لبنان على حافة الهاوية: دبلوماسية البابا وترامب في مواجهة الحرب

EWTN News, Inc.
الصورة عبر News

غادر البابا ليو الرابع عشر لبنان في الثاني من ديسمبر/كانون الأول، حاملاً رسالة سلام وسط تصاعد التوترات الإقليمية التي تهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها. تأتي زيارة البابا، الذي وصفته الأوساط الدبلوماسية بأنه رسول سلام، في وقت حرج للغاية، حيث تسعى فيه الإدارة الأمريكية، تحديداً إدارة دونالد ترامب، إلى إنقاذ لبنان من دوامة الصراعات المتكررة. وتعمل الإدارة الأمريكية بنشاط لدفع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية نحو مفاوضات مباشرة، وهي خطوة دبلوماسية غير مسبوقة منذ 46 عاماً، مما يعكس حجم التحدي والأمل المعقود على هذه المبادرة.

وفي سياق هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة، صدر بيان مشترك في الثالث من يونيو/حزيران عقب اجتماع ثلاثي رفيع المستوى ضم ممثلين عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في العاصمة واشنطن. أكد هذا البيان بشكل قاطع أن السيادة هي جوهر العملية الدبلوماسية وأساس أي حل مستدام. هذا التأكيد يشير إلى محاولة جادة لترسيخ مبادئ التفاوض العادل والمبني على الاحترام المتبادل في ظل التحديات الجيوسياسية المعقدة التي تواجه المنطقة، ويهدف إلى توفير إطار عمل يمكن من خلاله بناء الثقة وتحقيق تقدم ملموس. وقد جاء هذا الاجتماع في ظل سعي إدارة ترامب لدفع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية نحو مفاوضات مباشرة، وهي جهود لم تحدث منذ 46 عامًا، مما يبرز الأهمية التاريخية لهذه المبادرة الدبلوماسية في منطقة طالما عانت من الصراعات والتوترات.

جذور الصراع وتداعياته الإنسانية المأساوية

يحمل لبنان في تاريخه ندوباً عميقة من الصراعات، حيث اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، مما خلف وراءه إرثاً طويلاً من عدم الاستقرار والانقسامات المجتمعية. هذا التاريخ المضطرب يلقي بظلاله على الوضع الراهن، حيث لا يزال لبنان في حالة حرب فعلية، وذلك بسبب أعمال ميليشيا مدججة بالسلاح وممولة من الخارج، والتي تعمل خارج سيطرة الحكومة اللبنانية الشرعية. هذه الميليشيا، التي تشير إليها التقارير بأنها حزب الله، تساهم في استمرار حالة التوتر وتعيق أي جهود نحو السلام الدائم. وقد تعرض حزب الله لضربات قوية بالفعل خلال حرب حماس بين عامي 2023 و2025، مما أثر على قدراته العملياتية وربما أثر على حساباته الاستراتيجية.

وقد أدت هذه الظروف الأمنية والسياسية الهشة إلى تداعيات إنسانية كارثية، حيث نزح حوالي ربع السكان، أي ما يقرب من 1.4 مليون شخص، من منازلهم بحثاً عن الأمان والاستقرار. تجاوز عدد القتلى 3500 شخص في سياق هذه التوترات المستمرة، وهو رقم يعكس حجم المعاناة والخسائر البشرية الفادحة. كما قُتل حوالي اثني عشر مدنياً مسيحياً لبنانياً في الجنوب في ظل هذه الظروف الصعبة، مما يسلط الضوء على استهداف المدنيين وتأثير الصراع على جميع مكونات المجتمع اللبناني. وفي الأول من يونيو/حزيران، وقعت حادثة مأساوية أخرى، حيث قُتل الدكتور جيمس كرم وطفلاه توني وثيودوسيا جراء غارة بطائرة مسيرة إسرائيلية، مما أثار موجة من الإدانات والاستنكار. وفي سياق متصل، أعلنت إسرائيل أن 14% من الأراضي اللبنانية، خاصة في الجنوب، هي "مناطق إطلاق نار حرة وغير مدنية"، وهو تصريح يزيد من تعقيد الوضع الإنساني والأمني في تلك المناطق، ويثير مخاوف بشأن سلامة المدنيين المتبقين هناك. هذه الظروف المعقدة، التي تشمل النزوح الواسع والعدد الكبير من القتلى، تؤكد الحاجة الملحة للتدخل الدبلوماسي الفعال لإنهاء دوامة العنف وتوفير الحماية للمدنيين الأبرياء في جميع أنحاء لبنان.

قوى المعارضة الداخلية والخارجية وتأثيرها على مسار السلام

في المشهد اللبناني المعقد، تتشابك مصالح قوى داخلية وخارجية، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول دائمة. تسعى المساعي المرتبطة بحزب الله وإيران إلى الإبقاء على لبنان كمنصة استراتيجية لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ضد إسرائيل، وفقاً لتقارير إعلامية وتقييمات محللين متخصصين في شؤون المنطقة. يرى هذا التوجه أن الوجود المسلح لحزب الله يخدم مصالح إقليمية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية، ويستخدم كأداة ضغط في الصراعات الإقليمية. هذا النهج يتعارض بشكل مباشر مع تطلعات جزء كبير من الشعب اللبناني نحو الاستقرار والسيادة الكاملة لبلادهم.

في المقابل، تسعى المملكة العربية السعودية وعدة دول عربية وإسلامية سنية أخرى إلى "إبقاء لبنان في اللعبة" لأي ترتيبات كبرى مستقبلية في المنطقة، وذلك عبر عرقلة التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد في الوقت الراهن. تشير هذه الدول إلى أن أي تسوية فورية قد لا تخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة على المدى الطويل، مفضلةً الحفاظ على الوضع الراهن لحين ظهور ظروف سياسية مواتية بشكل أكبر تسمح بتحقيق تسوية شاملة تتناسب مع رؤاها الإقليمية. هذا التباين في الأهداف يزيد من تعقيدات المشهد الدبلوماسي ويجعل مهمة تحقيق السلام أكثر صعوبة.

في سياق متصل، أظهرت الأحداث الأخيرة أن حزب الله قاوم دعوة أسياده الإيرانيين للانضمام إلى الصراع لمدة حوالي 48 ساعة، وهو ما أثار تساؤلات جدية حول مدى استقلالية قراره في الأوقات الحرجة. يشير هذا التأخير إلى وجود حسابات داخلية معقدة لدى الحزب، قد تكون مرتبطة بتقييمه للوضع الميداني، أو للضغوط المحلية والدولية التي يتعرض لها، أو حتى لتقديره لتداعيات الانخراط الكامل في صراع أوسع. هذه الحسابات قد تفتح نافذة محتملة للتأثير على قرارات الحزب مستقبلاً. وقد أظهر استطلاع للرأي أُجري في مايو 2026 بين اللبنانيين أن هناك تأييداً واسعاً من قبل المسيحيين والدروز والمسلمين السنة لنزع سلاح حزب الله ونوع من السلام مع إسرائيل. تعكس هذه النتائج تطلعات داخلية واسعة النطاق نحو الاستقرار وإنهاء حالة النزاع المسلح، وتشير إلى وجود قاعدة شعبية كبيرة تدعم التغيير في الوضع الأمني والسياسي الحالي، وتتوق إلى مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً بعيداً عن الصراعات. هذه النتائج تعزز من فكرة أن الرغبة في السلام ليست محصورة في فئة معينة، بل هي مطلب شعبي عابر للطوائف، مما يضع ضغوطًا إضافية على الأطراف الفاعلة لتبني مسار دبلوماسي حقيقي.

مسارات الحلول والدبلوماسية: أمل في وسط الأزمات

بعد ثلاثة أشهر فقط من زيارة البابا ليو الرابع عشر، التي حملت معها رسائل الأمل والسلام، انغمس لبنان للأسف في حرب جديدة، مما يؤكد هشاشة الوضع وصعوبة الحفاظ على الاستقرار. تأتي هذه التطورات في وقت تتقارب فيه مواقف إدارة دونالد ترامب والبابا ليو الرابع عشر بشكل لافت بشأن مسألة لبنان، حيث يشتركان في رؤية ضرورة الحلول الدبلوماسية كسبيل وحيد لتجنيب البلاد المزيد من الدمار. وقد أظهرت استطلاعات الرأي بوضوح أن غالبية اللبنانيين لم يكونوا يرغبون في دخول بلادهم حرباً أخرى، مما يعكس تطلعات شعبية عميقة نحو الاستقرار والسلام المستدام بعيداً عن دوامة العنف. هذا التوافق بين الإدارة الأمريكية والفاتيكان، مدعومًا بالرأي العام اللبناني الرافض للحرب، يمثل نقطة انطلاق قوية للجهود الهادفة إلى تحقيق سلام دائم وشامل في المنطقة.

خلال الصراع الذي وقع عام 2026، أرسلت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل رسائل واضحة عبر وسطاء موثوقين، تشجع حزب الله بقوة على عدم الانخراط في الحرب. هذه الرسائل تعكس رغبة دولية في احتواء الصراع ومنع اتساعه ليشمل لبنان بشكل كامل، مما قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية أوسع. من جهة أخرى، برز دعم قوي للمفاوضات من قبل شخصيات ومؤسسات دينية مؤثرة داخل لبنان، حيث دعم البطريرك الماروني الكاثوليكي ومجلس الأساقفة الموارنة في لبنان هذه الجهود الدبلوماسية بشكل علني. دعا مجلس الأساقفة الموارنة مؤخراً إلى حياد لبنان، وهو مبدأ تاريخي للسياسة الخارجية اللبنانية، وإلى إجراء محادثات سلام مع إسرائيل "تحت رعاية عربية ودولية"، بهدف إيجاد حلول مستدامة. كما دعا المجلس إلى العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949، والتي تمثل إطاراً تاريخياً للتعايش السلمي. وأكد المجلس في بيانه أن "أولويات الشعب ليست الصراعات المسلحة، بل الأمن والاستقرار واستعادة سبل العيش"، مسلطاً الضوء على الاحتياجات الأساسية للمواطنين اللبنانيين التي طغت عليها سنوات الصراع.

في خطابه الوداعي المؤثر من بيروت في الثاني من ديسمبر/كانون الأول، قدم البابا ليو الرابع عشر رؤيته للسلام، قائلاً إن "الكفاح المسلح لا يجلب أي فائدة على الإطلاق. فبينما الأسلحة فتاكة ومدمرة، فإن التفاوض والوساطة والحوار هي أدوات بناءة وقادرة على تحقيق السلام الحقيقي. دعونا جميعاً نختار السلام كطريق نسلكه، وليس مجرد هدف نسعى لتحقيقه!". هذه الكلمات القوية تشدد على الأهمية القصوى للدبلوماسية والحوار كوسائل فعالة لتحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة، وتدعو جميع الأطراف إلى تبني نهج سلمي لحل النزاعات بدلاً من اللجوء إلى العنف الذي لا يجلب سوى المزيد من الدمار والمعاناة. إن الرسالة البابوية، المدعومة بالجهود الدبلوماسية لإدارة ترامب والرغبة الشعبية اللبنانية، ترسم مسارًا واضحًا نحو مستقبل يمكن فيه للبنان أن يتجاوز تحدياته وأن يعود إلى دوره كمركز للتعايش والسلام في الشرق الأوسط.