اتهامات إسرائيلية ببدء حرائق متعمدة في جنوب لبنان وسط تحذيرات من "إبادة بيئية"

Smoke rises from fires ignited by Israeli shelling that targeted the plain of Marjayoun in southern Lebanon on August 25, 2026. As extreme heat fuels wildfires worldwide this summer, Lebanese officials and residents have accused Israel's military of systematically sparking blazes that have burnt swathes of forest and farmland in the country's south. — AFP
الصورة: AFP عبر News

أفاد المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) في لبنان بأن النشاط العسكري الإسرائيلي أدى إلى احتراق 160 كيلومتراً مربعاً من الأراضي، نصفها زراعي، في جنوب لبنان منذ بدء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في أكتوبر 2023. وقد تجددت موجة القتال الأخيرة في مارس، مما أسفر عن تصعيد التوترات في المنطقة الحدودية، وترك آثاراً بيئية وزراعية مدمرة على المشهد الطبيعي وسبل عيش السكان.

شاهد مصور لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) حرائق متعددة تشتعل في جنوب لبنان، معظمها داخل "المنطقة الأمنية" التي أعلنتها إسرائيل من جانب واحد. تمتد هذه "المنطقة الأمنية" حوالي 10 كيلومترات (6 أميال) داخل الأراضي اللبنانية على طول الحدود، وتثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للعمليات العسكرية في هذه المنطقة الحساسة التي تشهد تصعيداً متواصلاً. يُعد هذا التوغل داخل الأراضي اللبنانية، وما يتبعه من حرائق، مصدراً لتوترات جيوسياسية وإنسانية، حيث يُجبر السكان المحليون على النزوح ويُفقدون مصادر رزقهم.

حجم الدمار البيئي والزراعي وتداعياته المتفاقمة

تُظهر البيانات الحديثة تدهوراً بيئياً وزراعياً واسع النطاق في جنوب لبنان، مع استمرار الحرائق وتدمير الأراضي. أظهرت الإحصائيات أن حوالي 8500 هكتار (85 كيلومتراً مربعاً) من الأراضي احترقت خلال الحرب السابقة في المنطقة، مما يشير إلى سابقة تاريخية لمثل هذا الدمار. وفي المقابل، تُظهر البيانات الحديثة أن حوالي 7500 هكتار قد احترقت هذا العام وحده، بما في ذلك 350 هكتاراً بعد اتفاق يونيو. وتشير هذه الأرقام إلى استمرار وتفاقم تدهور الأراضي الزراعية والبيئية في جنوب لبنان، مما يهدد سبل عيش المجتمعات المحلية والتنوع البيولوجي في المنطقة، ويُفاقم من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً من أزمات متعددة. يُضاف إلى ذلك أن الأراضي الزراعية التي تتعرض للحرق تفقد خصوبتها بشكل كبير وقد تستغرق سنوات طويلة، إن لم يكن عقوداً، لاستعادة قدرتها الإنتاجية، مما يترك أثراً طويل الأمد على الأمن الغذائي للمنطقة.

وقد كشفت صور الأقمار الصناعية الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) عن تحولات كبيرة ومقلقة في المشهد الطبيعي للمنطقة. أظهرت هذه الصور بوضوح مناطق كانت خضراء ومزدهرة في السابق قد اختفت تماماً بسبب الحرائق المتكررة والواسعة النطاق. رصدت الصور عمليات تجريف واقتلاع للنباتات في مناطق متفرقة، مما يدل على تدخل بشري متعمد يضاف إلى الأضرار الناجمة عن الحرائق. تُقدم هذه البيانات البصرية مؤشراً لا لبس فيه على الأضرار الهيكلية والعميقة التي لحقت بالبيئة الطبيعية في المنطقة، والتي قد تستغرق عقوداً للتعافي منها، إذا ما أمكن ذلك. هذه العمليات لا تقتصر على تدمير الغطاء النباتي فحسب، بل تُؤثر أيضاً على جودة التربة، وتزيد من مخاطر الانجراف والتعرية، مما يُفاقم من التحديات البيئية في المنطقة.

على صعيد متصل، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية هذا الشهر بأن القوات الإسرائيلية قامت باقتلاع 600 شجرة زيتون في قرية واحدة جنوبية فقط. ويُعد هذا الإجراء جزءاً من الأضرار الواسعة التي طالت القطاع الزراعي الحيوي في جنوب لبنان، وخاصة أشجار الزيتون التي تُعتبر مصدراً رئيسياً للدخل للمزارعين المحليين وتراثاً ثقافياً وبيئياً للمنطقة. تُضاف هذه الأضرار المباشرة إلى الخسائر البيئية والزراعية المتراكمة في المنطقة، والتي تشمل تدمير المحاصيل، وفقدان التربة الخصبة، وتشريد الحياة البرية. هذه الخسائر لا تؤثر فقط على الاقتصاد المحلي، بل تُهدد الأمن الغذائي للمجتمعات المتضررة وتُفاقم من معاناتها في ظل الظروف الراهنة، مما يُجبر العديد من العائلات على النزوح وترك أراضيها. كما أن تدمير أشجار الزيتون، التي تُعرف بعمرها الطويل وقيمتها الاقتصادية والرمزية، يُشكل ضربة قاسية للتراث الزراعي والثقافي في المنطقة.

شهادات ميدانية وآليات الإشعال تكشف عن طبيعة الحرائق

تُقدم الشهادات الميدانية من السكان المحليين والمسؤولين تفاصيل حية عن الكيفية التي تشتعل بها هذه الحرائق وتأثيرها المباشر على حياتهم اليومية. في قرية شقرا، ذكر حيدر قطيش، أحد السكان المتضررين، أنه شاهد الحرائق تلتهم الحقول والبساتين في بلدته حولا. تقع حولا على بعد 5 كيلومترات (3 أميال) من شقرا، لكنها تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مما يجعل الوصول إليها وتقييم الأضرار فيها أمراً صعباً. هذه الملاحظة تُثير تساؤلات حول مدى سيطرة القوات الإسرائيلية على المناطق التي تشتعل فيها الحرائق، وتُعقد جهود الإغاثة والتقييم. تُشير هذه الشهادات إلى أن السكان المحليين هم الأكثر تضرراً من هذه الحرائق، حيث يفقدون أراضيهم ومنازلهم ومصادر رزقهم، مما يزيد من معاناتهم الإنسانية.

بدوره، أفاد حسين فقيه، رئيس جهاز الدفاع المدني لمنطقة النبطية، بأن فرقه لاحظت منذ يوليو/تموز حرائق داخل المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية وبالقرب منها. هذا النمط المتكرر من الحرائق في مناطق التمركز العسكري يُشير إلى ارتباط مباشر بين العمليات العسكرية واندلاع النيران، مما يعزز الشكوك حول طبيعة هذه الحرائق وأسبابها.

وقال فقيه لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) إن الحرائق اندلعت بفعل "قنابل وطائرات مسيرة" إسرائيلية، وفي بعض الأحيان بسبب قذائف الفوسفور الحارقة والذخائر العنقودية. هذه الأدوات العسكرية، المعروفة بقدرتها التدميرية واسعة النطاق، تُعد عوامل رئيسية في إشعال الحرائق وانتشارها السريع في ظل الظروف الجوية المواتية. استخدام قذائف الفوسفور الحارقة والذخائر العنقودية يُثير قلقاً خاصاً بسبب آثارها المدمرة طويلة الأمد على البيئة وصحة الإنسان، حيث يمكن أن تسبب حروقاً خطيرة وتلوثاً بيئياً يستمر لسنوات.

وفي كفرشوبا، صرح رئيس البلدية قاسم القادري أن هجوماً إسرائيلياً هذا الشهر أشعل حريقاً امتد عبر منطقة واسعة تغطي "غالباً غابات". هذا النوع من الحرائق الغابوية يصعب السيطرة عليه ويُسبب دماراً بيئياً هائلاً، حيث يُدمر الغطاء النباتي ويُهدد التنوع البيولوجي في المنطقة، مما يؤدي إلى فقدان موائل الحيوانات والنباتات البرية.

وأضاف شادي عبد الله، مدير المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، أن "الحرائق كانت مقتصرة على الشريط الحدودي" خلال أعمال القتال بين عامي 2023 و2024، لكنها انتشرت على نطاق أوسع بكثير منذ تجدد الصراع هذا العام. هذا التوسع في نطاق الحرائق يُشير إلى تصعيد في طبيعة العمليات العسكرية وتأثيرها البيئي، ويُعطي مؤشراً على أن الأضرار لم تعد مجرد حوادث عرضية، بل أصبحت جزءاً من نمط أوسع. تشير هذه الشهادات الميدانية والملاحظات الرسمية إلى نمط متزايد ومنتظم من الحرائق التي تُعزى بشكل مباشر إلى العمليات العسكرية في المنطقة الحدودية، مما يُثير مخاوف جدية بشأن الأسباب والدوافع وراء هذه الحوادث المتكررة، ويدعو إلى تحقيق دولي في هذه الممارسات.

ردود فعل رسمية واتهامات متبادلة تُبرز التوتر المتصاعد

تُشير ردود الفعل الرسمية اللبنانية إلى مستوى عالٍ من القلق والغضب تجاه الأضرار البيئية والزراعية التي تتعرض لها البلاد. اتهم رئيس الوزراء نواف سلام إسرائيل باتباع "سياسة الأرض المحروقة" في الجنوب، في تصريحات تعكس التوتر المتصاعد بين الجانبين وحجم الكارثة التي تُشاهد على الأرض. تُعد "سياسة الأرض المحروقة" مصطلحاً يُستخدم لوصف استراتيجية عسكرية تُدمر فيها الأراضي والموارد بشكل منهجي لمنع العدو من الاستفادة منها، وهي تُثير قلقاً دولياً بسبب آثارها الإنسانية والبيئية. وتأتي هذه الاتهامات في سياق تقارير متزايدة عن حرائق واسعة النطاق في المناطق الحدودية اللبنانية، يُعزى سببها إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية. وتؤكد هذه التصريحات الرسمية حجم الأضرار التي تتعرض لها البيئة والبنية التحتية الزراعية في المنطقة، وتُسلط الضوء على الطبيعة المتعمدة لهذه الأضرار، مما يُشكل انتهاكاً للقوانين الدولية التي تحظر تدمير البيئة بشكل متعمد خلال النزاعات المسلحة.

من جانبها، أدانت وزيرة البيئة تمارا الزين ما وصفته بـ "الإبادة البيئية"، متهمة الجيش الإسرائيلي بـ "تعمد" حرق الأراضي اللبنانية. هذه الاتهامات المباشرة من مسؤول حكومي رفيع المستوى تُسلط الضوء على البعد البيئي الخطير للصراع وتداعياته طويلة الأمد على لبنان. تُشير الوزيرة إلى أن هذه الأعمال ليست مجرد أضرار جانبية غير مقصودة للقتال، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تستهدف البيئة الطبيعية والموارد الحيوية للبلاد. هذا التصريح يُعطي بعداً قانونياً وأخلاقياً للوضع، حيث تُعتبر "الإبادة البيئية" جريمة خطيرة تُهدد استدامة النظم البيئية والحياة البشرية، وتستدعي تدخلاً دولياً لحماية البيئة اللبنانية.

وفي سياق متصل، حذرت مجموعة "الجنوبيون الخضر" البيئية اللبنانية من أن "المحميات الطبيعية الكبرى في جنوب لبنان تعرضت أيضاً لتدمير واسع ومتكرر". وتضيف المجموعة أن هذه الهجمات لا تُهدد فقط التنوع البيولوجي الفريد في هذه المحميات، بل تُهدد أيضاً تراث لبنان الطبيعي الغني. هذا التدمير يُفاقم من الأزمات البيئية التي تواجه البلاد بشكل عام، ويُشكل تهديداً خطيراً للنظم البيئية الهشة التي تُعد موطناً للعديد من الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض. وتؤكد هذه التحذيرات على الحاجة الملحة لحماية هذه المناطق الحساسة من التدهور المستمر، وتُطالب بتحرك دولي لوقف هذه الانتهاكات البيئية التي تُلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها.

واتهم مدير المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) شادي عبد الله الجيش الإسرائيلي بـ "حرق الأراضي بشكل ممنهج" و"محاولة إنشاء منطقة عازلة خالية من المنازل والناس والبيئة الطبيعية". وتوضح هذه التصريحات، التي تعكس تحليلاً علمياً مبنياً على الملاحظات والبيانات، أن الأضرار البيئية قد تكون جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية عسكرية أوسع تهدف إلى تغيير ديموغرافية وجغرافية المنطقة الحدودية، مما يُشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية والإنسانية. هذه الاتهامات تُلقي بظلالها على الأهداف طويلة المدى للعمليات العسكرية الجارية، وتُثير تساؤلات حول مستقبل المنطقة في ظل هذه السياسات التي تهدف إلى إفراغ الأراضي من سكانها وتدمير مقومات الحياة فيها.