وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان الأسبوع الماضي "الإطار الثلاثي" (Trilateral Framework)، وهو اتفاق يشترط انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بخطوات لبنانية يمكن التحقق منها لتفكيك وكيل إيران، حزب الله. بموجب هذا الاتفاق، يواجه لبنان خياراً مصيرياً: إما نزع سلاح حزب الله وإما فقدان المنطقة الحدودية الجنوبية التي تُركت خالية من السكان إلى السيطرة الإسرائيلية. هذا الخيار الحاسم يضع الدولة اللبنانية أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتوقف سيادتها ووحدة أراضيها على قدرتها على فرض سلطة الدولة على جميع أراضيها.
آلية جديدة لإنفاذ نزع السلاح
تضيف اتفاقية عام 2026 آليات إنفاذ جديدة لمطالب نزع السلاح، مما يميزها عن الاتفاقات السابقة التي لم تتضمن مثل هذه البنود الملزمة. ويُربط الانسحاب العسكري الإسرائيلي من جنوب لبنان بإجراءات ملموسة يمكن التحقق منها يتخذها الجانب اللبناني. وتشمل هذه الإجراءات جمع لبنان للأسلحة الثقيلة من جميع الأطراف غير الحكومية، وتفكيك المواقع العسكرية التابعة لحزب الله المنتشرة في المنطقة، ومنع إعادة تسلح الحزب بأي شكل من الأشكال. هذه الشروط تهدف إلى ضمان عدم تكرار السيناريوهات السابقة التي لم يتم فيها الالتزام بالاتفاقيات.
كما تنص المادة 13 من الإطار الثلاثي على أن تتوقف بيروت عن متابعة الإجراءات القانونية ضد إسرائيل في المحاكم والمنتديات الدولية، وهو بند ينطبق أيضاً على إسرائيل، مما يخلق نوعاً من التوازن القانوني ويفتح الباب أمام تسوية شاملة للنزاعات. هذا البند يعكس محاولة لبناء الثقة المتبادلة وتوجيه الأطراف نحو حلول دبلوماسية بدلاً من الصراعات القانونية المستمرة.
تاريخ من الوعود غير المنفذة
تاريخياً، شهدت جهود نزع سلاح حزب الله تحديات كبيرة. ففي عام 2006، تفاوض رئيس مجلس النواب نبيه بري ووافق، نيابة عن حزب الله، على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الذي ينص بوضوح على نزع سلاح حزب الله. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ هذا القرار بالكامل، مما سمح للحزب بالاحتفاظ بقوته العسكرية وتوسيع نفوذه. هذا الفشل في التنفيذ ترك فراغاً أمنياً وسياسياً استغله الحزب لترسيخ مكانته كقوة عسكرية موازية للدولة.
وفي عام 2024، صوتت حكومة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي على تأييد وقف الأعمال العدائية، وهو ما تطلب أيضاً نزع سلاح الميليشيا كشرط أساسي. لكن هذه الخطوة أيضاً لم تسفر عن تفكيك فعلي لقدرات حزب الله العسكرية، مما يؤكد النمط المتكرر للوعود غير المتبوعة بإجراءات حقيقية على الأرض.
ويقدم الإطار الثلاثي لعام 2026 للبنان المسار الأوضح للخروج من دائرة الحرب وإعادة التسلح، لأنه يرفض تكرار نمط الوعود دون تكلفة أو عواقب. يضع الاتفاق آليات جديدة للتحقق من التزام لبنان بنزع سلاح حزب الله، مما يوفر فرصة حقيقية للدولة اللبنانية لاستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها. هذه الآليات تهدف إلى ضمان أن تكون الخطوات المتخذة قابلة للقياس والتحقق، مما يقلل من احتمالية التملص من الالتزامات.
ردود فعل حزب الله والدولة اللبنانية
أظهر حزب الله عداءً مفتوحاً تجاه الدولة اللبنانية، حيث شنت وسائل إعلامه وحلفاؤه هجوماً عنيفاً على "الإطار الثلاثي"، واصفين إياه بالخيانة العظمى. وقد بلغت ردود الفعل هذه حد اشتباك قوات حزب الله في الشوارع مع أفراد الأمن في لبنان، في مؤشر واضح على رفض الحزب لأي محاولة لتقويض نفوذه العسكري. هذه الاشتباكات تسلط الضوء على التوتر العميق بين الحزب والدولة اللبنانية، وتكشف عن مدى استعداد الحزب لمقاومة أي إجراءات لنزع سلاحه.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن قرار الحكومة اللبنانية إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، وإصدار بيان مشترك، والتوقيع على اتفاق ملزم، يثبت أن جزءاً من الطبقة السياسية والجمهور اللبناني اختار السيادة على حكم الميليشيات الدائم. هذا التحول يعكس رغبة متزايدة داخل لبنان في التخلص من عبء القوى غير الحكومية واستعادة الدولة لدورها المركزي في إدارة شؤون البلاد وتأمين حدودها.