يعاني لبنان منذ عقود من المنافسات العالمية والصراعات الإقليمية، وهي حقيقة تاريخية أثرت بعمق في مساره، وقد تفاقمت هذه التوترات مؤخرًا مع التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط. لقد أدت هذه الصراعات الإقليمية والدولية إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مما يضع البلاد في عين عاصفة جيوسياسية حقيقية تهدد أمنه ومستقبله.
منذ الهجمات التي نفذتها حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، اتبعت حكومة نتنياهو استراتيجية تستهدف قيادات حزب الله وحماس والقيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، في محاولة واضحة لتقويض نفوذ هذه الأطراف. وقد زاد هذا النهج من حدة التوترات الإقليمية بشكل كبير، مما أسفر عن مقتل الآلاف من الأشخاص وتشريد أعداد كبيرة من السكان في المنطقة، في مشهد إنساني مأساوي يعكس حجم الأزمة.
جذور الصراع الإيراني الإسرائيلي وتداعياته على المنطقة
لطالما قبل حزب الله المرشد الأعلى الإيراني كزعيم روحي له، مما يعكس الارتباط العميق والأيديولوجي بين التنظيم والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويُنظر إلى حزب الله على أنه الوكيل الأقوى ضمن شبكة وكلاء إقليمية تُعرف بـ "4Hs"، والتي تضم أيضاً حماس في غزة، والحوثيين في اليمن، وكتائب حزب الله والعديد من جماعات الميليشيات الإسلامية الأخرى في العراق، وجميعهم متحالفون مع النظام الإسلامي الإيراني. هذه الشبكة المعقدة تُظهر مدى نفوذ إيران وتأثيرها الإقليمي الواسع، حيث تعتمد على هذه الجماعات كأذرع استراتيجية لتعزيز مصالحها الجيوسياسية في المنطقة. هذا الوصف لحزب الله كجزء من شبكة "4Hs" يؤكد الدور المحوري الذي يلعبه في استراتيجية إيران الإقليمية، ويسلط الضوء على طبيعة العلاقات المعقدة بين هذه الأطراف.
بالنسبة لإيران، يُعتبر بقاء حزب الله ذا أهمية قصوى وحيوية لاستراتيجيتها الإقليمية، خاصة بعد أن فقدت جزءاً من نفوذها الاستراتيجي في سوريا خلال السنوات الماضية. هذا التركيز على دعم حزب الله يعكس استراتيجية إيرانية أوسع للحفاظ على وجودها وتأثيرها في منطقة المشرق العربي، في ظل التوترات المستمرة مع إسرائيل والقوى الغربية. ويُظهر الارتباط الوثيق بين طهران وحزب الله عمق العلاقة التي تتجاوز الدعم المادي والعسكري لتشمل الجانب الأيديولوجي والروحي، مما يجعله مكوناً أساسياً لا يتجزأ في استراتيجية إيران الإقليمية الشاملة. هذه العلاقة المتجذرة تعني أن أي ضربة لحزب الله تعتبر ضربة مباشرة للمصالح الإيرانية، مما يزيد من تعقيد الصراع.
استراتيجيات الحرب وتداعياتها على لبنان
شهدت المنطقة صراعًا عسكريًا واسع النطاق بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، استمر من يونيو 2025 حتى 28 فبراير 2026. هذا الصراع الإقليمي العنيف ألقى بظلاله الكثيفة على لبنان، الذي وجد نفسه في خضم التوترات المتصاعدة والصراعات العسكرية المباشرة. خلال هذه الفترة، استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفرصة لشن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد حزب الله في لبنان، بهدف معلن هو "تدمير" قدراته العسكرية بشكل كامل. تركزت العمليات الإسرائيلية بشكل كبير على مناطق جنوب لبنان، وصولاً إلى نهر الليطاني، مما أحدث دماراً واسعاً للبنية التحتية والمنازل، وأدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى.
تسببت هذه العمليات العسكرية في تغييرات جيوسياسية وعسكرية كبيرة في المنطقة، خاصة في جنوب لبنان، حيث أثرت بشكل مباشر على موازين القوى. أدت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تفكيك جزء كبير من البنية التحتية العسكرية لحزب الله هناك، مما أثر على توازنات القوى الإقليمية وأعاد تشكيل المشهد الأمني. كانت هذه الفترة حاسمة في تحديد مدى نفوذ الأطراف المتصارعة، وأعادت تشكيل المشهد الأمني في المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل، مع تداعيات طويلة الأجل على الاستقرار الإقليمي بأكمله.
ويرى معظم المراقبين أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على التأثير في قرارات نتنياهو العسكرية، وأنها "تمسك بزمام بنادق نتنياهو". هذا الرأي يشير إلى أن الدعم الأمريكي، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا أو لوجستيًا، يلعب دورًا محوريًا في تمكين إسرائيل من تنفيذ عملياتها العسكرية الطموحة. العلاقات الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، والتي تشمل توريد الأسلحة المتطورة والمعلومات الاستخباراتية الحيوية، تضع الولايات المتحدة في موقع مؤثر يمكنها من خلاله ممارسة الضغط أو تقديم الدعم الذي يشكل مسار الصراع بشكل كبير.
مسارات السلام والجهود الدبلوماسية لإنقاذ لبنان
في خضم هذه التوترات، استضاف الرئيس ترامب محادثات مباشرة بين المفاوضين الإسرائيليين واللبنانيين، في محاولة لدفع عجلة السلام. وشمل الشرط الإسرائيلي المسبق لأي اتفاق انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من جنوب لبنان، وإعادة الجثامين، بالإضافة إلى شرط يتعلق بإعادة الإعمار للمناطق المتضررة. في هذا السياق، رفض الرئيس اللبناني جوزيف عون محاولات ربط مستقبل لبنان بالمفاوضات الإيرانية، مصرحاً بشكل لا لبس فيه: "نحن الآن منفصلون عن الوضع الإيراني واتفاق إسلام أباد". كما حث عون جميع الأطراف الإقليمية والدولية على إعطاء فرصة حقيقية للاتفاق الإطاري الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، معتبراً إياه مساراً واعداً للحل.
وحذر عون بشدة من أنه إذا رفض حزب الله التعاون مع الجهود الرامية لإنهاء الحرب في جنوب لبنان، "فسيتحمل مسؤولية قراره" ويثبت بذلك أنه يضع مصالح إيران فوق مصالح لبنان العليا. وأضاف عون بوضوح: "طالما أن خيار الحزب إيراني، فلن يكون هناك جدوى. لن تُحل الأمور إلا عندما يصبح خياره لبنانياً بدلاً من الإيراني"، مؤكداً على ضرورة تغليب المصلحة الوطنية اللبنانية. ويستعد الرئيس عون لزيارة البيت الأبيض للقاء الرئيس ترامب في 21 يوليو، في خطوة دبلوماسية مهمة. وفي إشارة إيجابية، بدأت إسرائيل مشروعاً تجريبياً لتسليم مناطق معينة للجيش اللبناني، مما قد يمهد الطريق لانسحاب أوسع.
تطلعات الشعب اللبناني نحو الاستقرار
يحتاج الشعب اللبناني المجتهد إلى السلام والأمن والاستقرار ويستحقهما، بعيدًا عن زعزعة الاستقرار الداخلية والخارجية التي عانى منها طويلاً، بعد أن كابد لعقود من المنافسات العالمية والصراعات الإقليمية التي ألقت بظلالها على حياته. لقد أدت هذه الظروف القاسية إلى حالة من عدم اليقين المستمر، مما أثر بشكل كبير على الحياة اليومية للمواطنين، وشل قدرة البلاد على النمو والتطور. ويطمح اللبنانيون إلى بيئة تسمح لهم بإعادة بناء بلادهم وتجاوز التحديات الجسام التي فرضتها الصراعات المتكررة، مؤملين في مستقبل أكثر إشراقاً. وتُظهر هذه التطلعات رغبة عميقة في تجاوز الماضي المضطرب والتوجه نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، حيث يمكن للمجتمع أن ينمو ويتطور بعيدًا عن تأثيرات الصراعات الجيوسياسية المعقدة التي طالما عصفت به.