فريق أممي يبدأ جمع الأدلة حول انتهاكات حقوق الإنسان في لبنان

Relatives of missing victims weep, as they gather at the site of destroyed buildings that were hit in an Israeli airstrike in Qannarit village, southern Lebanon, Saturday, June 20, 2026. (AP)
الصورة: AP عبر News

بدأ فريق من محققي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة بجمع الأدلة في لبنان حول الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع منذ الثاني من مارس الماضي. يتواجد هذا الفريق حاليًا على الأرض في لبنان، حيث يعمل على جمع المعلومات والتحقق من الوقائع المتعلقة بالانتهاكات. أعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن نشر هذه البعثة في العاشر من يونيو، ومن المتوقع أن يمكث الفريق في لبنان لعدة أشهر لجمع المعلومات. تهدف البعثة إلى توثيق الانتهاكات وتقديم تقرير بشأنها إلى المجتمع الدولي، مما يمهد الطريق لعمليات المساءلة المستقبلية.

قال المفوض السامي فولكر تورك إنها "المرة الأولى التي نرسل فيها بعثة التقييم هذه، والفكرة هي بالفعل النظر في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف — انتهاكات القانون الدولي، وانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتوثيق ذلك، وفي نهاية المطاف إبلاغكم بنتائجنا". وأضاف تورك أن المساءلة "لا يمكن المبالغة في تقديرها"، داعياً إلى "إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة في الانتهاكات المزعومة". وأكد تورك على الأهمية البالغة لعمل هذه البعثة في ظل التصعيد المستمر، مشدداً على ضرورة أن يتم توثيق جميع الانتهاكات بشكل دقيق ومحايد لضمان العدالة للمتضررين. وأشار إلى أن هذه البعثة تمثل خطوة حاسمة نحو بناء سجل شامل للأحداث، والذي سيكون له دور محوري في أي جهود مستقبلية للمساءلة.

مهمة تقييم الانتهاكات الأممية وتوثيقها

تأتي هذه البعثة في إطار جهود الأمم المتحدة المستمرة لمراقبة حقوق الإنسان في مناطق النزاع وتقديم تقارير دقيقة وموثوقة للمجتمع الدولي. كان تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) قد وثّق، في أبريل الماضي، انتهاكات وقعت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من التصعيد. أشار التقرير إلى أن العمليات الإسرائيلية شملت حالات هجمات مباشرة استهدفت مدنيين، بمن فيهم أفراد الطواقم الطبية، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تحمي المدنيين والعاملين في المجال الصحي. وقد شدد التقرير على أن هذه الهجمات المباشرة على الأهداف المدنية، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، تعد خرقًا واضحًا للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي.

كما وثّق التقرير حوادث ضربات أصابت، وفي بعض الحالات سوت بالأرض، مبانٍ سكنية متعددة الطوابق، مما أدى إلى مقتل عائلات بأكملها. هذه الحوادث تسلط الضوء على الأثر المدمر للعمليات العسكرية على البنية التحتية المدنية وحياة الأبرياء. ذكر تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن مثل هذه الضربات قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، وهو ما يستدعي تحقيقاً معمقاً ومحاسبة المسؤولين. وقد أكد التقرير على ضرورة الالتزام بمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وأن أي استهداف متعمد للمدنيين أو البنية التحتية المدنية يعد جريمة حرب.

في المقابل، وثق التقرير أيضاً إطلاق حزب الله صواريخ غير موجهة على مناطق سكنية إسرائيلية، مما ألحق أضراراً بالمباني والبنية التحتية المدنية. هذه الهجمات العشوائية على المناطق المدنية تشكل أيضاً انتهاكاً للقانون الدولي، حيث تفتقر إلى التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. وتزامنت هذه التطورات مع حوادث ميدانية مأساوية، حيث قُتلت الصحفية اللبنانية أمل خليل وأصيبت المصورة زينب فرج في غارة إسرائيلية بجنوب لبنان. يُشار إلى أن هذه الحوادث تندرج ضمن نطاق الانتهاكات التي يسعى الفريق الأممي لجمع أدلة حولها لتقديم تقرير شامل للمجتمع الدولي، بهدف تسليط الضوء على جميع جوانب النزاع وتأثيره على حقوق الإنسان. هذا التوثيق المزدوج للانتهاكات من قبل جميع الأطراف يعكس التزام مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالحيادية والموضوعية في رصد وتوثيق الانتهاكات.

تداعيات النزاع على المدنيين والبنية التحتية والمرافق الصحية

تتجاوز تداعيات النزاع مجرد الخسائر البشرية، لتشمل تدميراً واسع النطاق للبنية التحتية وتأثيراً سلبياً عميقاً على الخدمات الأساسية، لا سيما الرعاية الصحية. سجلت وزارة الصحة العامة اللبنانية مقتل 3,798 شخصًا على الأقل وإصابة 11,781 آخرين منذ الثاني من مارس الماضي في سياق النزاع الدائر. هذه الأرقام المفزعة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان المدنيون في لبنان نتيجة للأعمال العدائية المستمرة، وتشير إلى الحاجة الملحة لإنهاء العنف وحماية الأرواح. وتؤكد هذه الإحصائيات على الأثر المباشر والمدمر للنزاع على حياة المدنيين، مما يستدعي تدخلاً دوليًا عاجلاً لوقف التصعيد وضمان حماية السكان.

كما وثق نظام مراقبة تابع لمنظمة الصحة العالمية وقوع ما لا يقل عن 203 هجمات أثرت على مرافق الرعاية الصحية في لبنان منذ الثاني من مارس. وقد أدت هذه الهجمات إلى تدهور كبير في قدرة القطاع الصحي على تقديم الخدمات الأساسية للمتضررين، مما يعرض حياة الآلاف للخطر، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً. هذه الاعتداءات على المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي الذي يحمي المرافق الطبية والعاملين فيها. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن استهداف المرافق الصحية يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويجب على جميع الأطراف احترام وحماية الطواقم الطبية والمرافق الصحية في جميع الأوقات.

تسببت الهجمات على الرعاية الصحية في لبنان، منذ الثاني من مارس، في مقتل 135 عاملًا طبيًا وإصابة 394 آخرين أثناء أدائهم لمهامهم. هذه الحصيلة المرتفعة تبرز المخاطر الجسيمة التي يواجهها العاملون في المجال الطبي أثناء محاولتهم إنقاذ الأرواح وتقديم الرعاية للمحتاجين في مناطق النزاع، مما يستدعي توفير حماية عاجلة لهم. ويؤكد هذا الواقع على الضرورة القصوى لاحترام مبدأ الحياد الطبي وعدم استهداف الكوادر الطبية والمرافق الصحية. هذه الأرقام تسلط الضوء على التضحيات الجسيمة التي يقدمها العاملون في المجال الطبي، الذين يصبحون هم أنفسهم ضحايا للنزاع أثناء محاولتهم أداء واجبهم الإنساني.

في ذروة التصعيد، نزح أكثر من مليون شخص في جميع أنحاء البلاد، مما يعكس الأثر الواسع للنزاع على السكان المدنيين والبنية التحتية الأساسية. وقد أدت هذه الأعداد الكبيرة من النازحين إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وزيادة الضغط على الموارد المتاحة في مناطق الاستضافة، مما يخلق تحديات هائلة أمام المنظمات الإغاثية والحكومة اللبنانية. يعاني النازحون من ظروف معيشية صعبة، ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة في مجالات الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والتعليم. وتؤكد التقارير الإنسانية أن تزايد أعداد النازحين يضع عبئاً هائلاً على المجتمعات المضيفة، ويستدعي استجابة إنسانية دولية منسقة لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

دور الأمم المتحدة والمسؤولية المستقبلية في لبنان

جاءت هذه البعثة عقب اتفاق مسبق بين مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والحكومة اللبنانية، مما مهد الطريق أمام فريق المحققين لدخول البلاد والبدء في عمله. وقد منحت بيروت الضمانات اللازمة لنشر البعثة، مما سمح للمحققين بالعمل بحرية في جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات في مختلف المناطق المتضررة. ومن المتوقع أن تسعى البعثة للوصول إلى المناطق المتضررة من الأعمال العدائية على جانبي الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بهدف جمع معلومات شاملة وغير منحازة حول الأحداث التي وقعت، وتقديم صورة كاملة للوضع على الأرض. هذا الوصول الشامل يضمن أن التقرير النهائي سيكون مستنداً إلى مجموعة واسعة من الأدلة والشهادات، مما يعزز مصداقيته وشموليته.

أشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن محققي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة لن يلاحقوا ملاحقات قضائية بشكل مباشر. وأوضح المكتب أن مهمته تتركز على إجراء تحقيقات في قضايا حقوق الإنسان، وليس تحقيقات جنائية، مما يميز دورها عن الهيئات القضائية. وتهدف البعثة إلى توثيق الحقائق وتقديم صورة واضحة ومفصلة للانتهاكات المرتكبة، لتكون بمثابة أساس لأي إجراءات مستقبلية. هذا التمييز في الأدوار يضمن أن البعثة تركز على جمع الأدلة وتوثيقها بشكل منهجي، دون الدخول في صلاحيات السلطات القضائية الوطنية أو الدولية، مع التركيز على الجانب الحقوقي للنزاع.

كما أكد المكتب أن المعلومات التي يتم جمعها سيتم حفظها بعناية لاستخدامها في عمليات المساءلة المستقبلية. ويعد هذا التوثيق خطوة أساسية نحو ضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، وتوفير قاعدة بيانات موثوقة لأي إجراءات قانونية أو تحقيقية قد تتخذ لاحقاً. هذه الخطوة تبرز أهمية عمل البعثة في بناء أساس قوي للمساءلة، حتى لو لم تكن مهمتها الحالية هي الملاحقة القضائية المباشرة. ويُتوقع أن يسهم هذا النهج في ردع الانتهاكات المستقبلية وتعزيز احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي في المنطقة، من خلال إرسال رسالة واضحة بأن الانتهاكات لن تمر دون توثيق ومحاسبة محتملة في المستقبل. هذا الالتزام بحفظ الأدلة يؤكد على أن عمل البعثة يتجاوز مجرد التوثيق الفوري، ليشكل جزءًا من جهد أوسع لضمان العدالة على المدى الطويل.