بدأ عشرات من السكان النازحين بالعودة إلى قرى في جنوب لبنان، وذلك في إطار خطة "منطقة تجريبية" متفق عليها حديثاً بين لبنان وإسرائيل. تأتي هذه العودة بعد توقيع اتفاق إطاري بين البلدين في واشنطن الشهر الماضي، والذي يهدف إلى إرساء أسس جديدة للتعاون الأمني والإنساني في المنطقة. وقد صرحت الولايات المتحدة بأن قرية فرون (Froun) هي إحدى القرى الثلاث التي تشكل المرحلة الأولى من خطة المنطقة التجريبية. وتتزامن هذه التطورات مع لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن العاصمة يوم الثلاثاء، في إطار جهود دبلوماسية مكثفة لدعم الاستقرار في المنطقة وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وقد أعلنت كل من إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة يوم الاثنين بدء مشروع "المنطقة التجريبية" المزعومة، بالتزامن مع عودة السكان إلى قريتي فرون وغندورية في نفس اليوم، وذلك بعد أن أجبرهم القصف الإسرائيلي على النزوح من منازلهم، مما يمثل خطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية في هذه المناطق المتضررة.
تساؤلات حول أساس خطة "المناطق التجريبية"
شكك بعض السكان المحليين في إدراج القرى ضمن الخطة، مشيرين إلى أن القوات الإسرائيلية لم تحتلها قط. تثير هذه الشكوك تساؤلات حول المعايير التي تم بموجبها اختيار هذه المناطق لتكون "مناطق تجريبية"، وما إذا كانت هناك دوافع أخرى وراء هذا الاختيار. ذكرت مصادر أمنية لبنانية لقناة الجزيرة أن قريتي فرون (Froun) وغندورية (Ghandouriyeh) لم تكونا محتلتين من قبل القوات الإسرائيلية، مما يزيد من الغموض حول أساس هذه الخطة ويطرح تساؤلات حول مدى شفافية عملية الاختيار. هذه المعلومات تتناقض مع أي افتراض بأن القرى المختارة هي بالضرورة تلك التي شهدت احتلالاً إسرائيلياً سابقاً، مما يطرح أسئلة حول الأهداف الحقيقية وراء تصنيفها كمناطق تجريبية، وما إذا كانت هذه المبادرة تهدف إلى تحقيق أهداف أبعد من مجرد تسهيل عودة النازحين، وقد تكون مرتبطة بجهود أمنية أو سياسية أوسع نطاقاً في المنطقة.
في سياق متصل، كانت إسرائيل تقاتل جماعة حزب الله اللبنانية، وتصر على ضرورة نزع سلاحها قبل أي انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. هذا الموقف الإسرائيلي يضع الخطة التجريبية ضمن إطار أوسع للصراع القائم في المنطقة، حيث قد تكون هذه المبادرات مرتبطة بمحاولات إسرائيلية لتحقيق أهداف أمنية أو سياسية تتعلق بوجود حزب الله ونفوذه في جنوب لبنان. إن عدم احتلال القرى المختارة من قبل إسرائيل، وفقاً للمصادر الأمنية اللبنانية، يلقي بظلال من الشك على ما إذا كانت الخطة التجريبية تهدف حقاً إلى تسهيل عودة النازحين إلى مناطق متأثرة بالاحتلال المباشر، أم أنها تخدم أهدافاً أخرى في المنطقة تتعلق بالترتيبات الأمنية المستقبلية أو إعادة ترسيم النفوذ.
واقع القرى العائدة والجهود المبذولة
عادت سمية حيدر إلى منزلها في قرية فرون، معربة عن ارتياحها للعودة رغم غياب شبكات المياه والكهرباء وخدمة الهاتف، وهي تحديات كبيرة تواجه السكان العائدين إلى مناطق دمرتها الحرب. وعلقت حيدر قائلة: "نحن نضع ثقتنا في الله. نجلس هنا، لسنا خائفين، وسنبقى. انظروا إلى هؤلاء الناس – يعيشون في المدارس بعد أن فقدوا منازلهم، وأطفالي مشتتون أيضاً." تعكس هذه الشهادة التحديات الكبيرة التي يواجهها السكان العائدون إلى مناطق دمرتها الحرب، وتبرز صمودهم وتصميمهم على إعادة بناء حياتهم رغم الظروف القاسية التي يمرون بها. هذه العودة تمثل خطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية، ولكنها تتطلب جهوداً كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.
في قرية غندورية المجاورة، أظهرت التقديرات أن 250 من أصل 260 منزلاً في القرية تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي، مما يبرز حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمساكن نتيجة الصراع. وتواجه كل من فرون وغندورية بلدة زوطر الغربية (Zawtar el-Gharbiya)، التي تُعد أيضاً جزءاً من المرحلة الأولى للخطة التجريبية، مما يشير إلى أن هذه المناطق الثلاث تشكل النواة الأولية للمشروع. هذا الدمار الواسع النطاق يتطلب جهوداً إغاثية وإعمارية ضخمة لتمكين السكان من العودة والعيش بكرامة، ويشير إلى أهمية الدعم الدولي والمحلي في هذه المرحلة الحرجة.
وفي سياق متصل، كانت قوات إسبانية تقوم بدوريات في المنطقة المقابلة لفرون، وذلك كجزء من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل). تلعب هذه القوات دوراً حيوياً في حفظ السلام ومراقبة الحدود، خاصة في المناطق التي تشهد توتراً مستمراً بين الأطراف المتصارعة، وتساهم في توفير بيئة أكثر استقراراً للسكان العائدين. إن وجود اليونيفيل يعتبر عنصراً مهماً في ضمان الأمن النسبي في هذه المناطق الحساسة.
إعلان المشروع وآراء السكان المحليين والمستقبل
أعلنت كل من إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة يوم الاثنين بدء مشروع "المنطقة التجريبية" المزعومة. وبدأت عودة السكان إلى قريتي فرون وغندورية في نفس اليوم، وذلك بعد أن أجبرهم القصف الإسرائيلي على النزوح من منازلهم، مما يمثل تحولاً مهماً في جهود إعادة الاستقرار. ويُعتقد أن قرية غندورية ضمن المرحلة الثانية من خطة المنطقة التجريبية، مما يشير إلى توسع محتمل للمشروع ليشمل مناطق إضافية في المستقبل، وهو ما قد يثير المزيد من التساؤلات حول نطاق الخطة وأهدافها طويلة الأمد والقرى التي ستشملها المراحل القادمة. هذا التوسع المحتمل يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتنسيقاً فعالاً لضمان نجاح المبادرة واستدامتها.
تأتي هذه التطورات في ظل مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) التي من المقرر أن تنتهي بحلول نهاية العام، وفقاً لقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. إن انتهاء مهمة اليونيفيل يضيف طبقة من التعقيد إلى الوضع، خاصة مع عودة النازحين وبدء تنفيذ خطة المناطق التجريبية، حيث قد يؤثر ذلك على الترتيبات الأمنية في المنطقة. يظل مصير هذه المناطق ومستقبل سكانها الذين عادوا إلى منازلهم المدمرة محاطاً بالغموض، بينما تتواصل الجهود الدبلوماسية والأمنية في محاولة لإرساء الاستقرار في جنوب لبنان، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للسكان في هذه المناطق الحيوية.