون أكثر عنفاً. وتبرز هذه التطورات التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان في تحقيق الاستقرار، خاصة مع غياب حزب الله عن طاولة المفاوضات التي تحدد جزءاً كبيراً من مستقبله الأمني والسياسي، وتأثير ذلك على التوازن الهش للقوى داخل البلاد.
التداعيات الإقليمية وتعقيدات السلام
تتزايد المخاوف من تجدد القتال بين إسرائيل وحزب الله، أو من جمود طويل الأمد يترك القوات الإسرائيلية في لبنان وعشرات الآلاف من المدنيين اللبنانيين نازحين. هذا السيناريو يهدد بزعزعة الاستقرار الإقليمي بشكل أكبر، ويخلق أزمة إنسانية جديدة في منطقة تعاني بالفعل من توترات وصراعات متواصلة. ولا يزال مصير جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحويل تفاهم أولي مع إيران إلى اتفاق سلام دائم معلقًا، مما يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين إلى المشهد السياسي، ويجعل آفاق السلام الشامل تبدو بعيدة المنال.
في سياق هذه التوترات، لم تشهد المفاوضات التي جرت في قطر هذا الأسبوع أي تقدم يذكر، حيث رفض كل طرف تقديم تنازلات جوهرية، مما يعكس عمق الخلافات وعدم وجود أرضية مشتركة كافية. هذا الجمود في المفاوضات يعكس عمق الخلافات بين الأطراف المعنية ويقلل من الآمال في التوصل إلى حلول دبلوماسية سريعة، مما يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر. وفي هذا الصدد، صرح دينيس أفتر، وهو مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق متخصص في الشؤون الإيرانية، بأن لبنان يبرز كالعقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع نطاقاً، مشدداً على أهمية حل الأزمة اللبنانية كشرط مسبق لأي سلام في المنطقة. هذا التصريح يؤكد على الدور المحوري للبنان في أي تسوية إقليمية، وأن استقراره الداخلي وحل قضية حزب الله يعتبران مفتاحين لأي سلام دائم في المنطقة. إن استمرار تبادل الغارات الجوية المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران يعكس التوتر المستمر بين البلدين رغم المحاولات الدبلوماسية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل تحقيق السلام الشامل أمراً بعيد المنال، ويؤكد على أن المنطقة لا تزال على صفيح ساخن.