وقعت إسرائيل ولبنان اتفاقية إطارية في واشنطن في 26 يونيو، أدت إلى وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، منهيةً بذلك فترة من التوترات المتصاعدة والاشتباكات العسكرية. وقد جاءت هذه الاتفاقية في سياق جهود دولية مكثفة لتهدئة الأوضاع في المنطقة. وعقب الاتفاق، أفادت حنين السيد، وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، أن حوالي 400,000 شخص عادوا إلى جنوب لبنان في غضون 24 ساعة، مما يعكس الرغبة الملحة لدى السكان في العودة إلى ديارهم فور توفر بارقة أمل بالاستقرار. بدورها، ذكرت المنظمة الدولية للهجرة أن 646,107 شخصاً عادوا، وفقاً لتقييمها الأخير، مما يشير إلى حجم حركة العودة الكبيرة التي أعقبت توقيع الاتفاقية. وتشير التقديرات الصادرة عن السلطات اللبنانية إلى أن نحو 1.2 مليون شخص نزحوا خلال النزاع، مما يبرز الأثر الإنساني الواسع للصراع على السكان المدنيين.
خلفية الصراع والاتفاق
على الرغم من موجات العودة الأولية، لا يزال نحو نصف مليون شخص نازحين، وفقاً للتقارير الأخيرة، مما يؤكد على استمرار التحديات الإنسانية التي تواجه لبنان. وقد تصاعد التوتر مجدداً في المنطقة بعدما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 مارس، رداً على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وقد مثل هذا العمل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024، مما أثار مخاوف من تجدد الصراع على نطاق أوسع.
وكانت عودة محدودة للسكان قد بدأت قبل تسعة أيام من ذلك، تحديداً في الضواحي الجنوبية لبيروت وعدد من القرى الجنوبية، مما يعكس بداية حذرة لتحركات السكان قبل الإعلان الرسمي عن الاتفاقية. تزامن هذا التحرك مع الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأمريكي في إسلام آباد، مما أشار إلى تغير محتمل في ديناميكيات المنطقة وتأثيره على الأوضاع الأمنية. ومع ذلك، فإن إطلاق الصواريخ اللاحق أظهر هشاشة الوضع الأمني والتحديات المستمرة أمام ترسيخ الاستقرار، حيث يمكن لأي حادث منفرد أن يعيد المنطقة إلى دائرة العنف. استمرار النزوح يؤكد على الحاجة الملحة لحلول دائمة تضمن سلامة وكرامة المتضررين، وتوفر لهم بيئة آمنة للعودة والاستقرار.
وقد شكلت الاتفاقية الإطارية الموقعة في واشنطن في 26 يونيو نقطة تحول مهمة، حيث جاءت بعد مفاوضات مكثفة استمرت لعدة أسابيع، وشارك فيها وسطاء دوليون لضمان التوصل إلى صيغة توافقية. هذه الاتفاقية، التي نصت على وقف فوري للأعمال العدائية، سعت إلى توفير إطار للتهدئة ومنع المزيد من التصعيد الذي كان يهدد بجر المنطقة إلى صراع أوسع. وقد تضمنت الاتفاقية آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، بهدف بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة وضمان التزام كل طرف بالبنود المتفق عليها.
حجم الدمار والتكاليف الاقتصادية
أظهرت التقييمات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني جنوب نهر الليطاني وحدها تقدر بنحو 1.38 مليار دولار أمريكي، وذلك حتى تاريخ 29 أبريل، مما يعكس حجم الدمار الهائل في هذه المنطقة الحيوية. وتشمل هذه التقديرات الخسائر المادية المباشرة التي نتجت عن النزاع في هذه المنطقة الجغرافية المحددة، والتي طالت المنازل والمرافق العامة والبنية التحتية. هذه الأضرار المباشرة هي جزء من صورة أوسع تتضمن الخسائر غير المباشرة وتكاليف إعادة الإعمار المستقبلية.
وكشف تقييم الأضرار والاحتياجات السريع للبنان الصادر عن البنك الدولي أن حرب عام 2024 تسببت في أضرار مادية تقدر بنحو 6.8 مليار دولار أمريكي، مما يوضح الأثر المدمر للصراع على البنية التحتية والاقتصاد اللبناني ككل. وتشير التقديرات إلى أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي تتراوح في حدود 11 مليار دولار، مما يسلط الضوء على حجم التحدي الاقتصادي الكبير الذي يواجهه لبنان بعد الصراع. هذا المبلغ يشمل تكاليف إعادة بناء المنازل المدمرة، إصلاح البنية التحتية الحيوية مثل الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه، بالإضافة إلى دعم القطاعات الاقتصادية المتضررة.
وفي سياق متصل، قدر ياسين جابر، وزير المالية اللبناني، أن الأضرار الإجمالية الناجمة عن الحرب بلغت 20 مليار دولار أمريكي. يعكس هذا التقدير الشامل من جانب الحكومة اللبنانية نطاق الخسائر الاقتصادية الواسع الذي يتجاوز الأضرار المباشرة للبنية التحتية والمباني، ليشمل الآثار الأوسع على الاقتصاد الوطني والقطاعات المتضررة. هذه التكلفة الباهظة تشمل خسائر في الإنتاج، وتراجع في الاستثمارات، وتأثيرات سلبية على القطاع السياحي والزراعي، بالإضافة إلى الأعباء المالية المترتبة على معالجة الأزمة الإنسانية وتوفير الخدمات الأساسية للنازحين. إن تقدير وزير المالية يضع عبئاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة، ويتطلب دعماً دولياً كبيراً لتجاوز هذه الأزمة.
تحديات العودة وإعادة الإعمار
أثارت الاتفاقية الإطارية الموقعة في واشنطن في 26 يونيو آمالاً بتحقيق سلام دائم بين إسرائيل ولبنان، في خطوة اعتبرها البعض أساساً لعودة الاستقرار إلى المنطقة بعد سنوات من التوتر والاشتباكات المتقطعة. تتضمن هذه الاتفاقية بنوداً تدعو إسرائيل إلى الانسحاب من "مناطق تجريبية" محددة، في محاولة لتخفيف التوترات وتهيئة الظروف لعودة النازحين. هذه المناطق، التي لم يتم الكشف عن تفاصيلها الكاملة، يُعتقد أنها ستكون بمثابة مناطق عازلة أو مناطق يتم فيها اختبار آليات فض النزاعات. ومع ذلك، فإن حجم الدمار في المناطق الحدودية يمثل تحدياً كبيراً أمام هذه الآمال، ويجعل عملية العودة وإعادة الإعمار مهمة شاقة وطويلة الأمد.
فقد دُمرت 21 بلدة بالكامل في المنطقة الحدودية، مما يعني أن هذه البلدات أصبحت غير صالحة للسكن وتحتاج إلى إعادة بناء شاملة من الصفر. تعرضت عشرات القرى لأضرار بالغة، تتراوح بين تدمير جزئي للمنازل والمباني العامة وتضرر البنية التحتية الأساسية. هذا الدمار الواسع يستلزم جهوداً ضخمة لإعادة الإعمار قبل أن يتمكن السكان من العودة بأمان واستئناف حياتهم الطبيعية. إن إعادة بناء هذه المجتمعات لا تقتصر على الجانب المادي فحسب، بل تشمل أيضاً إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي تضرر بشدة جراء النزاع. هذا الدمار الواسع يلقي بظلاله على قدرة الاتفاقية على تحقيق الاستقرار المنشود بشكل سريع، ويتطلب خططاً استراتيجية طويلة الأجل.
وفي سياق متصل، تم تمديد نداء لبنان العاجل لعام 2026 (Lebanon Flash Appeal) حتى شهر أغسطس، ويهدف إلى جمع 639.9 مليون دولار أمريكي لتمويل جهود الإغاثة والتعافي. هذا النداء يمثل خطة شاملة للاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة، بما في ذلك توفير المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية للنازحين والمتضررين. لكن حتى الآن، لم يتم تأمين سوى 37.1 بالمائة من هذا المبلغ، مما يعكس الفجوة الكبيرة في التمويل اللازم للاستجابة للأزمة الإنسانية وإعادة الإعمار. هذه الفجوة المالية تعقد جهود السلطات والمنظمات الدولية في توفير الدعم الضروري للمتضررين، وتؤخر عمليات التعافي وإعادة الإعمار، مما يزيد من معاناة السكان ويعيق عودتهم إلى حياتهم الطبيعية. إن تأمين التمويل الكافي يعد خطوة حاسمة لترجمة بنود الاتفاقية الإطارية إلى واقع ملموس على الأرض.