لبنان ينضم لمعاهدة حظر الألغام وسط صراع مستمر: خطوة تعزز السلام وتنقذ الأرواح

انضم لبنان رسمياً إلى معاهدة حظر الألغام، المعروفة أيضاً باسم اتفاقية أوتاوا، في خطوة تاريخية تهدف إلى تعزيز الأمن الإنساني في البلاد والحد من المعاناة الناجمة عن هذه الأسلحة الفتاكة. وقد جاء هذا الانضمام في ظل صراع مسلح مستمر، مما يضفي عليه أهمية إضافية في سياق التحديات الأمنية الراهنة التي يواجهها لبنان.

بدأت الإجراءات الرسمية لانضمام لبنان في يناير 2026، عندما صدر مرسوم من مجلس الوزراء اللبناني يوافق على انضمام البلاد إلى المعاهدة. وبعد استكمال الإجراءات الداخلية، قام لبنان بإيداع وثيقة انضمامه إلى المعاهدة لدى الأمم المتحدة في مدينة نيويورك في الأول من مايو 2026، مما يمثل الإتمام الرسمي لهذه الخطوة. ومن المقرر أن تدخل المعاهدة حيز التنفيذ بالنسبة للبنان اعتباراً من الأول من نوفمبر 2026، لتصبح البلاد طرفاً ملزماً بشكل كامل بأحكامها ومتطلباتها الدولية.

أهمية معاهدة حظر الألغام عالمياً

دخلت معاهدة حظر الألغام، المعروفة أيضاً باتفاقية أوتاوا، حيز التنفيذ عام 1999، لتؤسس بذلك إطاراً قانونياً دولياً شاملاً يهدف إلى القضاء على الألغام الأرضية المضادة للأفراد. وقد نصت المعاهدة بشكل قاطع على حظر استخدام هذه الألغام، ملزمة الدول الأطراف بعدم تطويرها أو إنتاجها أو حيازتها أو تخزينها أو نقلها تحت أي ظرف من الظروف. هذه البنود الأساسية تضع قيوداً صارمة على الدول لمنع انتشار هذه الأسلحة وتداولها.

وتشمل التزامات الدول المنضمة إلى المعاهدة أيضاً تدمير مخزوناتها من الألغام الأرضية المضادة للأفراد في فترة محددة، مما يضمن إزالة التهديد القائم من التخزين غير الآمن أو الاستخدام المستقبلي. بالإضافة إلى الحظر الشامل وتدمير المخزونات، تفرض المعاهدة على الدول الأطراف مسؤولية تطهير المناطق الملوثة بالألغام داخل أراضيها. يتضمن ذلك تحديد تلك المناطق بدقة وتطهيرها بشكل فعال لضمان سلامة المدنيين وإنهاء التهديد المستمر الذي تشكله هذه الأسلحة على الحياة اليومية والتنمية.

كما تلزم المعاهدة الدول الأطراف بتقديم المساعدة الشاملة لضحايا الألغام الأرضية، سواء كان ذلك من خلال توفير الرعاية الطبية الفورية، أو برامج إعادة التأهيل البدني والنفسي، أو الدعم النفسي والاجتماعي طويل الأمد. تعتبر هذه البنود أساسية في جهود المجتمع الدولي للحد من المعاناة الإنسانية الناجمة عن الألغام، وتوفير حياة كريمة للناجين منها.

الوضع الميداني للألغام في لبنان

لا يزال لبنان يعاني من تلوث واسع النطاق بالألغام الأرضية والذخائر العنقودية، مما يشكل تحدياً إنسانياً وأمنياً كبيراً يعيق التنمية ويعرض حياة المدنيين للخطر. فبحلول نهاية عام 2024، ظلت مساحة لا تقل عن 15.79 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في لبنان ملوثة بالألغام الأرضية، وهي مساحة شاسعة تحتاج إلى جهود تطهير مكثفة. ويُضاف إلى ذلك، تلوث 4.67 كيلومترات مربعة أخرى من الأراضي اللبنانية بالذخائر العنقودية، الأمر الذي يزيد من خطورة الوضع على المدنيين ويجعل جهود التطهير أكثر تعقيداً.

وفي تقديرات عام 2023، أفادت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) أن تلوث الألغام الأرضية يؤثر على ما لا يقل عن 200,000 شخص في لبنان. هذا التقييم يسلط الضوء على النطاق الواسع للمشكلة وتأثيرها المباشر على حياة شريحة كبيرة من السكان، مما يعيق الأنشطة اليومية، ويحد من الوصول إلى الموارد، ويعرقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المتضررة. وقد أدت هذه الألغام والذخائر المتفجرة إلى خسائر بشرية مأساوية على مر السنين. فبين عامي 2015 و2024، تسببت الألغام أو المتفجرات من مخلفات الحروب في مقتل ما لا يقل عن 167 شخصاً في لبنان، وتسببت في إصابات خطيرة للعديد غيرهم، مما يؤكد التهديد المستمر لحياة المدنيين وضرورة اتخاذ إجراءات فعالة.

على صعيد السياسات الدفاعية، أكد لبنان في ديسمبر 2009 أنه لم يقم قط بإنتاج أو تصدير الألغام المضادة للأفراد. هذا التأكيد يعكس موقف البلاد الثابت تجاه هذه الأسلحة ويشكل أساساً قوياً لالتزامها بالمعاهدات الدولية التي تحظرها، مما يمهد الطريق لانضمامه الكامل إلى اتفاقية أوتاوا.

تداعيات الانضمام والمسؤوليات الجديدة

جاء انضمام لبنان إلى معاهدة حظر الألغام في ظل صراع مسلح مستمر، مما يمثل خطوة مهمة ومحورية في سياق التحديات الأمنية الراهنة التي يواجهها. ومع هذا الانضمام، أصبح لبنان مطالباً بالوفاء بعدد من الالتزامات الدولية. يتوجب على البلاد تقديم تقرير شفافية أولي مفصل إلى الأمم المتحدة، يوضح فيه الوضع الحالي للألغام الأرضية في أراضيها، ومخزوناتها، وخططها لتطهير المناطق الملوثة ومساعدة الضحايا.

كما يتعين على لبنان البدء في تنفيذ أحكام معاهدة حظر الألغام بشكل كامل، والتي تتضمن التزامات محددة تتعلق بتدمير المخزونات المتبقية من الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وتطهير الأراضي الملوثة بالكامل، وتقديم المساعدة الشاملة لضحايا الألغام. هذه الخطوات تعكس التزام لبنان بالمعايير الدولية لتعزيز الأمن الإنساني في المناطق المتضررة وحماية المدنيين من مخاطر الألغام.

تحديات المعاهدة ودول خارجها

يواجه تطبيق معاهدة حظر الألغام تحديات مستمرة من بعض الدول، مما يعكس التعقيدات الجيوسياسية والعسكرية. ففي عام 2025، انسحبت خمس دول أوروبية هي لاتفيا وليتوانيا وإستونيا وفنلندا وبولندا من المعاهدة، مما أثار تساؤلات حول التزام بعض الأطراف بالمعاهدة في ظل تغير الظروف الأمنية. كما سعت أوكرانيا إلى تعليق التزاماتها بموجب المعاهدة، مشيرة إلى الصراع الدائر على أراضيها.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا تزال دول مثل البحرين ومصر وإيران وإسرائيل وليبيا والمغرب والمملكة العربية السعودية وسوريا والإمارات العربية المتحدة خارج اتفاقية حظر الألغام. هذا الوضع يشير إلى استمرار التحديات أمام تحقيق انضمام عالمي شامل للمعاهدة، ويسلط الضوء على الحاجة إلى مزيد من الجهود الدبلوماسية والإنسانية لإقناع الدول المتبقية بالانضمام إلى هذه المبادرة الهادفة إلى إنقاذ الأرواح. انضمام لبنان يمثل خطوة إيجابية في هذا السياق، ويأمل المجتمع الدولي أن يشجع دولاً أخرى في المنطقة على اتخاذ خطوات مماثلة.