وافقت إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار في التاسع عشر من أبريل الماضي، وذلك في سياق تدمير واسع النطاق للتراث الثقافي في جنوب لبنان، ضمن ما تصفه إسرائيل بمنطقة دفاعية جديدة. تشمل هذه المنطقة الاستراتيجية 55 قرية لبنانية، حيث تقوم قوات الجيش الإسرائيلي بعمليات هدم واسعة النطاق باستخدام الجرافات والمتفجرات، وفقًا لتقارير متعددة. تثير هذه الأعمال مخاوف عميقة بشأن الآثار طويلة الأمد على المواقع التراثية والتاريخية في المنطقة، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية اللبنانية، مما يهدد بمحو معالم حضارية تعود لقرون.
تدمير ممنهج لمواقع دينية وتاريخية
في قلب هذه العمليات، دُمر دير ومدرسة تديرهما راهبات المخلص (Salvatorian Sisters) في قرية يارون بالكامل بواسطة الجرافات في الأول من مايو. في هذا الصدد، أقرت إسرائيل بأنها "ألحقت أضراراً" بمبنى داخل مجمع الدير، لكنها ذكرت أن المبنى "لم تكن عليه أي علامات خارجية تشير إلى أنه مبنى ديني"، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير التقييم التي تعتمدها القوات الإسرائيلية في تحديد طبيعة المباني، خاصة وأن الدير يُعد مركزاً دينياً وتعليمياً بارزاً في المنطقة. هذا التدمير المباشر لموقع ديني أثار استنكاراً واسعاً، مؤكداً على الطبيعة الحساسة للعمليات العسكرية في مناطق ذات قيمة ثقافية وتاريخية عالية.
لم تكن حادثة دير يارون هي الوحيدة في القرية؛ فقد تعرضت كنيسة القديس جرجس التاريخية، التي بنيت في القرن التاسع عشر وتُعد معلمًا معماريًا ودينيًا بارزًا، لأضرار جسيمة خلال الضربات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة في أكتوبر 2023. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث تضررت كنيسة القديس جرجس مرة أخرى بشكل كبير في خريف عام 2024، مما يبرز حجم الاستهداف المتكرر للمواقع الدينية في المنطقة. هذه الكنيسة، التي تمثل رمزاً للتاريخ المسيحي في جنوب لبنان، تحمل قيمة معمارية فريدة تعكس الفنون والتقنيات المعمارية لتلك الفترة، وتدميرها يمثل خسارة لا تقدر بثمن للتراث الثقافي اللبناني.
تجاوز الدمار المواقع المسيحية ليشمل المواقع الإسلامية أيضاً؛ ففي نفس القرية، دُمر مسجد الإمام علي الرئيسي، الذي يعود تاريخه أيضاً إلى القرن التاسع عشر ويُعد مركزاً للعبادة والتجمع المجتمعي، بالكامل خلال هجوم بري إسرائيلي في أكتوبر 2024. هذه الخسارة تمثل ضربة قوية للتراث الإسلامي في يارون، حيث كان المسجد يخدم كمركز حيوي للأنشطة الدينية والاجتماعية لسكان القرية، ويحمل قيمة تاريخية ومعمارية تعكس تطور العمارة الإسلامية في المنطقة. تدمير هذا المسجد يمحو جزءاً مهماً من الذاكرة الجماعية لأهل يارون ويؤثر على نسيجهم الاجتماعي والثقافي.
في قرية شمعا المجاورة، تعرض مقام شمعون الصفا، وهو موقع تاريخي وديني يعود تاريخ بنائه إلى عام 1097، لأضرار بالغة خلال هجوم بري إسرائيلي وقع في نوفمبر 2024. وقد أظهرت التقارير تفاصيل مقلقة حول طبيعة هذا الهجوم، حيث ذكرت أن القوات الإسرائيلية قامت بوضع متفجرات داخل مقام شمعون الصفا وقامت بتفجيرها، مدعية أنها كانت تستهدف بنية تحتية لحزب الله. هذا الادعاء يثير تساؤلات جدية حول مدى ضرورة استخدام المتفجرات داخل موقع تاريخي بهذا القدم والأهمية، وحول ما إذا كانت هناك بدائل أقل تدميراً كان يمكن اتباعها. المقام، الذي يمثل إرثاً معمارياً ودينياً يعود لأكثر من تسعة قرون، كان شاهداً على حقب تاريخية متعددة ويُعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمنطقة.
تأكد حجم الدمار اللاحق بمقام شمعون الصفا من خلال صور الأقمار الصناعية التي تم الحصول عليها في الثالث عشر من أبريل 2026، والتي أظهرت بوضوح أن المقام قد سوي بالأرض بالكامل، مما يمحو معلمًا تاريخيًا ودينيًا من الخريطة. وفي سياق متصل، دُمر مسجد تاريخي آخر في القنطرة خلال عمليات عسكرية وقعت بعد الرابع من مايو. يعتقد أن مسجد القنطرة قد بني خلال القرن الرابع عشر، مما يجعله موقعاً ذا أهمية تاريخية بارزة تعكس حقبًا طويلة من الحضارة في المنطقة، وقد أدى تدميره إلى خسارة لا تعوض للتراث الثقافي اللبناني. هذا المسجد، الذي صمد لقرون طويلة، كان يمثل شهادة حية على التراث المعماري الإسلامي في جنوب لبنان، وتدميره يمثل خسارة ثقافية فادحة.
تأتي هذه التطورات ضمن عمليات واسعة النطاق في جنوب لبنان، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عمليات الهدم في إطار ما تصفه بمنطقة دفاعية جديدة. هذه العمليات أثارت مخاوف متزايدة لدى المنظمات الدولية والمحلية بشأن مصير المواقع التراثية والدينية في المنطقة. التدمير الممنهج لهذه المواقع له آثار عميقة على النسيج الثقافي والتاريخي للمجتمعات المحلية في جنوب لبنان، ويهدد بمحو جزء كبير من ذاكرتها الجماعية وهويتها.
شهادات موثقة وتأثير على الهوية
منعت قوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) المدنيين اللبنانيين من دخول هذه المنطقة التي تم تحديدها كـ"منطقة دفاعية متقدمة"، ما أثار مخاوف جدية بشأن إمكانية الوصول إلى المواقع المتضررة وتقييم حجم الدمار بشكل مستقل. هذا الحظر يعيق جهود التوثيق والإنقاذ ويخفي حجم الكارثة الثقافية التي تتعرض لها المنطقة، مما يزيد من صعوبة تقييم الأضرار الحقيقية وتوثيقها بشكل كامل.
في هذا السياق، تقوم المنظمة اللبنانية غير الحكومية "الجنوبيون الخضر" (Green Southerners) بدور حيوي في توثيق هذه الأحداث. تنشر المنظمة باستمرار صورًا توثق تدمير العديد من المباني الدينية والمواقع التاريخية ومواقع التراث الثقافي في المنطقة. تهدف هذه الجهود إلى تسليط الضوء على الأضرار الجسيمة التي لحقت بالممتلكات الثقافية في جنوب لبنان، وتقديم أدلة ملموسة على حجم الدمار، وتوفير سجل مرئي للخسائر التي لا يمكن تعويضها.
كشف تحقيق معمق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ونشر في السادس عشر من أبريل 2026، عن حجم الدمار الذي لحق ببلدة الطيبة (Al-Taybeh). أظهرت مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية، تم تحليلها ضمن هذا التحقيق، دماراً واسع النطاق للمباني التاريخية والمنازل في البلدة. ووفقاً لنتائج التحقيق الصادمة، فقد دُمر ما لا يقل عن 400 مبنى في الطيبة، مما يحول أجزاء كبيرة من البلدة إلى أنقاض. تأتي هذه المشاهد لتؤكد حجم الدمار الذي يلحق بالبنية التحتية والمواقع التراثية في المنطقة، وتلقي الضوء على المعاناة الإنسانية والثقافية للمجتمعات المحلية، وتبرز الحاجة الملحة لجهود إعادة الإعمار والتوثيق.
في السادس من أبريل 2026، نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي (Avichay Adraee)، مقطع فيديو يظهر انفجارات واسعة النطاق، مشيراً إلى أن القوات تعمل على توسيع "المنطقة الأمنية" وتدمير البنية التحتية لحزب الله. وقد تم تفجير متفجرات على طول المحيط الكامل لبئر الطيبة، مما يشير إلى استهداف منهجي للمواقع في المنطقة. هذه الإجراءات أثارت تساؤلات حول طبيعة العمليات العسكرية وتأثيرها على التراث الثقافي، خاصة وأنها تتسبب في تدمير مواقع ذات قيمة تاريخية دون تقديم أدلة واضحة على استخدامها لأغراض عسكرية، مما يزيد من القلق بشأن الامتثال للقوانين الدولية التي تحمي الممتلكات الثقافية.
خلفية استراتيجية وتداعيات دولية
يعمل الجيش الإسرائيلي على إنشاء "منطقة دفاعية متقدمة" في جنوب لبنان، تهدف، حسب تصريحاته، إلى توفير حماية أمنية لحدوده الشمالية. وتدعي السلطات الإسرائيلية أنها "لا تنوي استهداف البنية التحتية المدنية أو المباني الدينية"، لكنها تسعى إلى هدم البنية التحتية لحزب الله. وقد صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، بهذا الادعاء بشأن هدم البنية التحتية لحزب الله في منشور على منصة X بتاريخ الثاني من مايو، مؤكداً على أن العمليات تتركز على أهداف عسكرية. ومع ذلك، فإن الأدلة المتراكمة من المواقع المدمرة تشير إلى أن التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية والتراثية لم يكن واضحًا دائمًا على الأرض، مما يضع مصداقية هذه الادعاءات تحت المجهر ويزيد من المخاوف بشأن الضرر غير المقصود أو المتعمد للتراث الثقافي.
في سياق متصل، أعلنت منظمة اليونسكو في الأول من أبريل أنها منحت حماية معززة مؤقتة لـ 39 موقعًا ثقافيًا في لبنان. وتتضمن إحدى إجراءات الحماية هذه إقامة ما يسمى بـ "الدروع الزرقاء" في 34 موقعًا أثريًا وثقافيًا، وهي علامات دولية تشير إلى أن هذه المواقع محمية بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. هذه الخطوة تعكس القلق الدولي المتزايد بشأن التراث الثقافي اللبناني في ظل التوترات المستمرة، وتؤكد على أهمية الالتزام بالمعايير الدولية في حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة، وتدعو الأطراف المتحاربة إلى احترام هذه المواقع المحمية.
تؤكد هذه الأحداث على التحديات الكبيرة التي تواجه حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع، وتبرز الحاجة الملحة إلى احترام القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف الممتلكات الثقافية والدينية. إن تدمير هذه المواقع لا يمثل خسارة للبنان فحسب، بل هو خسارة للتراث الإنساني المشترك، ويتطلب استجابة دولية قوية لضمان المساءلة ومنع المزيد من الدمار، ولتأكيد مبادئ حماية التراث الإنساني في أوقات الحرب.