واصلت إسرائيل شن هجمات على جنوب لبنان على الرغم من التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية. وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل يوم الجمعة، حيث استهدفت الطائرات الحربية والمسيرة الإسرائيلية عدة بلدات. جاء اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته إدارة ترامب يوم الخميس ودخل حيز التنفيذ في 16 أبريل.
وقد شملت الغارات مقتل شخصين في حبوش، أحدهما طبيب، وشاب في دوير مع إصابة آخر، بالإضافة إلى مقتل شخص في برج القلاوية وإصابة آخر، ورجل قُتل في سيارة ببلدة كفر رمان. في الوقت نفسه، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إجلاء قسرية جديدة، شملت تسع بلدات وقرى على جولتين. كما أظهرت صور التقطت قبل يومين من إعلان الهدنة أضرارًا كبيرة في بنت جبيل، بينما كشفت صور التقطت بعد 11 يومًا، في 25 أبريل، عن تدمير نسبة أكبر بكثير من بنت جبيل، مع انهيار مبانٍ وتحولها إلى سحب من الغبار فيما يبدو أنها عمليات هدم واسعة النطاق ومُتحكم بها.
تداعيات اتفاق وقف إطلاق النار الهش
كان اتفاق سابق لوقف الأعمال العدائية قد أُعلن في 16 أبريل/نيسان، وخلال الفترة الفاصلة بين الاتفاقين، قُتل أكثر من 600 شخص في غارات إسرائيلية في جميع أنحاء لبنان. وفي خضم هذا، أفادت تقارير بأن الجيش الإسرائيلي سوّى مناطق بأكملها من المدن والقرى في جنوب لبنان بالأرض، بينما يواصل خططه لإحكام السيطرة على المنطقة خلال وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. أظهرت مقاطع فيديو وصور على وسائل التواصل الاجتماعي، تم تحديد مواقعها الجغرافية في المنطقة، أشجارًا مغطاة بالرماد، وحرائق مستعرة في مبانٍ متفحمة، وسماءً مليئة بالدخان الداكن. كما كشفت صور الأقمار الصناعية عن تسوية كتل وأحياء بأكملها بالأرض.
وبدا أن إسرائيل تستخدم شروط الهدنة "لتفكيك ممنهج للمدن والقرى والمرافق الأخرى، بما في ذلك المساجد والمدارس، في الجنوب بالقرب من الحدود التي تقدر أنها يمكن أن تستخدمها حزب الله لأغراض عسكرية"، وفقًا لتحليل خبير الشؤون الأمنية بلال صعب. من جهته، قال عباس عواضة، رئيس بلدية الخيام، إن الدمار في أجزاء من جنوب لبنان أصبح "ممنهجًا" بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في 16 أبريل/نيسان، مضيفًا أنهم "يدمرون كل ما يتعلق بالحياة". وأشار الجيش الإسرائيلي (IDF) إلى أنه "تعرّف على تهديدات عسكرية" وأن عملياته "موجهة فقط ضد البنية التحتية العسكرية المحددة لحزب الله، وليس ضد المنطقة ككل"، وتحديدًا "في المنطقة القريبة من الحدود".
تُظهر البيانات التي نشرتها منظمة ACLED أنه منذ 17 أبريل/نيسان، تعرضت ما لا يقل عن 120 بلدة وقرية في لبنان للقصف مرة واحدة على الأقل بواسطة طائرات مسيرة أو صواريخ أو مدفعية الجيش الإسرائيلي، بالإضافة إلى انفجارات عن بعد. من بين هذه المواقع، تعرض 23 موقعًا للقصف أكثر من خمس مرات، مع إظهار 18 منها مستوى معينًا من الأضرار منذ الاتفاق على الهدنة. وأفادت معلومات ACLED أيضًا أن 10 بلدات وقرى على الأقل أظهرت أضرارًا واسعة النطاق في عدة أحياء ومبانٍ وطرق. وقد صرح الجيش الإسرائيلي أن "العمليات التي نفذت في الأسابيع الأخيرة كانت ضمن إطار التفاهمات بين إسرائيل ولبنان". ومن المقرر أن ينتهي اتفاق وقف إطلاق النار في 17 مايو/أيار.
توسيع العمليات العسكرية والدمار المنهجي
ضربت الغارات الجوية الإسرائيلية مناطق سكنية ومباني وطرقًا، بينما جرت عملية هدم واسعة النطاق في باب الثانية. كما استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منطقة بنك عوده بالقرب من مستشفى جبل عامل. وقد وسع الجيش الإسرائيلي تواجده في جنوب البلاد، ويحتل الآن حوالي خُمس الأراضي اللبنانية. بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب وقف إطلاق النار في لبنان، صرح بنيامين نتنياهو أن قوات بلاده ستبقى "في منطقة أمنية موسعة" تمتد حوالي 6 أميال داخل جنوب لبنان.
وفي 1 مايو، ذكر الجيش الإسرائيلي (IDF) أن قواته كانت تعمل ضد حزب الله "في المنطقة القريبة من الحدود" مع إسرائيل، مشيراً إلى أنها تستهدف "تهديدات عسكرية محددة". وجاء في بيان نشره الجيش الإسرائيلي على تلغرام يوم الثلاثاء أنه ضرب أكثر من 1,100 هدف لحزب الله وقتل أكثر من 350 مسلحاً في جنوب لبنان "في الأسابيع الأخيرة". كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق أنه قتل أكثر من 200 من عناصر حزب الله في بنت جبيل وحدها خلال الأسابيع الماضية، بالإضافة إلى تفكيك أكثر من "900 موقع بنية تحتية إرهابية" في المنطقة.
من جانبه، ذكر محمد بزي، رئيس بلدية بنت جبيل، أن حوالي 1,500 مبنى سكني تعرضت للهدم الكامل، إلى جانب مدارس ومساجد. وأضاف بزي أن "إسرائيل تريد محو هويتنا وتراثنا حتى لا يتمكن الناس من العودة". وفي 7 مايو، صرح الجيش الإسرائيلي بأنه يستجيب "لتهديدات عسكرية محددة" في بلدات مثل بنت جبيل، مؤكداً أن عملياته "موجهة فقط ضد البنية التحتية العسكرية المحددة لحزب الله، وليس ضد المنطقة ككل". وأظهر مقطع فيديو نُشر على منصة X في 24 أبريل، وتم تحديد موقعه الجغرافي بواسطة NBC News، حفارتين تدمران ألواحاً شمسية في بلدة دبل المسيحية الحدودية. هذا وقد جرت جنازات يوم الأربعاء لعاملين في الطوارئ قتلا في غارات جوية إسرائيلية بمدينة صيدا جنوب لبنان. وقد أكد الجيش الإسرائيلي أن "العمليات التي نفذت في الأسابيع الأخيرة كانت ضمن إطار التفاهمات بين إسرائيل ولبنان".
موقف لبنان والدعوات للتهدئة
في غضون ذلك، أعلن حزب الله أنه شن ثمانية هجمات على الأقل ضد مواقع عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان بين صباح الجمعة وبعد الظهر، مؤكداً أن هذه الهجمات تأتي "دفاعاً عن لبنان وشعبه". من جانبه، حث رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إيران على التوقف عن معاملة بلاده كورقة مساومة في مفاوضاتها مع واشنطن بشأن صراع الشرق الأوسط. وصرح سلام قائلاً: "إذا جاز لي أن أوجه كلمة لإيران، فهي كالتالي: ارحموا جنوبنا، توقفوا عن معاملته ومعاملة شعبه على أنه مجرد ورقة مساومة لتحسين شروط مفاوضاتكم."
كما دعا الرئيس اللبناني، جوزيف عون، إيران إلى عدم التدخل في شؤون بلاده، مخاطباً حزب الله بالقول إن الدبلوماسية هي الحل الوحيد للصراع مع إسرائيل. وأكد عون: "هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا... ليس من شأنكم التدخل في بلدنا،" مضيفاً أن "حزب الله يجب أن يفهم أنه لا يوجد سبيل آخر سوى الجلوس والتحدث، ولا سبيل آخر لحل هذه المشكلة وإنقاذ ما تبقى إلا من خلال التفاوض والدبلوماسية." واتهمت السياسية نجاة عون صليبا حزب الله بالعمل ضد الحكومة، ووصفت تدخل طهران في الصراع بأنه "تهديد للسيادة اللبنانية."
وفي سياق متصل، تعهدت الحكومة اللبنانية في عام 2024 بنزع سلاح حزب الله. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، قُتل أكثر من 2,700 شخص في لبنان منذ بدء الحرب الأوسع في مارس. كما نزح أكثر من مليون شخص داخلياً، معظمهم من الجنوب، بعد بدء القصف الإسرائيلي واسع النطاق. وفي إسرائيل، لقي 21 شخصاً على الأقل حتفهم منذ بداية الحرب الأوسع.
تحليلات وديناميكيات الصراع
ترى الباحثة أندريا ديسي أن أي اتفاق يستبعد حزب الله وإيران أو يتجاهلهما "محكوم عليه بالفشل" مضيفة أنه "لا يوجد حل عسكري لكل هذه القضايا، بما في ذلك لبنان، وبالتالي ستستمر المحادثات". من جانبه، صرح الدبلوماسي الإسرائيلي ألون بينكاس بأن إسرائيل لا تملك استراتيجية متماسكة للبنان، وأن هدفها المعلن بتدمير حزب الله غير قابل للتحقيق، مشيراً إلى أن "إذا كانت الفكرة هي القضاء، أو الإبادة، أو التدمير، كل تلك المصطلحات التي يحب نتنياهو استخدامها بتبجح، فعلياً ستحتاج لاحتلال دولة لبنان بأكملها. هذا ليس فقط غير قابل للتطبيق وغير أخلاقي، بل هو أيضاً غير عملي". رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد في المقابل أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضرورية للقضاء على تهديد حزب الله لإسرائيل، مشيراً إلى بقاء القوات الإسرائيلية "في منطقة أمنية موسعة" داخل جنوب لبنان.
بدأ الهجوم الجوي والبري الأخير في لبنان بعد أن شن حزب الله، المدعوم من طهران، ضربات على شمال إسرائيل عقب الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران في أواخر فبراير. وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، فإن شروط وقف إطلاق النار حفظت حق إسرائيل في "اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها، الوشيكة، أو المستمرة". ومن المتوقع أن تتوسط الولايات المتحدة في جولة جديدة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان يومي الخميس والجمعة. وقد تعهد حزب الله بالتحرك "دفاعاً عن لبنان وشعبه"، ورداً على انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار وعدوانها على المدنيين. وصف وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز خططاً لتطبيق "نموذج غزة" على جنوب لبنان، وحذر من أن سكان جنوب لبنان لن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم حتى يتم ضمان سلامة الإسرائيليين في شمال إسرائيل. في حين ترى بورجو أوزجيليك، الزميلة الباحثة البارزة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن وقف إطلاق النار موجود "بالاسم" فقط.