حمّل رئيس الوزراء نواف سلام الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن أزمة النقل العام المتفاقمة في لبنان. جاء هذا الموقف خلال تصريحات رسمية أدلى بها في 23 أكتوبر 2026، حيث أشار إلى عجز المؤسسات الرسمية عن توفير بنية تحتية ملائمة تخدم المواطنين في مختلف المناطق. وأكد رئيس الوزراء في معرض حديثه أن هذا الملف يمثل أولوية خدمية لم تعد تحتمل التأجيل، مشدداً على أن التقصير المؤسسي هو السبب الجوهري وراء تفاقم معاناة المواطنين اليومية.
تأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه الضغوط على قطاع النقل، الذي يشهد تعطلاً مستمراً يؤثر على حركة التنقل بين المدن الرئيسية. وأكد سلام أن غياب التخطيط الحكومي الفعال والتقاعس عن تحديث الشبكات المتهالكة أديا إلى تدهور خدمات النقل العام، مما فرض أعباء إضافية على اللبنانيين في تنقلاتهم اليومية. ولم يقدم رئيس الوزراء تفاصيل إضافية حول خطط الإنقاذ المقترحة، مكتفياً بتحديد المسؤولية المباشرة للدولة عن هذا الملف الخدمي الحيوي، معتبراً أن استعادة كفاءة هذا القطاع تتطلب مراجعة شاملة للسياسات العامة التي أدارت هذا المرفق على مدار السنوات الماضية.
جذور الأزمة وتداعيات الإهمال التاريخي
تعود جذور أزمة النقل العام في لبنان إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب الأهلية التي امتدت بين عامي 1975 و1990. ولم تنجح الجهود الرسمية اللاحقة في تأسيس شبكة نقل متكاملة تغطي مختلف المناطق، مما أدى إلى تراجع كفاءة القطاع وتشتت خدماته. تراكمت هذه التحديات عبر العقود نتيجة غياب التخطيط المنهجي، وهو ما أفرز واقعاً تتسم فيه وسائل النقل بالتهالك وعدم القدرة على تلبية احتياجات التنقل بين المدن الرئيسية مثل بيروت، طرابلس، صيدا، صور، وزحلة. هذا الواقع دفع بالمواطنين إلى الاعتماد الكلي على وسائل النقل الفردية، مما زاد من حدة الأزمات المرورية في مراكز التجمعات الحضرية.
وفي سياق تقييم التبعات الاقتصادية لهذا التدهور، قدّر البنك الدولي (World Bank) قبل نحو عقد من الزمن أن أزمة النقل تكلف لبنان أكثر من ملياري دولار أمريكي سنوياً. تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر الناتجة عن تعطل حركة المرور، وفقدان الإنتاجية، والاعتماد المتزايد على المركبات الخاصة، وهو ما استنزف الموارد المالية وألقى بظلاله على النمو الاقتصادي العام في البلاد. إن هذه التقديرات المالية الضخمة تسلط الضوء على الفرص الضائعة نتيجة عدم الاستثمار في شبكات نقل عام حديثة وفعالة قادرة على الربط بين المحافظات.
وعلى صعيد التحركات الرسمية للبحث في حلول لهذا الملف، عُقد اجتماع في السراي الكبير (Grand Serail) تحت عنوان "نحو تطوير النقل العام في لبنان". نُظم هذا اللقاء من قبل وزارة الأشغال العامة والنقل بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). ناقش المشاركون في الاجتماع آليات تفعيل قطاع النقل العام وسبل تجاوز العقبات التاريخية التي حالت دون تحديث الشبكات الوطنية، مع التركيز على ضرورة وضع إطار تنظيمي يضمن استدامة الخدمات المقدمة للمواطنين. ظل هذا الاجتماع جزءاً من المحاولات الرسمية المستمرة لمواجهة التحديات الهيكلية التي تعاني منها شبكة المواصلات منذ انتهاء النزاعات الداخلية، حيث تم استعراض التحديات اللوجستية والمالية التي تعيق تنفيذ مشاريع النقل العام، وسط دعوات لضرورة التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لبلورة رؤية وطنية شاملة للنهوض بهذا القطاع الحيوي.