شهدت مدينة صيدا الساحلية جنوب لبنان يوم الثلاثاء، 19 مايو 2026، احتجاجاً شعبياً واسعاً ضد مشروع قانون للعفو العام. تجمع المتظاهرون في قلب المدينة للتعبير عن رفضهم الصريح لمسودة القانون المقترحة، مؤكدين على ضرورة الحفاظ على مبادئ العدالة والمحاسبة. وقد شارك في التظاهرة عدد من الفعاليات المدنية والاجتماعية، بالإضافة إلى مواطنين غاضبين من التوجهات التشريعية التي يرون أنها قد تمس حقوق الضحايا وتفتح الباب أمام إفلات المتورطين من العقاب.
أسباب الاحتجاج على مسودة القانون
تعود أسباب الاحتجاجات في مدينة صيدا إلى مخاوف عميقة من أن مسودة قانون العفو العام قد تشمل أشخاصًا متورطين في قضايا إجرامية خطيرة، بما في ذلك جرائم أمنية وجنائية. ويشير المنتقدون بقوة إلى أن القانون قد يبيض سجلات أفراد مطلوبين للعدالة، مما يقوض مبدأ المحاسبة ويضرب عرض الحائط بجهود إرساء دولة القانون. ويُعرب المحتجون عن قلقهم بشكل خاص من إمكانية شمول القانون لبعض الأفراد المتهمين في أحداث أمنية سابقة شهدتها صيدا، وهو ما يعتبرونه تجاوزًا للعدالة وانتهاكاً صارخاً لحقوق المتضررين. وتأتي هذه التحركات الشعبية لتؤكد رفض شريحة واسعة من المجتمع لأي تسوية سياسية قد تمس حقوق الضحايا أو تفتح الباب أمام إفلات المتهمين من العقاب. وتشدد الفعاليات المشاركة على ضرورة عدم استخدام العفو العام كأداة لتسوية ملفات حساسة على حساب الأمن والاستقرار المجتمعي في لبنان، مشددة على أن العدالة هي أساس أي مصالحة حقيقية. ويرى المتظاهرون أن إقرار مثل هذا القانون بصيغته الحالية سيعطي رسالة خاطئة مفادها أن الجرائم الخطيرة يمكن أن تمر دون عقاب، مما قد يشجع على المزيد من الفلتان الأمني والاجتماعي.
تداعيات محتملة على الساحة اللبنانية
قد تمتد تداعيات مشروع قانون العفو العام، الذي أثار احتجاجات قوية في صيدا، إلى الساحة اللبنانية الأوسع، مثيراً مخاوف جدية بشأن العدالة والمحاسبة وسيادة القانون. يرى مراقبون أن أي قانون عفو لا يراعي مبادئ العدالة بشكل كامل قد يؤجج التوترات القائمة ويزيد من الانقسامات، خاصة في المناطق التي شهدت أحداثاً أمنية سابقة وخلفت جراحاً عميقة. فالإدراج المحتمل لأسماء متورطة في قضايا حساسة، مثل تلك المتعلقة بـ Ahmad al-Assir، قد يفاقم الانقسامات الطائفية والسياسية في لبنان، ويعيد إلى الواجهة خلافات كان يسعى المجتمع لتجاوزها. كما أن هذه الاحتجاجات تعكس شعوراً متنامياً لدى قطاعات واسعة من الجمهور بضرورة تطبيق القانون على الجميع، دون استثناءات مرتبطة بتسويات سياسية قد تبدو وكأنها فوق القانون. يثير هذا السيناريو تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة على الموازنة بين الحاجة إلى المصالحة الوطنية الحقيقية والالتزام الثابت بمبادئ المحاسبة والعدالة، وهو ما قد يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد على المدى الطويل. ويحذر محللون من أن تجاهل هذه المطالب الشعبية قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات القضائية والتشريعية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي.
المطالب الشعبية والحلول المقترحة
يدور النقاش حول مشروع قانون العفو العام في لبنان على ضرورة الموازنة الدقيقة بين تحقيق المصالحة الوطنية وضمان مبادئ العدالة والمحاسبة، وهما ركيزتان أساسيتان لأي مجتمع مستقر. ويطالب المتظاهرون في صيدا، وفي مناطق أخرى من لبنان، بأن لا يشمل أي عفو عام قضايا تتصل بالفساد المالي والإداري أو الجرائم الجنائية الخطيرة التي تمس أمن المجتمع وسلامة أفراده. ويشددون على أن العفو يجب أن يقتصر على المخالفات التي لا تمس حقوق الأفراد والمجتمع بشكل مباشر، أو تلك التي تندرج ضمن قضايا بسيطة لا تتضمن عنفاً أو انتهاكات جسيمة. ويدعو المتظاهرون إلى الشفافية الكاملة في صياغة القانون، مؤكدين على أهمية عدم تحويله إلى أداة لتبييض سجلات المتورطين في قضايا أمنية أو مالية خطيرة، مما قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب. كما يقترحون تشكيل لجان مستقلة ومحايدة لمراجعة الحالات المستفيدة من العفو، لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الخطيرة من العقاب، وللتأكد من أن أي عفو يتم وفق معايير واضحة وعادلة تخدم الصالح العام ولا تمس حقوق الضحايا. ويؤكد المشاركون في الاحتجاجات أن أي قانون عفو يجب أن يحظى بتوافق شعبي واسع لضمان فاعليته واستدامته.