يتهم مسؤولون لبنانيون وسكان محليون الجيش الإسرائيلي بإشعال حرائق منهجية في جنوب البلاد، مما أدى إلى احتراق مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية. وقد أدانت وزيرة البيئة تمارا الزين (Tamara Elzein) ما وصفته بـ "الإبادة البيئية" في الجنوب، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي "يتعمد" حرق مساحات من الأراضي اللبنانية. يأتي ذلك في ظل استمرار القصف الإسرائيلي للجنوب وهدم قرى حدودية، على الرغم من وقف إطلاق النار المزعوم منذ شهر يونيو. هذه التقارير من المسؤولين والسكان المحليين تؤكد أن الجيش الإسرائيلي يقوم بشكل ممنهج بإشعال حرائق أدت إلى احتراق مساحات شاسعة من الغابات والأراضي الزراعية في جنوب البلاد، مما يفاقم الأزمة البيئية والإنسانية في المنطقة.
نطاق الدمار البيئي بالأرقام
أفاد المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) اللبناني، وهو هيئة حكومية، بأن النشاط العسكري الإسرائيلي تسبب في احتراق 160 كيلومتراً مربعاً من الأراضي منذ بدء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في أكتوبر 2023. وأوضح المجلس أن نصف هذه المساحة المحترقة هي أراضٍ زراعية، مما يشير إلى حجم الخسائر الاقتصادية والبيئية التي تتكبدها المنطقة. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية للمجلس مناطق كانت خضراء في السابق اختفت الآن بسبب الحرائق الشديدة، بالإضافة إلى عمليات التجريف واقتلاع النباتات التي قامت بها إسرائيل في المنطقة الحدودية. هذه الصور توضح بشكل جلي مدى التدمير الذي لحق بالغطاء النباتي، حيث تحولت مناطق كانت تعج بالحياة الخضراء إلى مساحات سوداء قاحلة، مما يؤثر على التنوع البيولوجي والأنظمة البيئية المحلية.
وصرح شادي عبد الله، مدير المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) اللبناني، بأن "خلال الحرب السابقة، احترق حوالي 8,500 هكتار (85 كيلومتراً مربعاً) من الأراضي، بينما هذا العام، أحرق الإسرائيليون حوالي 7,500 هكتار". وأشار عبد الله إلى أن 350 هكتاراً من هذه المساحة احترقت بعد اتفاق يونيو، مما يدل على استمرار هذه الأعمال حتى بعد التوصل إلى تفاهمات معينة. من جانبها، ذكرت جماعة "الجنوبيون الخضر" البيئية اللبنانية أنها سجلت أضراراً واسعة النطاق في الغابات والأحراج والأراضي الزراعية في جنوب لبنان منذ عام 2023. وأكدت الجماعة أن "محميات طبيعية رئيسية في جنوب لبنان تعرضت أيضاً لتدمير واسع النطاق ومتكرر"، مما يهدد التنوع البيولوجي الفريد في هذه المناطق. هذه الأضرار المتواصلة تشكل تهديداً كبيراً للموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية، وتزيد من صعوبة استعادة التوازن البيئي في المستقبل.
شهادات من الخطوط الأمامية
في قرية شقرا، ذكر حيدر قطيش (Haidar Qoteish)، البالغ من العمر 36 عامًا، أنه شاهد الحرائق تلتهم الحقول والبساتين في بلدته حولا، التي تبعد خمسة كيلومترات فقط ولكنها تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وصرح قطيش بأنهم "أحرقوا كل شيء. يمكنك أن ترى الحقول كلها سوداء". وأضاف: "الذين لم تحرق أراضيهم، قاموا بتجريفها". وتابع قطيش معبراً عن أسفه: "إنها خسارة كبيرة، وليس هناك ما يمكننا فعله". هذه الشهادات تعكس الواقع المرير الذي يعيشه السكان المحليون الذين يعتمدون على أراضيهم الزراعية كمصدر رزق رئيسي. تقع بلدته حولا على بعد خمسة كيلومترات (ثلاثة أميال) فقط من شقرا، وهي حالياً تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، مما يجعل وصول السكان إليها مستحيلاً لتقييم أو منع الأضرار.
من جهته، أفاد حسين فقيه (Hussein Fakih)، رئيس وكالة الدفاع المدني لمنطقة النبطية، أن فرقه لاحظت منذ شهر يوليو حرائق داخل المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية وبالقرب منها. وتشير هذه الملاحظات إلى أن الحرائق ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي مرتبطة بالوجود العسكري الإسرائيلي. وفي كفرشوبا، التي تتاخم "المنطقة الأمنية" الإسرائيلية، قال رئيس البلدية قاسم القادري (Qassem al-Qadri) إن هجوماً إسرائيلياً هذا الشهر أشعل حريقاً امتد عبر منطقة واسعة "معظمها غابات"، مما أدى إلى تدمير بيئي كبير. هذه الحرائق المتكررة تثير قلقاً بالغاً بشأن السلامة البيئية للمنطقة، وتؤثر على سبل عيش السكان الذين يعتمدون على هذه الأراضي.
وأكدت التقارير أن هذه الحرائق اندلعت بفعل "قنابل وطائرات مسيرة" إسرائيلية، وفي بعض الأحيان بقذائف الفوسفور الحارقة والقنابل العنقودية. هذه الأنواع من الذخائر تثير مخاوف جدية بشأن الأضرار طويلة الأمد على البيئة وصحة الإنسان، حيث أن الفوسفور الأبيض يسبب حروقاً شديدة يصعب علاجها، وتترك القنابل العنقودية ذخائر غير منفجرة تشكل خطراً مستمراً على المدنيين. وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية هذا الشهر أن القوات الإسرائيلية اقتلعت 600 شجرة زيتون في قرية جنوبية واحدة فقط، مما يشكل خسارة اقتصادية وبيئية كبيرة للمزارعين المحليين. هذه الأفعال لا تدمر البيئة الطبيعية فحسب، بل تقوض أيضاً الاقتصاد الزراعي الذي يعد شريان الحياة لكثير من العائلات في جنوب لبنان.
أهداف إسرائيلية مزعومة في الجنوب
قال شادي عبد الله، مدير المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) اللبناني، إن الجيش الإسرائيلي "يحرق الأراضي بشكل ممنهج" و"يحاول إنشاء منطقة عازلة خالية من المنازل والناس والبيئة الطبيعية". وأوضح عبد الله لوكالة فرانس برس (AFP) أن الحرائق كانت مقتصرة على "الشريط الحدودي" خلال الأعمال العدائية بين عامي 2023 و2024، لكنها توسعت بشكل ملحوظ منذ أن تجدد الصراع هذا العام. وأضاف عبد الله: "خلال الحرب السابقة، احترق حوالي 8,500 هكتار (85 كيلومتراً مربعاً) من الأراضي، بينما هذا العام، أحرق الإسرائيليون حوالي 7,500 هكتار، بما في ذلك 350 هكتاراً بعد اتفاق يونيو". هذه الأرقام تؤكد على حجم الأضرار المتراكمة والتأثير المستمر للعمليات العسكرية. إن استهداف الأراضي الزراعية والغابات بهذه الطريقة المنهجية يثير تساؤلات حول الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة، والتي تبدو أنها تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة لتشمل تغيير ديموغرافي وبيئي.
وفي هذا الشهر، حذرت جماعة "الجنوبيون الخضر" البيئية اللبنانية من أن "محميات طبيعية رئيسية في جنوب لبنان تعرضت أيضاً لتدمير واسع النطاق ومتكرر". وتأتي هذه التصريحات في سياق تقارير متواصلة عن الأضرار البيئية في المنطقة الحدودية، وتؤكد على الحاجة الملحة لتقييم شامل لهذه الأضرار ووضع خطط لإعادة التأهيل البيئي. المسؤولون اللبنانيون والسكان المحليون يواصلون رفع أصواتهم ضد هذه الممارسات التي يعتبرونها انتهاكاً صارخاً للقوانين البيئية والإنسانية، مطالبين بوقف فوري لهذه الأعمال وتوفير الحماية للمناطق المتضررة. هذه الدعوات تتزايد مع تفاقم الأزمة البيئية، وتأثيرها المباشر على حياة السكان المحليين ومستقبل الأجيال القادمة في جنوب لبنان.