اتفاق إطار إسرائيلي-لبناني: عودة النازحين وتحديات إعادة الإعمار في الجنوب

Displacement camps in northern Lebanon are being dismantled, as families return to their villages in the south, only to find homes destroyed.
الصورة: AFP عبر News

وقّعت إسرائيل ولبنان اتفاق إطار في واشنطن يوم 26 يونيو، أوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله. يركز الاتفاق على عودة النازحين إلى جنوب لبنان ومواجهة تحديات إعادة الإعمار في المنطقة. ويأتي هذا الاتفاق في سياق جهود دولية وإقليمية لتهدئة التوترات المستمرة وتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة الحدودية التي شهدت صراعاً ممتداً.

وفقاً لأحدث تقييم للمنظمة الدولية للهجرة (International Organization for Migration)، عاد 646,107 شخصاً إلى ديارهم في أعقاب الاتفاق، مما يشير إلى بدء مرحلة جديدة في المنطقة الحدودية. يمثل هذا العدد تحدياً كبيراً للمنظمات الإنسانية والحكومات المعنية في توفير الدعم اللازم لإعادة التأهيل والاستقرار، وتوفير الخدمات الأساسية التي تضمن عودة كريمة ومستدامة لهؤلاء السكان. وقد أظهرت الأيام والأسابيع الأولى بعد توقيع الاتفاق حجم الاستجابة السريعة من قبل السكان الذين طال انتظارهم للعودة إلى منازلهم وأراضيهم.

تداعيات الاتفاق على عودة النازحين

قالت حنين سيد، وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، إن حوالي 400,000 شخص عادوا إلى جنوب لبنان في غضون 24 ساعة من توقيع اتفاق الإطار، مما يسلط الضوء على سرعة استجابة السكان للاتفاق الجديد. هذا التدفق السريع للنازحين يعكس رغبة قوية في العودة، لكنه يضع عبئاً كبيراً على البنية التحتية والخدمات المتاحة في المناطق المتضررة، والتي كانت تعاني أصلاً من نقص في الموارد قبل النزاع. وتتطلب هذه العودة السريعة تنسيقاً فعالاً بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لضمان تلبية الاحتياجات الفورية للنازحين العائدين.

تشير تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني جنوب نهر الليطاني وحده بلغت 1.38 مليار دولار أمريكي حتى 29 أبريل. هذه الأضرار الواسعة النطاق تتطلب جهوداً ضخمة لإعادة الإعمار والتمويل، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية التي تسعى لدعم استقرار المنطقة. وقد شملت هذه الأضرار المنازل السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية الحيوية، مما يعيق بشكل كبير قدرة المجتمعات المحلية على استئناف حياتها الطبيعية.

كان أكثر من 137,000 نازح قد لجأوا إلى حوالي 700 مركز إيواء منتشرة في بيروت وأجزاء أخرى من لبنان، مما يبرز حجم الأزمة الإنسانية السابقة. عودة هؤلاء النازحين إلى ديارهم تتطلب توفير السكن المؤقت والدائم، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي لضمان استقرارهم. وتعد هذه المراكز دليلاً على حجم الأزمة الإنسانية التي سبقت الاتفاق، حيث اضطرت أعداد كبيرة من السكان لترك منازلهم بحثاً عن الأمان.

قيود إسرائيلية ومناطق غير آمنة

لا يزال ما يقرب من نصف مليون شخص نازحين، مما يشير إلى أن تحديات العودة الكاملة للسكان لا تزال قائمة على الرغم من اتفاق الإطار الأخير. وتواجه المناطق الحدودية الواقعة جنوب لبنان دماراً واسع النطاق، حيث دُمرت 21 بلدة بالكامل، بينما لحقت أضرار بعشرات القرى الأخرى. هذا الدمار الشامل يمثل عقبة كبرى أمام عودة السكان، حيث لا توجد لديهم منازل يعودون إليها أو بنى تحتية تدعم حياتهم اليومية.

في ظل هذه الظروف، لا تزال "الخط الأصفر" وهو منطقة أمنية أقامتها إسرائيل، تسيطر على 64 بلدة وقرية، مما يعقد جهود عودة النازحين وإعادة الإعمار. يثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى حرية الحركة والقدرة على الوصول إلى هذه المناطق المتأثرة بالقيود الإسرائيلية، ويحد من قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم المساعدات اللازمة وإعادة تأهيل البنية التحتية. هذه القيود تزيد من تعقيد الوضع الإنساني وتعيق عملية التعافي الشاملة.

من جهة أخرى، لم تلتزم جماعة حزب الله بوقف إطلاق النار إلا بعد الإعلان عن الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي، ووصفت الاتفاق بأنه "باطل وبشكل كامل في مصلحة إسرائيل". وقد أطلقت حزب الله صواريخ على إسرائيل في 2 مارس/آذار، رداً على هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران، في خطوة تمثل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024. هذا التصعيد يعكس التوترات المستمرة في المنطقة على الرغم من الاتفاقيات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار، ويسلط الضوء على التحديات الأمنية التي لا تزال قائمة وتشكل تهديداً لعملية السلام والتعافي.

حجم الدمار واحتياجات إعادة الإعمار

تُقدر السلطات اللبنانية أن نحو 1.2 مليون شخص نزحوا خلال الصراع الأخير، مما يشير إلى حجم الأزمة الإنسانية وتحديات العودة الكبيرة. يبرز هذا التقدير الضغط الهائل على الموارد والخدمات في المناطق التي استقبلت النازحين، وعلى الحاجة الملحة لخطط إعادة توطين شاملة. تعكس هذه الأرقام نطاق الأضرار الاجتماعية والاقتصادية التي لحقت بالبلاد، وتؤكد الحاجة إلى دعم دولي ومحلي لإدارة تداعيات النزوح، وتوفير حلول مستدامة للنازحين.

من جانبه، قدر ياسين جابر، وزير المالية اللبناني، أن الأضرار الناجمة عن الحرب بلغت 20 مليار دولار أمريكي. يشمل هذا التقدير الخسائر في البنية التحتية، والممتلكات الخاصة، والاقتصاد بشكل عام، مما يلقي بعبء مالي كبير على الدولة التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية عميقة. يتطلب هذا المبلغ الهائل خطة تمويل شاملة ومستدامة، تتجاوز القدرات المحلية، مما يدعو إلى تدخلات دولية لدعم جهود إعادة الإعمار. هذا التقدير يعكس حجم الكارثة الاقتصادية التي حلت بالبلاد، والتي تتطلب استجابة دولية منسقة.

تتضمن الأضرار المبلغ عنها نحو 8.5 مليون متر مكعب من الركام، بالإضافة إلى الانهيار شبه الكامل لشبكات المياه والكهرباء والطرق. يشير هذا الدمار الواسع النطاق إلى أن إعادة الإعمار لن تقتصر على ترميم المباني السكنية فحسب، بل ستمتد لتشمل إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية التي تعد أساساً لعودة الحياة الطبيعية. يمثل إزالة الركام وإعادة بناء هذه الشبكات تحديات لوجستية وهندسية ضخمة، تتطلب موارد مالية وبشرية كبيرة، وتنسيقاً فعالاً بين مختلف الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لضمان إعادة بناء مستدامة وفعالة.

نقص التمويل وتحديات التعافي

وفقاً لتقييم البنك الدولي السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2024، تسببت الحرب في أضرار مادية تقدر بنحو 6.8 مليار دولار أمريكي. وتشير التقديرات إلى أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي تبلغ حوالي 11 مليار دولار أمريكي، مما يبرز الفجوة الكبيرة بين الأضرار الفعلية والموارد المطلوبة لإعادة بناء المناطق المتضررة. هذه الفجوة تتطلب جهوداً مضاعفة من المجتمع الدولي لتوفير الدعم المالي اللازم لتمكين لبنان من التعافي.

في هذا السياق، يهدف نداء لبنان العاجل لعام 2026 (Lebanon Flash Appeal) إلى جمع 639.9 مليون دولار أمريكي. ومع ذلك، لم يتم تأمين سوى 37.1 بالمئة فقط من هذا المبلغ حتى الآن. يشير هذا النقص في التمويل إلى تحديات كبيرة تواجه الجهود الإنسانية وجهود التعافي في البلاد، مما قد يؤثر على سرعة وكفاءة الاستجابة للأزمة. هذا العجز المالي يهدد بتأخير عملية إعادة الإعمار ويزيد من معاناة السكان، مما يستدعي استجابة عاجلة من المانحين الدوليين.

إن التحديات التي تواجه لبنان بعد توقيع اتفاق الإطار مع إسرائيل متعددة الأوجه، وتشمل عودة النازحين بأعداد كبيرة، وإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، وتأمين التمويل اللازم لهذه الجهود. فبينما يمثل الاتفاق خطوة نحو وقف الأعمال العدائية، فإن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب معالجة شاملة لهذه القضايا الإنسانية والاقتصادية والأمنية المعقدة، وتضافر الجهود الدولية والمحلية لضمان مستقبل أفضل للمناطق المتضررة وسكانها.