سوريا تستبعد التدخل العسكري في لبنان وتؤكد رغبتها في تعزيز العلاقات الثنائية

In this photo released by the Lebanese Presidency press office, Lebanese President Joseph Aoun, right, meets with Syrian Foreign Minister Asaad al-Shibani, at the presidential palace in Baabda, east of Beirut, Lebanon, 2 July 2026.
الصورة: Lebanese Presidency press office via AP عبر News

أبلغ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الرئيس اللبناني جوزيف عون يوم الخميس أن دمشق لا تعتزم التدخل عسكرياً في لبنان، مؤكداً سعي بلاده لفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية. تأتي هذه التصريحات تزامناً مع إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع أنه لا ينوي التدخل أو إعادة فتح الجراح القديمة التي عانت منها العلاقة بين البلدين. وقد صرح الشيباني للصحفيين أنه لا يستبعد إمكانية عقد اجتماع مع حزب الله مستقبلاً، مشيراً إلى أن الهدف هو بناء جسور التواصل مع كافة الأطراف اللبنانية. هذا الموقف الجديد من دمشق يعكس تحولاً في سياستها تجاه لبنان، حيث تسعى لترسيخ مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وأوضح الشيباني أن هذه الزيارة "تضع الأساس لمرحلة جديدة في العلاقات مع لبنان ومختلف الفصائل السياسية اللبنانية تقوم على الشراكة والتعاون". وأضاف أن سوريا تهدف إلى إقامة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن أي تدخلات سابقة. وتؤكد هذه التصريحات التوجه السوري نحو بناء علاقات إيجابية مع كافة الأطراف اللبنانية، مع التأكيد على عدم وجود أي نية للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وهو ما يمثل نقطة محورية في الخطاب الدبلوماسي السوري الجديد.

تأكيد دمشق على عدم التدخل العسكري وتداعياته الإقليمية

أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً إلى أن سوريا يمكنها "التعامل مع حزب الله"، في تصريحات تعكس وجهة نظر حول الدور السوري المحتمل في الشأن اللبناني، وتحديداً فيما يتعلق بالتعامل مع الجماعات المسلحة. تأتي هذه التصريحات في سياق يبرز تاريخاً معقداً من العلاقات بين البلدين، حيث شهدت العلاقة فترات من التوتر والتدخلات المباشرة وغير المباشرة. الموقف السوري الحالي، الذي يؤكد عدم التدخل العسكري، يرمي إلى تبديد المخاوف الإقليمية والدولية بشأن أي دور مستقبلي لسوريا في لبنان يتجاوز الدبلوماسية والتعاون.

في سياق متصل، أعلنت سلطات دمشق عن إحباط عدة محاولات لتهريب الأسلحة إلى لبنان منذ أواخر عام 2024. وتؤكد هذه البيانات الرسمية استمرار الجهود الأمنية على الحدود لمنع عمليات التهريب التي قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي، وتشكل تهديداً لأمن البلدين. هذه الإجراءات الأمنية تعكس التزام سوريا بالحفاظ على أمن الحدود المشتركة ومنع تحويلها إلى ممر للأنشطة غير المشروعة التي يمكن أن تزعزع الاستقرار في المنطقة. كما أنها تشير إلى رغبة دمشق في التعاون الأمني مع لبنان لمواجهة التحديات المشتركة.

يُذكر أن الجيش السوري كان قد تدخل عسكرياً في لبنان خلال حربها الأهلية عام 1976، في خطوة أثرت بشكل كبير على مسار الصراع الداخلي للبنان وعلى العلاقات الثنائية بين البلدين لعقود. هذا التدخل السابق ترك بصمات عميقة في الذاكرة اللبنانية، مما يجعل تأكيدات دمشق الحالية بعدم التدخل العسكري ذات أهمية خاصة في محاولة بناء الثقة وإرساء أسس جديدة للعلاقة. الموقف الحالي من دمشق يهدف إلى طي صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة للتعاون السلمي.

جهود تعزيز العلاقات الثنائية والدبلوماسية المكثفة

دعا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الرئيس اللبناني جوزيف عون لزيارة دمشق، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين وإعادة إحياء قنوات الاتصال الرسمية على أعلى المستويات. جاءت هذه الدعوة في سياق جهود دبلوماسية مكثفة بين الجانبين مؤخراً، والتي تسعى إلى تطبيع العلاقات بعد فترة طويلة من التوتر. والتقى الشيباني أيضاً رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي يُعد حليفاً لحزب الله، في إطار سعيه للتواصل مع مختلف الأطراف السياسية اللبنانية، بما في ذلك تلك التي لديها مواقف مختلفة تجاه سوريا. هذا يؤكد على نهج دمشق الشامل في التعامل مع المشهد السياسي اللبناني.

وكان الشيباني قد زار لبنان في أكتوبر (October) الماضي، مما يشير إلى استمرارية في الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى والجهود المتواصلة لترسيخ أسس العلاقة الجديدة. وفي السياق ذاته، سافر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى سوريا في مايو (May) الماضي، مؤكداً على مستوى التنسيق المستمر بين الحكومتين ورغبتهما في تعزيز التعاون الثنائي. ولتفعيل التعاون المستقبلي، سيتم تكليف لجنة رفيعة المستوى بتطوير الشراكات الاقتصادية والاتفاقيات الأمنية بين سوريا ولبنان. وتهدف هذه اللجنة إلى وضع أسس صلبة لعلاقات ثنائية مبنية على التعاون والمصالح المشتركة، وتحديد آليات تنفيذية لتعزيز التبادل التجاري، وتنسيق الجهود الأمنية لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب عبر الحدود.

مواقف سياسية متباينة تجاه سوريا الجديدة

في سياق المواقف اللبنانية المتباينة من تطور العلاقات مع دمشق، أعلن سامي الجميل، رئيس أحد الأحزاب المسيحية في لبنان، أن حزبه "يرحب اليوم بممثل سوريا الجديدة". تأتي هذه التصريحات في ظل تباين الرؤى تجاه السلطات السورية الجديدة التي توصف بأنها معادية لحزب الله، مما يشكل نقطة تحول في الخطاب السياسي اللبناني. وقد أشار الجميل إلى التضحيات التي قدمها حزبه، مؤكداً أنهم "ضحوا بآلاف الشهداء في مكافحة نظام الأسد"، مما يبرز عمق الخلافات التاريخية والسياسية. وتعكس تصريحات الجميل تعقيد المشهد السياسي اللبناني تجاه سوريا، حيث تتداخل المواقف التاريخية مع التطورات الراهنة. ويشكل هذا الترحيب بممثل "سوريا الجديدة" تحولاً في الخطاب، خاصة بالنظر إلى الخلفية التاريخية للصراع بين هذا الحزب والنظام السوري السابق. ويُظهر ذلك أن بعض الأطراف اللبنانية ترى في التغييرات الأخيرة في دمشق فرصة لإعادة تقييم العلاقة الثنائية وفتح صفحة جديدة، على الرغم من أن هذا التوجه لا يزال يثير نقاشات واسعة داخل الساحة السياسية اللبنانية حول مستقبل العلاقة مع الجارة الشرقية.