يتجه لبنان نحو تسريع عملية التحول الرقمي الحكومي، مما يثير تساؤلات أعمق حول كيفية استخدام الدولة للمعلومات المتوفرة لديها بالفعل. إن الدفع المتسارع للبنان نحو الحكومة الرقمية يثير تساؤلاً جوهرياً حول كيفية استغلال الدولة للمعلومات التي تمتلكها بالفعل. يدعم برنامج بقيمة 150 مليون دولار من البنك الدولي هذا التحول الرقمي في القطاع العام اللبناني، مما يؤكد على الأهمية الاستراتيجية لهذا المسعى. مؤخراً، جمع مؤتمر LEBTECH 2026 مسؤولين حكوميين ومشرعين وشركات تكنولوجيا لمناقشة قضايا حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، التنظيم، البنية التحتية، وبيانات الدولة، مما يسلط الضوء على الأبعاد المتعددة لهذا التحول.
بناء البنية التحتية للتحول الرقمي
يتضمن مشروع التسريع الرقمي (Digital Acceleration Project) عدة مكونات أساسية تهدف إلى إرساء قاعدة رقمية متينة. يشمل المشروع استضافة آمنة لبيانات الحكومة، وتعزيز الأمن السيبراني لحماية المعلومات الحساسة، وتطوير الهوية الرقمية للمواطنين، بالإضافة إلى أنظمة مصممة لتسهيل تبادل المعلومات بين المؤسسات العامة. تهدف هذه المكونات مجتمعة إلى إرساء أساس رقمي متين للقطاع العام في لبنان، مما يمهد الطريق لتقديم خدمات حكومية أكثر كفاءة وشفافية.
يمكن أن تسمح قابلية التشغيل البيني (Interoperability)، والمعايير المشتركة لواجهات برمجة التطبيقات (APIs)، والمصادقة، وتبادل البيانات للوزارات والوكالات بالتواصل عبر الأنظمة التي كانت تعمل بشكل منفصل تقليدياً. هذا النهج يهدف إلى تجاوز التقسيمات الحالية بين الإدارات الحكومية، مما يعزز الفعالية والكفاءة في العمليات الحكومية ويقلل من الازدواجية في العمل.
كما يجري تطوير التوقيعات الإلكترونية والمدفوعات الرقمية كأدوات حكومية مشتركة، بدلاً من أن تكون خدمات معزولة. يمثل هذا التطور خطوة نحو توحيد الأدوات الرقمية التي يمكن للمواطنين والشركات استخدامها عند التعامل مع الجهات الحكومية المختلفة، مما يقلل من التعقيد ويزيد من سهولة الوصول إلى الخدمات، ويعزز من تجربة المستخدم الشاملة.
تحدي البيانات المجزأة والسيادة الرقمية
يرى الباحث الحاسوبي ومهندس البرمجيات محمد صوفان أن التحدي الذي يواجه البلاد لم يعد مجرد إتاحة الخدمات عبر الإنترنت، بل ربط البيانات المجزأة بين المؤسسات حتى يتمكن المسؤولون من فهم المشكلات أثناء تطورها. يؤكد صوفان أن تحدي لبنان لا يقتصر على مجرد رقمنة الخدمات، بل يتجاوز ذلك إلى ربط البيانات المجزأة عبر المؤسسات المختلفة. أوضح صوفان قائلاً: "يمكن للحكومة نقل التطبيقات والمدفوعات والسجلات عبر الإنترنت دون أن تتحسن كثيراً في فهم ما يحدث في جميع أنحاء البلاد". هذا يؤكد على الحاجة إلى نظام متكامل يتيح رؤية شاملة للوضع في البلاد.
طرحت التساؤلات حول اتفاقية الحكومة اللبنانية مع شركة Oracle أيضاً مسألة التحكم في البيانات والسيادة الرقمية ضمن النقاش الأوسع حول التحول الرقمي في لبنان. هذه التساؤلات تسلط الضوء على المخاوف المتعلقة بملكية البيانات والتحكم فيها، خاصة في ظل سعي الدولة لتحقيق الاستقلالية الرقمية.
يُنتج لبنان بالفعل معلومات عبر مختلف الوزارات والبلديات والمدارس والمستشفيات وشبكات الاتصالات وغيرها من المؤسسات. هذه المعلومات المتنوعة تشكل ثروة بيانات هائلة إذا تم ربطها وتحليلها بشكل فعال. سيكمن الاختبار الحقيقي للدولة الرقمية في لبنان فيما إذا كانت الأنظمة الجديدة ستسمح للمؤسسات بالعمل بمعلومات كانت مبعثرة سابقاً بين وكالات مختلفة، مما يحولها إلى أداة قوية لاتخاذ القرارات المبنية على الأدلة.
رؤى متباينة حول الأزمات الداخلية
أظهرت دراسة مقارنة لتغطية الأخبار الدولية ونشاط البحث على جوجل المتعلق بلبنان خلال تصعيد مارس 2026، أن 94.9% من التغطية الدولية المصنفة ركزت على الصراع الدائر. في المقابل، كان نشاط البحث داخل لبنان أكثر تشتتاً بشكل ملحوظ خلال نفس الفترة الزمنية. فقد شكلت عمليات البحث المتعلقة بالصراع 36.9% من الاهتمام المقاس، بينما استحوذت الظروف المعيشية على 25.8%، مما يعكس اهتماماً كبيراً بالجوانب اليومية لحياة المواطنين. وشكل الاقتصاد نسبة 24.6% من إجمالي عمليات البحث، في حين بلغت نسبة الهجرة 12.7%، مما يشير إلى القلق المتزايد بشأن الفرص الاقتصادية ومستقبل الأفراد في البلاد. يعكس هذا التباين في الاهتمامات بين التغطية الدولية ونشاط البحث المحلي أولويات مختلفة تتعلق بالأزمات التي تواجه البلاد، حيث تركز التغطية الدولية على الأبعاد الأمنية، بينما ينشغل المواطنون اللبنانيون بالقضايا المعيشية والاقتصادية بشكل أكبر.