حث لبنان الأمم المتحدة على إعادة النظر في خطط إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، وذلك وسط مخاوف أمنية متزايدة في المنطقة. وقد أكد لبنان على ضرورة استمرار وجود هذه القوة الأممية، مشدداً على أهمية دورها في الحفاظ على الاستقرار. أرسل أحمد عرفة، سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، رسالة إلى مجلس الأمن الدولي في 26 أغسطس، معتبراً أن إنهاء المهمة يبدو "سابقاً لأوانه" بالنظر إلى الظروف الإقليمية المتغيرة بشكل جذري. يأتي هذا التحرك اللبناني عقب تصويت مجلس الأمن الدولي في أغسطس 2025 لإنهاء مهمة اليونيفيل بحلول 31 ديسمبر 2026. تهدف المذكرة اللبنانية إلى تسليط الضوء على الحاجة الملحة لاستمرار وجود القوات الأممية في جنوب لبنان، وذلك لتجنب أي فراغ أمني محتمل قد يهدد السلام الهش في المنطقة.
تطورات ميدانية وإقليمية مقلقة
تغير السياق الأمني في لبنان وعبر الخط الأزرق وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل جذري منذ الثاني من مارس/آذار الماضي. وقد أشار مسؤولون لبنانيون إلى أن التخطيط الحالي للأمم المتحدة لفترة ما بعد اليونيفيل لم يعد يعكس الواقع على الأرض، وذلك نظراً للتطورات الأخيرة التي طرأت على المشهد الأمني الإقليمي. هذه التغيرات تثير مخاوف جدية بشأن الاستقرار في المنطقة الجنوبية من لبنان والحدود مع إسرائيل، وتستدعي مراجعة شاملة لخطط الانسحاب.
في الثاني من مارس، استأنف حزب الله وإسرائيل القتال على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية بشكل مكثف. وشهدت تلك الفترة تصعيداً في الاشتباكات المتقطعة التي كانت تجري بين الطرفين، مما أدى إلى تفاقم الوضع الأمني بشكل ملحوظ وغير مسبوق منذ سنوات. وقد أثر هذا التصعيد بشكل مباشر على المناطق الواقعة على جانبي الخط الأزرق، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً بشأن احتمال اتساع نطاق الصراع وتأثيره الكارثي على الاستقرار الإقليمي ككل. هذا التجدد للقتال غير من طبيعة التحديات الأمنية التي تواجهها اليونيفيل والمنطقة.
وكان تخطيط الأمم المتحدة للفترة التي تلي انتهاء مهمة اليونيفيل قد استند إلى مشاورات أجريت قبل هذه التطورات التي وقعت في مارس، وكذلك قبل الإطار الزمني المحدد في 26 يونيو. وبناءً على هذه المعطيات الجديدة، يرى الجانب اللبناني أن تلك الخطط لم تعد تتماشى مع الواقع الميداني الجديد الذي فرضته هذه الاشتباكات، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة للوضع الأمني والاحتياجات المستقبلية للمنطقة لضمان عدم حدوث فراغ أمني قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد. لذا، فإن الدعوة اللبنانية لإعادة النظر في قرار إنهاء المهمة تأتي في سياق هذه المتغيرات الجوهرية.
موقف لبنان الرسمي من اليونيفيل
حذرت لبنان من أن أي انسحاب لقوات اليونيفيل قد يؤدي إلى فراغ أمني خطير في المنطقة الحدودية الجنوبية، مما قد يفاقم التوترات القائمة ويزيد من احتمالات اندلاع صراع أوسع. في المقابل، تعارض إسرائيل الإبقاء على قوة دولية كبيرة في جنوب لبنان، وتدعو الجيش اللبناني إلى تولي مسؤولية تأمين الحدود بشكل كامل، معتبرة أن هذا هو الحل الأمثل لضمان الأمن على حدودها الشمالية. وصف أحمد عرفة، سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، تمديد مهمة اليونيفيل بأنه "الخيار الأكثر عملية" في هذه الظروف المتقلبة وغير المستقرة، مؤكداً أن هذا التمديد سيوفر الوقت اللازم لإيجاد حلول دائمة ومستقرة.
كما أكدت لبنان التزامها الكامل بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، والذي يدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار في المنطقة، ويحدد الإطار القانوني لوجود اليونيفيل. وأشارت لبنان أيضاً إلى التزامها باتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في نوفمبر 2024، والذي يمثل خطوة مهمة نحو تهدئة الأوضاع. شددت لبنان على التزامها بإطار عمل ثلاثي الأطراف يضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، والذي تم التوقيع عليه في 26 يونيو، معتبرة إياه آلية مهمة للحوار والتنسيق. هذه الالتزامات تؤكد جدية لبنان في البحث عن حلول سلمية ومستقرة.
خلفية تاريخية للمهمة ودورها المحوري
تعمل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في جنوب لبنان منذ عام 1978، مما يجعلها واحدة من أقدم بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وقد تم تأسيس هذه البعثة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 425 و426 بهدف مراقبة وقف إطلاق النار وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإعادة بسط السلام والأمن الدوليين. على مر العقود، تطور دور اليونيفيل ليشمل دعم الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها في المنطقة الحدودية، وتقديم المساعدة الإنسانية، وتسهيل عودة النازحين.
تضم البعثة حالياً أكثر من 7000 فرد من جنسيات مختلفة، وتنتشر قواتها على طول الخط الأزرق الفاصل بين لبنان وإسرائيل، حيث تقوم بدور حيوي في الحفاظ على الاستقرار ومنع التصعيد بين الطرفين. تتمثل مهامها الأساسية في مراقبة وقف الأعمال العدائية، ومنع التسلل غير المصرح به عبر الحدود، والعمل كوسيط بين الأطراف لتهدئة أي توترات قد تنشأ. وقد شهدت اليونيفيل فترات متفاوتة من التوتر والهدوء خلال تاريخها الطويل، ولكن وجودها ظل عنصراً أساسياً في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام في المنطقة، وتعتبر حجر الزاوية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
تداعيات الانسحاب المحتمل على الاستقرار الإقليمي
تأتي المطالبات اللبنانية بإعادة النظر في إنهاء مهمة اليونيفيل في ظل تطورات ميدانية مقلقة للغاية، حيث تحتل القوات الإسرائيلية حالياً شريطاً من جنوب لبنان يمتد حوالي 10 كيلومترات من الحدود. يثير هذا التواجد العسكري الإسرائيلي مخاوف جدية من تصعيد محتمل وكبير في حال غياب القوات الأممية، خاصة وأن المنطقة شهدت تصعيداً كبيراً منذ مارس الماضي، مع تبادل كثيف لإطلاق النار والقصف. غياب اليونيفيل في ظل هذا التواجد الإسرائيلي قد يخلق فراغاً أمنياً لا يمكن ملؤه بسهولة، مما يفتح الباب أمام مواجهات مباشرة وواسعة النطاق.
كما تفاقمت الأوضاع الإنسانية والأمنية في لبنان بشكل غير مسبوق، حيث أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 4,300 شخص في لبنان منذ شهر مارس. تؤكد هذه الأرقام المأساوية على هشاشة الوضع الأمني والحاجة الملحة لوجود قوة حفظ سلام دولية قادرة على مراقبة الوضع عن كثب، ومنع المزيد من التصعيد، وتقديم تقارير محايدة عن الانتهاكات. هذا الوجود الأممي ضروري لحماية المدنيين وتوفير بيئة أكثر أماناً، وهو ما يبرر الدعوات اللبنانية المتكررة لإبقاء اليونيفيل وتمديد مهمتها، لضمان عدم انهيار الاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم.