أزمات لبنان المتفاقمة تتجاهلها الأوساط الدولية وسط انقسامات بنيوية ومعايير مزدوجة

ناقشت لجنة مشتركة استضافتها صحيفة "ذا نيو آراب" (The New Arab) ومنظمة "أكشن آيد يو كيه" (ActionAid UK) في لندن يوم الأربعاء أزمات لبنان التي وصفها المشاركون بأنها "مهملة". ركزت الجلسة، التي أقيمت في العاصمة البريطانية، على التحديات المتزايدة التي يواجهها لبنان. وقد جاء هذا النقاش ليسلط الضوء على الوضع الإنساني والاقتصادي المتدهور في البلاد.

استعرضت اللجنة، التي جمعت خبراء وناشطين، دور الحركات النسائية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الدولي في الاستجابة لهذه الأزمات المتصاعدة في لبنان. وقد هدفت المناقشات إلى تسليط الضوء على ضرورة إيجاد حلول فعالة للمشاكل البنيوية التي تعصف بالبلاد، مع التركيز على الحاجة إلى دعم دولي أكبر وأكثر استدامة.

تجاهل دولي للأزمة اللبنانية مقارنة بغزة

حملت النقاشات عنوان "أزمة لبنان الدائمة" (Lebanon's Perpetual Crisis)، وأبرزت مقارنات بين الاستجابة الدولية للأوضاع في لبنان وقطاع غزة. في هذا السياق، أشار كريم طرابلسي إلى أن الكارثة الإنسانية في لبنان حظيت باستجابة دولية محدودة للغاية مقارنة بحرب غزة، على الرغم من تزامن الحدثين. وأكد طرابلسي أن هذا التباين يثير تساؤلات حول المعايير المزدوجة في التعامل مع الأزمات الإنسانية. وذكر طرابلسي: "أحد الأمور التي لاحظتها هو أن الإبادة الجماعية في غزة والحرب في لبنان كانتا تحدثان في نفس الوقت، وهي ليست منافسة في أعداد القتلى أو المعاناة، ولكن يمكن القول إنه في لبنان، في كل هجوم من إسرائيل، عدد القتلى أكبر من سابقه".

ولفت طرابلسي إلى أن الهجوم العسكري الإسرائيلي المتجدد أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص منذ الثاني من مارس/آذار. ووصل عدد النازحين داخلياً في لبنان إلى حوالي مليون شخص، وهو ما علّق عليه طرابلسي قائلاً: "وصل عدد النازحين داخلياً إلى حوالي مليون شخص، وهو ما يضاهي نزوح المدنيين من شمال غزة إلى الجنوب وأجزاء أخرى. الهدف من هذا هو السؤال لماذا أثار أحدهما موجة تضامن عالمية، بينما قوبل لبنان بتضامن واستجابة أكثر محدودية بكثير". وأضاف طرابلسي: "في رأيي، إحدى أكبر المشكلات فيما يتعلق بالتغطية هي إنكار ما يحدث بالفعل"، مشدداً على أن هذا الإنكار يعيق أي استجابة دولية جادة وفعالة.

دور القانون الدولي وعدم تطبيقه

وفي سياق متصل، أشارت منى ديلي (Mona Deeley) إلى أن عدم التزام الدول الغربية بالقانون الدولي فيما يتعلق بإسرائيل يساهم في حالة عدم الاستقرار التي يشهدها لبنان. وشددت ديلي على أن لبنان لا يمكن أن يكون "جزيرة من الاستقرار حتى لو تم نزع سلاح حزب الله وانسحبت إسرائيل من احتلالها". وأضافت في تصريح لها أن المنطقة برمتها "في صراع دائم، والسبب في هذا الصراع الدائم هو عدم تطبيق القانون الدولي على إسرائيل". وأوضحت ديلي أن إسرائيل "تحتل الأراضي الفلسطينية، وتحتل الأراضي السورية، وتحتل الأراضي اللبنانية"، مشيرة إلى أن هذا الاحتلال المستمر هو جوهر عدم الاستقرار الإقليمي.

وأكدت ديلي أن تجاهل القانون الدولي له تداعيات واسعة النطاق، ليس فقط على المستوى الدولي بل على الاقتصادات المحلية أيضاً، مشيرة إلى أن "عندما لا تحترم القانون الدولي، فإن لذلك آثاراً في الداخل". وتابعت قائلة: "وله أيضاً آثار على الاقتصادات المحلية عندما يكون العالم غير مستقر". ودعت ديلي في هذا الصدد إلى ضرورة أن يقوم المجتمع المدني ووسائل الإعلام بإعادة تركيز الاهتمام على القانون الدولي، قائلة: "لذا أعتقد أننا جميعاً كمجتمع مدني، وأيضاً كإعلام، بحاجة إلى إعادة تركيز القانون الدولي" كأداة أساسية لتحقيق العدالة والاستقرار.

تغطية إعلامية ومعايير مزدوجة

طرحت اللجنة تساؤلات حول كيفية مساهمة تصوير الشعب اللبناني على أنه "مرن" بشكل لا نهائي في تطبيع المعاناة وتقليل الضغط من أجل اتخاذ إجراءات دولية. وأشارت النقاشات إلى أن هذا التصوير قد يؤدي إلى التقليل من حجم الأزمات التي يواجهها لبنان، وبالتالي يحد من الاستجابة الدولية الفعالة التي تتطلبها الأوضاع. كما لفت المشاركون الانتباه إلى أن التركيز على "مرونة" اللبنانيين قد يحجب الحاجة الملحة للتدخلات الخارجية ويسمح بتجاهل المشاكل البنيوية العميقة التي تعصف بالبلاد، مما يؤدي إلى استمرار دورة الأزمات.

من جانبها، ذكرت رولا زيتر أن التغطية الإعلامية الدولية غالباً ما تتجاهل الأثر التراكمي للأزمات المتعاقبة في لبنان، والتي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. وأضافت زيتر أن هذه التغطية تفشل أيضاً في إدراك الدور المركزي الذي لعبته النساء في الاستجابة للصراعات المتتالية، مشددة على أن مساهماتهن غالباً ما تُغفل في السرديات الدولية. وشددت على أن هذا الإغفال يعكس قصوراً في فهم السياق التاريخي والاجتماعي للأزمات اللبنانية، ويقلل من شأن الجهود المحلية، خاصة تلك التي تقودها النساء، في مواجهة التحديات المتزايدة، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة لكيفية تناول الإعلام الدولي لهذه القضايا.