تحديات عودة العائلات إلى جنوب لبنان في ظل الأوضاع الراهنة

أجرى المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا (Imran Riza) خمس مشاورات مع السلطات المحلية في جنوب لبنان بين 27 يوليو و4 سبتمبر 2026. وتهدف هذه اللقاءات إلى تقييم احتياجات العائلات العائدة وتحديد التدخلات العاجلة بالتنسيق مع الحكومة والشركاء.

وأكد عمران ريزا أن الغاية من هذه الزيارات هي الاستماع المباشر للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن "القيمة لا تكمن في توثيق الاحتياجات فحسب، بل في ربط الأولويات المحددة محلياً بالجهات القادرة على معالجتها، فلا يمكننا الحديث عن التعافي بينما تفتقر المجتمعات إلى المياه". وأضاف: "عند الجلوس مع رؤساء البلديات، تصبح الأولويات ملموسة كالمولدات والوقود وإصلاح المدارس، وهي تدخلات صغيرة تفتح أبواب الخدمات الأساسية للعائدين".

واقع العودة في القرى الجنوبية

في زوطر الغربية، عاد نحو 90 عائلة من أصل 500 عائلة إلى منازلهم. وفي المقابل، لا تزال 6500 عائلة نازحة غير قادرة على العودة إلى 12 قرية تقع داخل المنطقة العسكرية التي أعلنتها القوات الإسرائيلية في جبل عامل.

وتتفاقم الضغوط على العائلات التي لا تزال في مراكز الإيواء، حيث قال رئيس بلدية كفر تبنيت: "العائلات التي تعيش في الملاجئ يُقال لها كل يوم إنها قد تضطر للمغادرة في اليوم التالي. أين يُفترض بهم أن يذهبوا؟ إلى الشوارع؟ الناس يصارعون لدفع الإيجار. لا أعرف كم من الوقت يمكنهم الاستمرار". تعكس هذه التصريحات حجم التحديات التي يواجهها النازحون في ظل انعدام الخيارات البديلة وصعوبة تأمين المتطلبات المعيشية الأساسية خارج قراهم الأصلية.

انهيار الخدمات التعليمية والزراعية

تتفاقم الأزمات الخدمية في منطقة جبل عامل، حيث تشير التقارير الميدانية إلى تدمير أو تضرر 19 مدرسة من أصل 25 مدرسة بشكل كلي أو جزئي. يعيق هذا الواقع عودة العائلات التي تعتمد على توفر البنية التحتية التعليمية لاستئناف حياتها اليومية في قراها الأصلية، مما يفرض تحديات إضافية على الأسر التي تحاول الاستقرار مجدداً.

وفي بلدة برعشيت (Baraachite)، تسببت التوترات الأخيرة في أضرار جسيمة للقطاع الزراعي، حيث قدّر ممثلون محليون تضرر ما بين 80 إلى 90 في المئة من هذا القطاع. تعتمد شريحة واسعة من سكان المنطقة على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، ويشكل هذا التراجع في الإنتاج الزراعي عائقاً اقتصادياً مباشراً أمام العائدين، إذ فقدت القرى قدرتها على توفير الحد الأدنى من مقومات الاكتفاء الذاتي التي كانت تعتمد عليها قبل اندلاع النزاع.

وتتعقد جهود الإغاثة والتقييم في ظل الصعوبات اللوجستية، حيث سجلت إخطارات الوصول الإنساني للمناطق التي يصعب الوصول إليها ردوداً سلبية بلغت 60 في المئة خلال أغسطس 2026. تمنع هذه القيود وصول المساعدات الضرورية والفرق الفنية اللازمة لتقييم الاحتياجات العاجلة في القرى الأكثر تضرراً، مما يقلص من فعالية التدخلات الإنسانية المطلوبة لدعم الأهالي العائدين أو الراغبين في العودة.

وضمن إطار محاولة تنسيق الجهود لمواجهة هذه التحديات، شارك أكثر من 40 رئيس بلدية وخمسة رؤساء اتحادات بلديات في المشاورات التي أجرتها الأمم المتحدة. سعت هذه اللقاءات إلى صياغة رؤية مشتركة حول الأولويات الإنمائية والخدمية الملحة، وذلك في محاولة لربط الموارد المتاحة بالاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية في القرى المتضررة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية التي تآكلت بفعل الأوضاع الراهنة.