يستقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره اللبناني جوزيف عون في واشنطن، في زيارة رسمية تهدف إلى بحث قضايا إقليمية وملفات ثنائية ذات أهمية قصوى. هذه الزيارة، التي تُعد الأولى لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ عام 2009، تعكس الأهمية المتزايدة التي توليها الإدارة الأمريكية للعلاقات مع لبنان في ظل التوترات الإقليمية. تركز المباحثات بشكل رئيسي على سبل نزع سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وفق ما أشارت إليه مصادر مطلعة مقربة من دوائر صنع القرار في البلدين. تأتي هذه الزيارة في توقيت حرج للمنطقة، حيث تتصاعد التوترات وتتزايد الدعوات لتحقيق استقرار دائم، وتسليط الضوء على الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه لبنان في استقرار المنطقة.
وينص الاتفاق المقترح، الذي يعتبر محور هذه المباحثات رفيعة المستوى، على انسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية. سيبدأ تطبيق هذا الاتفاق في "منطقتين تجريبيتين" كخطوة أولى نحو تنفيذ كامل الانسحاب والانتشار، وذلك بهدف بناء الثقة واختبار آليات التنفيذ على أرض الواقع. وتهدف هذه الخطوات الأولية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة الحدودية الحساسة بين لبنان وإسرائيل، في سياق جهود أوسع تبذلها الأطراف الدولية والإقليمية لتهدئة التوترات المستمرة منذ فترة طويلة. وتُعد هذه المناطق التجريبية، التي أعلنت الولايات المتحدة عن بدء تنفيذ الاتفاق فيها، واقعة بشكل أساسي خارج الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد أن جرّ حزب الله لبنان إلى حرب الشرق الأوسط الأخيرة في مارس/آذار.
خلفية النزاع والجهود الدبلوماسية المكثفة
تُشير مصادر مطلعة إلى أن الشرط الأساسي الذي تضعه إسرائيل قبل أي انسحاب من جنوب لبنان هو نزع سلاح حزب الله بشكل كامل. هذا الشرط يعتبر حجر الزاوية في الموقف الإسرائيلي، ويعكس مخاوفها الأمنية العميقة من وجود جماعة مسلحة قوية على حدودها الشمالية. وكانت الجماعة قد أطلقت شرارة الحرب الأخيرة في مارس/آذار، مما أدى إلى تصعيد واسع النطاق في المنطقة وتداعيات إنسانية وخيمة. وقد أسفرت الضربات الإسرائيلية العنيفة منذ ذلك الحين عن مقتل أكثر من 4300 شخص في لبنان، وفقاً للسلطات اللبنانية، مما يسلط الضوء على الكلفة البشرية الباهظة للنزاع وتأثيره المدمر على المدنيين.
وشهد العنف انخفاضاً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة بعد توقيع اتفاق إطاري بين الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي، والذي تزامن مع استمرار المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل، مما فتح نافذة أمل للحل الدبلوماسي. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في وقت سابق عن بدء تنفيذ اتفاق يمنح الجيش اللبناني السيطرة على "مناطق تجريبية" في جنوب لبنان، في خطوة اعتبرت محاولة لتعزيز دور الدولة اللبنانية وبسط سيادتها على كامل أراضيها. وفي المقابل، رفض حزب الله بشكل قاطع كلاً من الاتفاق والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي يقوم عليها، مؤكداً على موقفه الثابت ضد أي تسوية لا تتضمن شروطه. وقد رفض حزب الله مراراً نزع سلاحه، معتبراً إياه جزءاً لا يتجزأ من مقاومته، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً أمام أي حل مستدام.
موقف لبنان من حزب الله والانسحاب الإسرائيلي
يتطلع الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى أن يمارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المزيد من الضغط على إسرائيل للانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية المحتلة، وهو مطلب أساسي للحكومة اللبنانية ويعكس إجماعاً وطنياً. وكان عون قد انتقد بشدة قرار حزب الله بجر لبنان إلى الحرب الأخيرة، معتبراً أن هذا القرار قد أضر بمصالح البلاد العليا وعرضها لمخاطر جسيمة. ومن المتوقع أن يطلب الرئيس عون أيضاً المزيد من المساعدات العسكرية واللوجستية للجيش اللبناني خلال زيارته الحالية لواشنطن، بهدف تعزيز قدراته على بسط سيادة الدولة في الجنوب وحفظ الأمن والاستقرار بعد أي انسحاب إسرائيلي.
تأتي هذه الزيارة في سياق يبرز دور الرئيس عون على الساحة الدولية، حيث يُعد أول رئيس لبناني تتم دعوته إلى واشنطن منذ عام 2009، مما يعكس الأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية الحالية للعلاقات مع لبنان ودعم استقراره. وقد انتخب جوزيف عون رئيساً في أوائل عام 2025 بدعم غربي واسع، مما يعكس الأهمية التي توليها الدول الغربية للاستقرار في لبنان ودعم مؤسسات الدولة الشرعية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ويعول على هذه الزيارة لإحراز تقدم ملموس في ملفات حساسة تتعلق بنزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، والتي تعتبر أساسية لتحقيق السلام الدائم والسيادة الكاملة للبنان.
الموقف الأمريكي والدعوات للسلام والاستقرار
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أهمية معالجة قضية حزب الله، مشدداً بالقول: "طالما بقيت تلك المشكلة قائمة، فإن لبنان لن ينعم بالسلام الحقيقي أبداً". هذه التصريحات تعكس الموقف الأمريكي الثابت بضرورة التعامل مع التحديات التي يفرضها وجود الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدولة. وأشاد روبيو بما وصفه بـ "شجاعة الحكومة اللبنانية لجهودها الحازمة لاستعادة سيادة لبنان ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية الإرهابية"، معتبراً هذه الجهود ضرورية لمستقبل لبنان المزدهر والمستقر. كما أكد روبيو على دعم واشنطن للجهود اللبنانية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وفي هذا السياق، ذكر روبرت ساتلوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن الرئيس الأمريكي سيرغب في الحصول على ضمانات واضحة بأن الرئيس عون سيعمل بجد على استئصال الضباط في الجيش اللبناني الذين يُعتقد أنهم متواطئون مع حزب الله، وأن يصل في نهاية المطاف إلى سلام شامل مع إسرائيل. هذه الضمانات تعتبر حاسمة بالنسبة للإدارة الأمريكية لتقديم دعمها الكامل للبنان، وتأتي في إطار سعي واشنطن لضمان عدم تعرض مصالحها الأمنية في المنطقة للخطر.
من جانب آخر، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا مراراً سوريا إلى التدخل في لبنان لحل الأزمة، في محاولة لإيجاد حلول إقليمية لمشكلة معقدة. إلا أن الرئيس السوري أحمد الشارع كان قد صرح سابقاً بأن بلاده ليس لديها أي نية للتدخل في الشؤون اللبنانية، مؤكداً على احترام سيادة لبنان واستقلاله، ومفضلاً عدم الانخراط في صراعات إقليمية قد تزيد من تعقيد الأوضاع. تعكس هذه المواقف التباينات في الرؤى الإقليمية والدولية حول سبل تحقيق الاستقرار في البلد، خاصة فيما يتعلق بملف نزع سلاح حزب الله وتأثيره على المنطقة.
تداعيات اللقاء وآفاق المستقبل
تظل الصفقة المقترحة، التي تتضمن انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان، مرهونة بنزع سلاح حزب الله. ويشكل هذا الشرط نقطة خلاف رئيسية في المفاوضات الجارية، حيث تعتبره إسرائيل أساسياً لأمنها القومي. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن إسرائيل ترفض باستمرار سحب قواتها من الأراضي اللبنانية طالما بقي حزب الله محتفظًا بسلاحه، وهو موقف ثابت لم يتغير على مر السنين. هذا الموقف الإسرائيلي يعكس مخاوفها الأمنية العميقة إزاء وجود جماعة مسلحة قوية على حدودها الشمالية، والتي أثبتت قدرتها على شن هجمات عسكرية. ويعول الرئيس اللبناني جوزيف عون على هذه الزيارة في واشنطن لدفع الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، وفتح آفاق جديدة للسلام والأمن في لبنان، وإعادة بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني، مما يمثل خطوة حاسمة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للبلاد.