فرنسا تبحث عن بديل لقوات حفظ السلام الأممية في جنوب لبنان

French envoy Jean-Yves Le Drian was in Beirut following the ceasefire. Reuters
الصورة: Reuters عبر News

تدرس فرنسا بدائل لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، وذلك مع استعدادها لمساعدة لبنان أمنياً في المنطقة بعد الانسحاب المخطط لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) بنهاية العام الجاري، بحسب تقارير. وتؤكد المصادر أن فرنسا تدرس بدائل لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، وقد لا تشمل هذه البدائل الأمم المتحدة في آلية الأمن المستقبلية. تأتي هذه الخطوة الفرنسية في ظل سعي باريس الحثيث لتقديم الدعم الأمني للبنان في الجنوب، خاصة بعد انتهاء ولاية اليونيفيل. يأتي هذا في وقت حث فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أعضاء مجلس الأمن على الإبقاء على وجود موحد للأمم المتحدة في لبنان بعد انتهاء ولاية اليونيفيل. وقد قام غوتيريش بتقديم مقترحات محددة لمستقبل الوجود الأممي في المنطقة، مشدداً على ضرورة استمرار الدور الأممي في حفظ الأمن والاستقرار.

ولم يتوقف القتال في جنوب لبنان على الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار، حيث واصل حزب الله إطلاق الصواريخ وهجمات الطائرات المسيرة. بدأت أحدث جولات التصعيد في 2 مارس/آذار، عندما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل دعماً لإيران، بعد يومين من بدء القوات الإسرائيلية والأمريكية ضرب أهداف إيرانية. ردت إسرائيل على ذلك بشن هجوم بري على جنوب لبنان، مدعومًا بغارات جوية مكثفة. وقد استمر القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان بشكل متواصل. هذا الاستمرار في الأعمال العدائية يعكس تحدياً كبيراً لجهود التهدئة ووقف التصعيد في المنطقة، ويؤكد على الحاجة الملحة لإيجاد حلول أمنية مستدامة.

وفي هذا السياق، أفاد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بأن "فرنسا مستعدة" لتقديم المساعدة. كما أشار رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، يوم الخميس إلى أن الجيش سيبدأ التحرك نحو "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان. ووصفت هذه المناطق بأنها "خطوة مهمة إلى الأمام" تسمح بالانسحاب الإسرائيلي ونشر القوات المسلحة اللبنانية "بطريقة ذكية ومتدرجة"، على الرغم من عدم إصدار خريطة رسمية لحدودها الدقيقة. ووصف حزب الله هذه الخطوة بأنها "وهمية"، مما يعكس الانقسام حول سبل تحقيق الأمن في المنطقة.

مقترحات بديلة لإنهاء النزاع وآلية الأمن المستقبلية

من المحتمل أن لا تشمل هذه البدائل الأمم المتحدة في آلية الأمن المستقبلية، كما ذكرت مصادر مطلعة. وقد تشارك دول أوروبية أخرى، بما في ذلك إيطاليا وإسبانيا، في هذه الآلية الأمنية المقترحة. سيعتمد الهيكل النهائي لهذه الآلية على احتياجات لبنان، حسبما أفادت المصادر، مما يؤكد على أهمية تلبية المتطلبات المحلية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وتدعم فرنسا عملية واشنطن التي سعت إلى التوصل لوقف إطلاق النار، معتبرة إياها خطوة أساسية نحو استقرار المنطقة.

جاءت زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت بعد يومين من الإعلان عن وقف إطلاق نار رابع. تبع وقف إطلاق النار هذا محادثات جرت في واشنطن بين لبنان وإسرائيل. يتطلب وقف إطلاق النار "وقفاً كاملاً" للأعمال العدائية من جانب حزب الله، وهو شرط أساسي لعودة الهدوء إلى المنطقة. ومع ذلك، رفض حزب الله وقف إطلاق النار واصفاً إياه بأنه "وهمي"، مما يشير إلى استمرار التوتر وعدم وجود توافق تام حول آليات التهدئة. كما رفضت إيران، الداعم الرئيسي لحزب الله، الإعلان الصادر من واشنطن، مؤكدة على موقفها الرافض لأي اتفاق لا يراعي مصالحها.

صرحت إيران بأن على إسرائيل الانسحاب من مواقعها الحالية في لبنان والعودة إلى الخطوط التي كانت قائمة قبل بدء الحرب. وفي تصريحات سابقة، قال لودريان إن "فرنسا مستعدة" للمساعدة. وأضاف: "جميع شركائنا قلقون بشأن الفراغ الأمني. [...] لكن اليوم أكرر بوضوح شديد: فرنسا مستعدة". وأشار إلى أن الولايات المتحدة لديها القدرة على "جمع" البلدين معاً، مما يبرز دور واشنطن المحوري في تسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة.

رأى لودريان أن المحادثات المباشرة منعت لبنان من أن يصبح "ضحية" للمفاوضات التي لم يكن له مقعد فيها، مؤكداً على أهمية مشاركة لبنان في أي مفاوضات تخص مستقبله. ودان لودريان "بشدة" ما أسماه "الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق" بموجب القانون الدولي، مشدداً على ضرورة احترام السيادة اللبنانية. كما أدان "بحزم شديد أفعال حزب الله منذ 2 مارس/آذار"، في إشارة واضحة إلى تصعيد الحزب للتوترات. وأكد أن "فرنسا أدانت بشدة سلوك إسرائيل"، مما يعكس الموقف الفرنسي المتوازن تجاه الأطراف المتنازعة. سعت إيران إلى ربط مستقبل لبنان بمستقبلها، مشيرة إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان هو شرط مسبق لأي اتفاق أوسع مع الولايات المتحدة لإنهاء الأعمال العدائية الإقليمية، مما يربط مصير لبنان بالديناميكيات الإقليمية الأوسع.

خلفية التصعيد الأخير والوضع الميداني المتدهور

يستمر القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، فبينما أفادت تقارير بأن إسرائيل واصلت قصفها للمنطقة، أصدرت السلطات الإسرائيلية يوم الجمعة أوامر إخلاء قسري لسكان ثماني قرى على الأقل تقع في قضاء صيدا. وتُشير إدعاءات إلى أن القوات الإسرائيلية لا تزال تتمركز داخل الخط الأصفر، وهي منطقة تضم عشرات القرى التي أصبحت الآن تحت الاحتلال، مما يثير مخاوف بشأن السيادة اللبنانية وحقوق السكان. وفي هذا السياق، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، يوم الخميس بأن الجيش سيواصل عملياته في لبنان ولن ينسحب "في الوقت الحالي"، مما يؤكد على استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة المتنازع عليها.

وفي المقابل، أدانت فرنسا "بشدة" ما وصفته بـ"الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق" بموجب القانون الدولي، مؤكدة على التزامها بالمبادئ القانونية الدولية. كما أدانت باريس "بشدة" أفعال حزب الله منذ الثاني من مارس/آذار، في موقف يعكس رفضها للتصعيد من جميع الأطراف. وقد تدهور الوضع في لبنان بشكل كبير منذ مارس/آذار، حيث أسفرت الحملة العسكرية عن مقتل أكثر من 3500 شخص. كما أفادت السلطات اللبنانية بأن الحملة أدت إلى إصابة ما يقرب من 10 آلاف شخص، ونزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم. هذه الأرقام تعكس حجم الأزمة الإنسانية والأمنية التي تواجهها البلاد، وتبرز الحاجة الملحة للتدخل الدولي والإغاثة العاجلة.

خيارات الأمم المتحدة لبديل يونيفيل

طرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ثلاثة خيارات لاستبدال القوة الحالية البالغ قوامها 7500 فرد. تتراوح هذه المقترحات من وجود مراقبة خفيف يبلغ حوالي 1980 فرداً إلى قوة أكثر قوة تصل إلى 5525 فرداً تتمتع بقدرات أوسع للمراقبة وتهدئة التوترات. هذه الخيارات تعكس محاولة الأمم المتحدة للتكيف مع الظروف المتغيرة في المنطقة وتقديم حلول مرنة لمواجهة التحديات الأمنية.

يتضمن الخيار الأول الذي طرحه الأمين العام للأمم المتحدة 350 مراقباً عسكرياً غير مسلحين، مدعومين بأربع كتائب مشاة تضم 750 جندياً لكل منها، وقوة احتياطية قوامها 700 فرد للحماية. يوفر هذا الخيار الأول أقوى قدرة للمراقبة، مما يسمح بالمراقبة على طول الخط الأزرق بالكامل وحتى نهر الليطاني. هذه القدرات الموسعة تهدف إلى توفير تغطية شاملة للمنطقة الحساسة وضمان رصد دقيق لأي تحركات أو انتهاكات، مما يجعله الخيار الأكثر شمولاً من حيث التغطية الجغرافية والقدرة على جمع المعلومات.

بموجب الخيار الثاني، ستركز المهمة على المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، مع مراقبة أجزاء من الحدود عبر نقاط المراقبة والدوريات. هذا الخيار يمثل حلاً وسطاً بين المراقبة الشاملة والوجود الخفيف، ويسعى إلى تحقيق توازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات الأمنية للمنطقة، مع التركيز على النقاط الأكثر حساسية.

أما الخيار الثالث فيقضي بأن تراقب القوة التطورات على طول الخط الأزرق وعدة كيلومترات شماله من خلال مواقع ثابتة ودوريات متحركة. ومع ذلك، لن يتمكن هذا الخيار الثالث من مراقبة الخط الأزرق بأكمله بشكل مستمر بدون دعم تكنولوجي إضافي. كما ستفتقر القوة، بموجب الخيار الثالث، إلى القدرة على التمركز بين القوات الإسرائيلية واللبنانية للمساعدة في تهدئة التوترات، ولن تكون لديها سوى قدرة محدودة على الإبلاغ عن انتهاكات وقف إطلاق النار. هذا الخيار يعتبر الأقل فعالية من حيث القدرة على التدخل ومنع التصعيد، وقد لا يوفر الضمانات الأمنية الكافية في بيئة متوترة.

متطلبات أي قوة مستقبلية لضمان الفعالية

تتطلب أي مهمة مستقبلية لقوة حفظ السلام في جنوب لبنان توفير أصول جوية لعمليات الإجلاء الطبي، بالإضافة إلى قدرات هندسية وإزالة الألغام، وفقاً لتقارير. ومن شأن هذه الإمكانات أن تضمن استجابة فعالة للاحتياجات التشغيلية والطارئة للقوة، خاصة في بيئة معقدة وغير مستقرة. تعد القدرة على التعامل مع الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب أمراً حيوياً لسلامة القوات المحلية والدولية والسكان المدنيين على حد سواء، مما يقلل من المخاطر ويساهم في استعادة الحياة الطبيعية.

كما أن استخدام أنظمة الرادار والمروحيات والطائرات بدون طيار وصور الأقمار الصناعية سيعزز بشكل كبير قدرات المراقبة للمهمة، مما يسمح بمراقبة أكثر شمولاً ودقة للمنطقة. هذه التقنيات ضرورية لتحقيق فعالية أي قوة أمنية بديلة مقترحة، حيث توفر رؤية شاملة للوضع الميداني وتساعد في الكشف عن أي تهديدات محتملة أو انتهاكات لوقف إطلاق النار. إن دمج هذه التقنيات الحديثة يضمن أن تكون القوة قادرة على أداء مهامها بفعالية وكفاءة عالية في ظل التحديات الأمنية الراهنة، مما يعزز من قدرتها على حفظ السلام والاستقرار في جنوب لبنان.