في فبراير 2025، وقف علي أمام منزله في الناقورة، جنوب لبنان، مشيراً إلى الشرخ في أساسات المنزل وأشجار الفاكهة التي اقتلعها الجيش الإسرائيلي. هذا المشهد كان بمثابة شهادة حية على الدمار الذي لحق بالمنطقة، حيث كانت آثار العمليات العسكرية واضحة على كل زاوية. اضطر علي للنزوح قسراً عندما اجتاح الإسرائيليون المنطقة مرة أخرى في مارس من نفس العام، تاركاً وراءه كل ما يملك. ورغم أن أشد المعارك قد توقفت على ما يبدو، يشير مسؤولون إسرائيليون إلى أن أشخاصاً مثل علي لن يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم في الأسابيع القادمة، مما يفاقم من معاناتهم ويضع حداً لأي آمال بالعودة السريعة.
كان الجيش الإسرائيلي قد انسحب مؤخراً من الناقورة كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن هذا الانسحاب لم يكن يعني نهاية المعاناة. فقد ترك وراءه منازل تم تفجيرها بالكامل، ومدرسة جدرانها مغطاة بالرسومات والكتابات التي تعكس فظاعة ما حدث، وخطوط كهرباء مقتلعة من الأرض، مما يدل على حجم التدمير الممنهج للبنية التحتية. بعد أكثر من عام بقليل من فبراير 2025، قامت إسرائيل بتدمير منطقة الناقورة بالكامل، لتتحول البلدة إلى منطقة منكوبة بالكامل، حيث لم يتبق فيها سوى الأنقاض والذكريات المؤلمة لسكانها الأصليين. هذا الدمار الشامل للناقورة يمثل جزءاً من نمط أوسع من الاستهداف الممنهج للمناطق السكنية والبنية التحتية المدنية في جنوب لبنان، مما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه العمليات العسكرية.
حجم الدمار والخسائر البشرية غير المسبوقة
في سياق أوسع، كثفت إسرائيل حربها على لبنان للمرة الثانية في أقل من عامين بتاريخ 2 مارس. جاء هذا التصعيد كرد على إطلاق صواريخ من قبل حزب الله — وهو أول هجوم من نوعه ضد إسرائيل من قبل الجماعة منذ أكثر من عام — مما دفع إسرائيل إلى إعادة غزو جنوب لبنان وضرب أهداف في جميع أنحاء البلاد. أسفرت هذه العمليات الإسرائيلية في لبنان عن مقتل 4,257 شخصًا وإصابة أكثر من 12,000 آخرين منذ الثاني من مارس، وهي أرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي ضربت البلاد. هذه الأرقام المفجعة تسلط الضوء على التكلفة البشرية الباهظة للنزاع، حيث فقد الآلاف حياتهم وأصيب عشرات الآلاف بجروح متفاوتة الخطورة، مما يترك آثاراً جسدية ونفسية عميقة على المجتمع اللبناني.
بلغ عدد النازحين ذروته بأكثر من 1.2 مليون شخص خلال الهجمات الإسرائيلية، مما يشكل أزمة نزوح ضخمة داخل لبنان، ويضع ضغوطاً هائلة على الموارد والخدمات في المناطق التي استقبلت هؤلاء النازحين. وتشغل إسرائيل حالياً حوالي 6% من الأراضي اللبنانية، مما يثير مخاوف كبيرة بشأن السيادة اللبنانية ومستقبل هذه المناطق المحتلة، ويُعقد جهود الإغاثة وإعادة الإعمار. هذا الاحتلال الجزئي للأراضي اللبنانية يمثل تحدياً خطيراً للأمن والاستقرار الإقليمي، ويزيد من تعقيدات الوضع الإنساني والسياسي.
كشفت تقييمات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عن تدمير 11,095 مبنى بالكامل بعد الهجوم الذي وقع في عام 2026، مما يبرز حجم الخسائر المادية الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات الخاصة والعامة. كما أظهر تحليل الأقمار الصناعية الذي أجرته صحيفة لوموند (Le Monde) أن 45% من المناطق الحضرية في جنوب لبنان قد تضررت أو دمرت منذ مارس 2026، مما يؤكد على النطاق الواسع للدمار الذي طال المناطق السكنية والحيوية، وتأثيره المدمر على حياة السكان. وقد طال الدمار بلدات مثل بنت جبيل، كفر كلا، ميس الجبل، الطيبة، دير سريان والناقورة، مما يعكس حجم الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بالمنطقة بأكملها. هذه البلدات، التي كانت يوماً ما مراكز حيوية للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، تحولت إلى ركام، مما يترك سكانها بلا مأوى وبلا مستقبل واضح، ويفرض عليهم تحديات هائلة لإعادة بناء حياتهم ومجتمعاتهم.
تداعيات نفسية واجتماعية عميقة على المجتمع اللبناني
عانى اللبنانيون بشدة في السنوات الأخيرة، حيث أعقب انتفاضة عام 2019 وما تلاها من قمع أزمة مصرفية واقتصادية خانقة، ثم انفجار مرفأ بيروت المدمر في عام 2020، والآن ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب المستمرة. هذه السلسلة المتواصلة من الكوارث والأزمات تركت ندوباً عميقة على النسيج الاجتماعي والنفسي للبلاد، وأثرت بشكل كبير على قدرة الأفراد والمجتمعات على التعافي والتكيف. وقد شملت العديد من التكتيكات الإسرائيلية لتدمير المدن في لبنان تلك المستخدمة أيضاً في غزة، مما يشير إلى نمط من العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية المدنية بشكل واسع النطاق، وتهدف إلى إحداث دمار شامل يؤثر على حياة المدنيين بشكل مباشر وطويل الأمد.
يُعد النزوح القسري واحداً من أكثر التداعيات إيلاماً، حيث يفقد النازحون ليس فقط منازلهم وممتلكاتهم، بل أيضاً شعورهم بالانتماء والهوية، وهو ما يمثل خسارة لا تقدر بثمن. فبالنسبة لعلي وغيره من النازحين، فإن الارتباط بالأرض والقرية يمثل جزءاً أساسياً من هويتهم الثقافية والاجتماعية، ومصدراً للاستقرار والأمان. عندما تُدمر المنازل وتُقتلع أشجار الفاكهة التي كانت مصدر رزق ومكان ذكريات، فإن ذلك يترك فراغاً هائلاً يصعب ملؤه، ويزعزع أسس حياتهم بشكل جذري. إن غياب الأمان والاستقرار المستمر يؤدي إلى شعور دائم بالخوف والقلق، مما يعيق قدرة الأفراد على التخطيط للمستقبل أو حتى العيش في الحاضر بسلام، ويؤثر على صحتهم النفسية والعقلية بشكل كبير.
تحديات الصحة النفسية القائمة والمستقبلية المتفاقمة
فاقم هذا التصعيد الأخير من التحديات الصحية القائمة، خاصة فيما يتعلق بالصحة النفسية، التي كانت تعاني بالفعل من ضغوط هائلة جراء الأزمات المتتالية. أظهرت دراسة أجريت عام 2022 بواسطة باحثين لبنانيين معدلات مرتفعة لاضطرابات الصحة النفسية بين السكان. وشملت هذه الاضطرابات الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، مما يعكس الأثر العميق للأزمات المتتالية التي مر بها لبنان على الصحة العقلية لمواطنيه، ويؤكد على الحاجة الملحة لتقديم الدعم النفسي المتخصص. وتشير هذه النتائج إلى أن السكان كانوا يعانون بالفعل من ضغوط نفسية كبيرة قبل التصعيد الأخير، مما جعلهم أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الجديدة، ويزيد من صعوبة تعافيهم.
مع استمرار الدمار والنزوح، من المتوقع أن تتفاقم هذه الأوضاع النفسية، مما يضع عبئاً إضافياً على نظام الرعاية الصحية المحدود في البلاد، والذي يعاني بدوره من نقص الموارد والكوادر. إن تدمير البنية التحتية، بما في ذلك المرافق الصحية، يزيد من صعوبة الوصول إلى الرعاية اللازمة للمتضررين، ويُعيق جهود تقديم الخدمات الطبية والنفسية. كما أن النقص في الكوادر المتخصصة والموارد المالية يجعل من الصعب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي الكافي لملايين الأشخاص الذين يحتاجون إليه، مما يفاقم من الأزمة الإنسانية والصحية في البلاد.
إن فقدان المنازل والمجتمعات، والنزوح المتكرر، والصدمات المتتالية، كلها عوامل تساهم في تفاقم أزمة الصحة النفسية، وتترك آثاراً طويلة الأمد على الأفراد والمجتمعات. يواجه الأطفال تحديات خاصة، حيث يمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى اضطرابات نمائية ونفسية طويلة الأمد، تؤثر على مستقبلهم وقدرتهم على التكيف. أما الكبار، فيعانون من الإحباط وفقدان الأمل، مما يؤثر على قدرتهم على العمل وإعادة بناء حياتهم، ويزيد من معدلات البطالة والفقر. إن الحاجة إلى تدخلات عاجلة وطويلة الأمد في مجال الصحة النفسية باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لضمان أن يتمكن النازحون والمتضررون من التغلب على هذه الصدمات واستعادة جزء من حياتهم وكرامتهم، وبناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولأسرهم.