يكشف هذا المقال عن صمود السكان في جنوب لبنان ورفضهم مغادرة أراضيهم، في ظل تصعيد إسرائيل لحملتها التي تهدف إلى التدمير والتطهير العرقي والاحتلال الدائم للمنطقة. ويستعرض التقرير رحلة عبر هذه المناطق، مسلطاً الضوء على التحديات التي يواجهها السكان الأبية في مواجهة هذا العدوان المتواصل. هذه الرحلة، التي قام بها فريق "ذي كرادل" (The Cradle)، كشفت عن إرادة لا تلين لدى الأهالي للبقاء في ديارهم، رغم وحشية الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية والمدنيين على حد سواء. تشير هذه الرحلة الاستقصائية إلى أن السكان لا يزالون يرفضون التخلي عن أراضيهم، مؤكدين تمسكهم بها في وجه حملة إسرائيل المكثفة التي تستهدف التدمير والتطهير العرقي والاحتلال الدائم للمنطقة.
وفي هذا السياق، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل مواقع على التلال المطلة على النبطية، مما يشكل تهديداً مستمراً للمدينة وسكانها. وقد وصفت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية القصف الذي وقع ليلة أمس بأنه "الأكثر شدة في الحرب"، مما يشير إلى تصاعد كبير وغير مسبوق في العمليات العسكرية التي تستهدف الجنوب اللبناني. هذا التصعيد يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إحداث دمار واسع النطاق، في محاولة لكسر إرادة الصمود لدى السكان.
مسرح العمليات في النبطية والمناطق المحيطة
في التاسع عشر من يونيو/حزيران، نصب مقاتلو حزب الله كميناً محكماً لقوات إسرائيلية متوغلة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وهي منطقة ذات أهمية عسكرية كبيرة. استخدم المقاتلون في هذا الكمين صواريخ موجهة عالية الدقة، بالإضافة إلى نيران الصواريخ والمدفعية المكثفة، مما أدى إلى تدمير ثلاث دبابات ميركافا إسرائيلية بالكامل. في أعقاب هذا الهجوم النوعي، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية مقتل أربعة من أفراد طاقم دبابة، من بينهم قائد كتيبة، جراء صاروخ مضاد للدروع أو طائرة مسيرة تابعة لحزب الله، مما يؤكد فعالية الهجوم ودقته.
لم يتأخر الرد الإسرائيلي على هذا الهجوم، حيث جاء بموجة جديدة وعنيفة من الغارات الجوية، شملت 25 غارة جوية على بلدات محيطة بالنبطية. أسفرت هذه الغارات عن سقوط عدد كبير من الضحايا، حيث قتل 47 شخصاً في ليلة واحدة في جميع أنحاء جنوب لبنان، مما يعكس حجم الدمار والخسائر البشرية التي تسببت بها هذه الهجمات الانتقامية. من بين هذه الاستهدافات المروعة، دمرت غارة إسرائيلية منزلاً في قرية قرب النبطية تدميراً كاملاً، مما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص، بينهم شابتان وثلاث فتيات صغيرات، في مشهد يعكس استهداف المدنيين الأبرياء.
كما أدت عمليات القصف الإسرائيلية المتواصلة إلى مقتل سبعة أشخاص في قرية حبوش، التي تعرضت أيضاً لضربات عنيفة. وفي قرية الدوير، سقط ستة قتلى جراء القصف الإسرائيلي، من بينهم طفل، مما يضيف إلى قائمة الضحايا الأبرياء الذين يدفعون ثمن التصعيد العسكري. خلال هذه الأحداث المأساوية، أقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يستخدم مستويات صادمة من العنف في لبنان، معلقاً بلهجة استنكار: "ليس عليك أن تهدم شقة في كل مرة تبحث فيها عن شخص ما." هذه التصريحات، رغم أنها جاءت من حليف رئيسي لإسرائيل، إلا أنها تسلط الضوء على وحشية الحملة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.
دمار هائل في قناريت وشهداء مدنيون
في العشرين من يونيو/حزيران، شنت إسرائيل غارة جوية مدمرة على بلدة قناريت، الواقعة على أطراف مدينة صيدا الساحلية (Saida). أسقطت القوات الإسرائيلية قنبلة ضخمة على مبنى سكني في قناريت، مما أدى إلى تدميره بالكامل. وقد زعمت وسائل إعلام إسرائيلية أن قائداً في حزب الله كان مستهدفاً في قناريت، في محاولة لتبرير هذا الهجوم الواسع النطاق على منطقة سكنية. أسفر الانفجار الهائل في قناريت عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، وفقاً لحصيلة أولية، لكن الأرقام ارتفعت مع استمرار عمليات الإنقاذ. ذكر عامل في الدفاع المدني أن عدد القتلى في قناريت قد وصل إلى 17 شخصاً، من بينهم عدة أطفال، مما يؤكد أن الغارة لم تفرق بين المقاتلين والمدنيين الأبرياء.
لقد كان حجم الدمار في قناريت هائلاً، حيث حلّت مكان المبنى السكني المستهدف حفرة عملاقة بعمق حوالي 20 قدماً (7 أمتار) وعرض 30 قدماً (9 أمتار)، مما يدل على قوة الانفجار والتدمير الذي تسببت به القنبلة. تُعرف إسرائيل باستخدامها قنابل MK-84 أمريكية الصنع التي يبلغ وزنها 2,000 رطل (907 كيلوغرامات) في لبنان، وهي قنابل ذات قدرة تدميرية هائلة، وتعتبر أسلحة ثقيلة لا تتناسب مع استهداف مناطق سكنية مكتظة. استخدام هذه القنابل في مناطق مدنية يثير تساؤلات جدية حول التزام إسرائيل بالقانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين في مناطق النزاع.
تضحيات رجال الإسعاف والدفاع المدني
وصل فريق "ذي كرادل" (The Cradle) إلى مدينة النبطية اللبنانية بعد ظهر يوم الثامن عشر من يونيو/حزيران، وذلك في خضم تصاعد الأعمال العدائية في المنطقة، حيث كانت المدينة ومحيطها تشهد قصفاً عنيفاً. وقد شهدت النبطية والمناطق المحيطة بها سقوط ضحايا من العاملين في فرق الإسعاف والدفاع المدني، الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا. ففي الرابع والعشرين من مارس/آذار، قتل جود سليمان، عضو جهاز إسعاف النبطية، جراء غارة بطائرة مسيرة إسرائيلية استهدفته بشكل مباشر أثناء قيامه بواجبه الإنساني. كان سليمان يبلغ من العمر ستة عشر عاماً وقت مقتله، وهو ما يمثل خسارة فادحة للمجتمع ولفرق الإسعاف. وفي الحادثة ذاتها، قتل علي جابر، البالغ من العمر 23 عاماً، إلى جانب جود سليمان، مما يبرز الخطر الذي يواجهه المسعفون في هذه المناطق.
وشملت الخسائر أيضاً مهدي أبو زيد، البالغ من العمر 31 عاماً، الذي كان ضمن ثلاثة من المستجيبين الأوائل الذين قتلوا على يد إسرائيل في غارة "رباعية" (quadruple tap) استهدفت بلدة ميفادون المجاورة في الخامس عشر من أبريل/نيسان. هذا النوع من الغارات، الذي يتضمن استهداف الموقع عدة مرات بعد الضربة الأولى، يهدف إلى إيقاع أكبر عدد من الضحايا، بمن فيهم فرق الإنقاذ. كما قتل فاضل سرحان، البالغ من العمر 43 عاماً، والتابع لجمعية كشافة الرسالة، في الغارة ذاتها التي استهدفت ميفادون، مما يؤكد أن العاملين في المجال الإنساني والدفاع المدني أصبحوا أهدافاً مباشرة في هذا الصراع. هذه التضحيات الجسيمة تسلط الضوء على البطولة والتفاني الذي يبديه هؤلاء الأفراد في ظل الظروف القاسية والمحفوفة بالمخاطر.
إرادة الصمود والمقاومة الشعبية
استُهدف مركز مدينة النبطية، الذي يضم سوق المدينة التاريخي، ودُمر في الحرب الأخيرة عام 2024، ثم أُعيد بناؤه بجهود مضنية من الأهالي والسلطات المحلية، ليُضرب ويُدمر مرة أخرى بعد استئناف الحرب في أوائل مارس/آذار. هذا التدمير المتكرر للمراكز الحيوية في المدينة يعكس استراتيجية إسرائيلية لكسر الروح المعنوية للسكان وتهجيرهم من أراضيهم، لكنه في المقابل يزيد من إصرارهم على الصمود والبقاء.
في سياق متصل، قُتل أربعة مقاتلين من حزب الله، وهم بلال محمود عطوي، وأمين حسن حرب، ومحمد باقر حسين حرب، وحسن نزيه أيوب، خلال معارك ضارية مع القوات الإسرائيلية المتوغلة في جنوب لبنان. تأتي هذه الأحداث في ظل استمرار المواجهات العسكرية على الحدود، حيث يواصل مقاتلو المقاومة تصديهم للتوغلات والاعتداءات الإسرائيلية. هذه التضحيات، سواء من المدنيين أو المقاتلين، تعكس إرادة صلبة في وجه العدوان، وتؤكد على رفض السكان التخلي عن أراضيهم، مهما بلغت التحديات ومهما كانت التكلفة. الجنوب اللبناني يظل رمزاً للصمود في وجه حملة التدمير والتطهير العرقي والاحتلال الدائم التي تشنها إسرائيل.