يواجه آلاف المسيحيين في جنوب لبنان حالياً تصعيداً عسكرياً متصاعداً بين حزب الله وإسرائيل، ليجدوا أنفسهم عالقين في تبادل إطلاق النار المستمر. هذه المجتمعات، التي طالما سعت للحفاظ على هدوئها واستقرارها، باتت اليوم في قلب عاصفة إقليمية تهدد وجودها ومستقبلها. تقول الحكومة في بيروت إنها تواجه احتلالاً ثانياً بعد حرب لم تكن ترغب فيها، في إشارة إلى عمق الأزمة التي تعصف بالبلاد. وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، في بيروت في 30 مايو/أيار، أن الحرب فُرضت على لبنان، مؤكداً على الطابع القسري لهذا الصراع الذي لم يكن خياراً لبنانياً. قال سلام بلهجة تحمل الكثير من الألم والتضامن: "لم تكن هذه حرب اختيار. لقد فُرضت علينا. يا أهل الجنوب: لستم وحدكم. ألمكم هو ألم لبنان." هذه الكلمات تعكس حجم المعاناة التي يعيشها سكان الجنوب، وتؤكد على أن الدولة اللبنانية ترى نفسها ضحية لصراع أوسع نطاقاً مفروض عليها.
برز حزب الله من الفوضى التي سادت العقد الماضي، ونما بملء الفراغ الذي خلفته الدولة، مما أثر على الديناميكيات الإقليمية بشكل كبير. هذا التمدد عزز من نفوذ الحزب في المشهد اللبناني، وجعله لاعباً رئيسياً في الصراعات الإقليمية، مما وضع لبنان في مواجهة تحديات جيوسياسية معقدة تتجاوز قدرة الدولة على التحكم.
تصاعد العنف وتداعياته الإنسانية
شهدت المنطقة تصعيداً حاداً في الأعمال العدائية عندما أطلقت جماعة حزب الله صواريخ على إسرائيل في الثاني من مارس/آذار، في خطوة جاءت دعماً لطهران، مما أسفر عن رد إسرائيلي عنيف. وقد تصاعدت حدة التوترات بشكل كبير منذ ذلك الحين، لتتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وقد أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء واسعة النطاق للمناطق الحدودية، كما أعلنت نيتها القضاء على المسلحين الشيعة من قواعدهم الجنوبية، بالإضافة إلى أجزاء من بيروت ووادي البقاع، في استهداف شامل يهدد بتوسيع نطاق الصراع ليشمل مناطق أوسع في لبنان.
تجاوز عدد القتلى اللبنانيين 400 شخص جراء الضربات الإسرائيلية، وذلك بعد تجاهل إلى حد كبير لوقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة وبدأ في منتصف أبريل/نيسان. هذا التجاهل يعكس عدم جدوى الجهود الدبلوماسية في وقف دوامة العنف المستمرة. وصل العدد الإجمالي للقتلى في لبنان إلى ما لا يقل عن 3400 شخص، مما يشير إلى حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالبلاد وتأثيرها المدمر على حياة المدنيين. وفي الفترة ذاتها، قُتل عشرة جنود إسرائيليين، مما يؤكد على أن الصراع يكبد الطرفين خسائر بشرية فادحة.
وشهدت هذه الفترة تدمير حوالي 60 بلدة وقرية لبنانية بالكامل، إضافة إلى تدمير البنية التحتية الرئيسية بشكل واسع، ونزوح نحو 1.2 مليون شخص من منازلهم، ليتحولوا إلى لاجئين داخل وطنهم يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة. ومنذ شهر مارس/آذار، قُتل أكثر من 20 جندياً إسرائيلياً وأربعة مدنيين، مما يبرز استمرار الخسائر البشرية على الجانب الإسرائيلي أيضاً، ويؤكد على أن دوامة العنف لا تفرق بين المدنيين والعسكريين. في خضم هذا التصعيد، غادر الجنود اللبنانيون مواقعهم الجنوبية، لتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، في خطوة تعكس رغبة الجيش اللبناني في النأي بنفسه عن الصراع المباشر بين حزب الله وإسرائيل، وتجنب جر البلاد إلى حرب أوسع نطاقاً قد تكون عواقبها وخيمة.
الوجود المسيحي تحت وطأة الصراع
في ظل هذه الأوضاع المتقلبة والمخاطر المتزايدة، بقيت ريتا إلياس، وهي أم لطفلين في السادسة والثلاثين من عمرها، في بلدة رميش لحماية ممتلكاتها، وشركة النقل التابعة لزوجها، ومزرعة التبغ الخاصة بهما. صرحت إلياس بعبارات تعكس تمسكها بأرضها ومصدر رزق عائلتها، قائلة: "لم نرغب في المغادرة والعودة إلى لا شيء. لا نريد أن نخسر مصدر رزقنا." هذا القرار، رغم المخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها البقاء في منطقة نزاع، يعكس الارتباط العميق للأسر اللبنانية بأراضيها وممتلكاتها، وتصميمها على الصمود في وجه التحديات. تقدر تقديرات مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) أن المسيحيين يشكلون حوالي 28% من سكان لبنان الذين يبلغ عددهم 6 ملايين نسمة، مما يجعلهم مكوناً ديموغرافياً مهماً وحيوياً في النسيج اللبناني المتنوع، ويبرز أهمية حماية وجودهم.
تعرضت المجتمعات المسيحية لأعمال تدمير وتدنيس مروعة، ففي دبل، قام جنود إسرائيليون بتدنيس تمثال لمريم العذراء وحطموا تمثالاً آخر للمسيح بمطرقة ثقيلة، مما أثار غضباً واسعاً واعتبر انتهاكاً صارخاً للمقدسات الدينية ولحرمة الأماكن المقدسة. وفي بلدة القلايا، قُتل كاهن رعية بنيران المدفعية الإسرائيلية في مارس، كما قُتل أب وطفلاه في غارة إسرائيلية هذا الأسبوع، مما يسلط الضوء على الخسائر البشرية الفادحة التي تتكبدها المجتمعات المحلية المسيحية وغيرها من المجتمعات في الجنوب، ويؤكد على تزايد المخاطر التي يواجهها المدنيون. لم تشهد رميش، وهي بلدة يبلغ عدد سكانها حوالي 6000 نسمة، أي دمار أو وفيات تقريباً، لكنها محاطة بالفوضى والعنف من كل جانب، مما يجعل سكانها يعيشون في حالة ترقب وقلق دائمين، محاصرين بالصراع الدائر حولهم.
خلال الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، كان الناس في جنوب لبنان يتبادلون السلع الإسرائيلية، وكانت إسرائيل توفر الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى للمنطقة. هذا التاريخ المعقد يلقي بظلاله على الوضع الحالي، حيث يتذكر البعض تلك الفترة بتعقيداتها، وكيف كانت الحياة مختلفة في ظل ظروف أخرى. قالت إلياس، معبرة عن شعور عميق بالعزلة واليأس الذي يتملك الكثيرين: "دمك سيجف قبل أن يتمكن أي شخص من الوصول إليك للمساعدة. نحن نعاني من هذا." هذا الشعور بالوحدة يتردد صداه في قلوب الكثيرين من سكان الجنوب الذين يشعرون بالتخلي عنهم من قبل السلطات المركزية والمجتمع الدولي، مما يزيد من معاناتهم النفسية.
يُقيم الأب نجيب قداساً يومياً في كنيسة رميش التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر، مما يمثل بصيص أمل وثبات في وجه الظروف الصعبة، وملاذاً روحياً للمجتمع. نمت الجالية في رميش مع انتقال المسيحيين من القرى المجاورة خلال الحكم العثماني في أربعينيات القرن التاسع عشر وبين عامي 1969 و1982، مما يدل على تاريخ طويل من الصمود والنمو في هذه المنطقة، وتأكيد على عمق جذورهم فيها. تمتلك عائلة إلياس 45 دونماً (11 فداناً) من حقول التبغ، وهي مصدر رزقهم الرئيسي الذي يعتمدون عليه في معيشتهم. قاموا بزراعة حوالي 22% فقط من حقول التبغ الخاصة بهم هذا العام بسبب الظروف الأمنية غير المستقرة التي حالت دون الوصول إلى الأراضي أو زراعتها بشكل كامل، مما يعكس الأثر الاقتصادي المباشر للصراع على سبل العيش. توقفت شركة النقل التابعة لعائلة إلياس، والتي كانت تنقل البضائع بين الجنوب وبيروت، بشكل كامل، مما أثر بشكل كبير على دخل الأسرة وسبل عيشها، وحرمها من مصدر دخل حيوي.
الوضع الأمني والسياسي المعقد
تتقدم القوات الإسرائيلية شمال نهر الليطاني، الذي يمثل خطاً فاصلاً مهماً في جهود الأمم المتحدة الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار. وقد قامت إسرائيل بإنشاء "منطقة أمنية" جنوب النهر، تسيطر من خلالها على الوصول إلى منطقة تمتد على طول 120 كيلومتراً على الحدود وتتوغل 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. يمثل هذا التوغل أعمق عملية عسكرية إسرائيلية في لبنان خلال ربع قرن، مما يعكس تصعيداً كبيراً في النزاع وتهديداً للسيادة اللبنانية. سبق لحزب الله وإسرائيل أن خاضا حربين رئيسيتين أخريين تعودان إلى عام 2006، مما يبرز التاريخ الطويل من المواجهات العسكرية بين الطرفين، ويدل على عمق العداء المستمر.
وبموجب أحدث اتفاق لوقف إطلاق النار، ستبدأ القوات المسلحة اللبنانية تدريجياً في الانتشار في "مناطق تجريبية" بعد انسحاب إسرائيل، في محاولة لاستعادة السيطرة اللبنانية على الأراضي وتأكيد وجود الدولة. وفي سياق الوضع الأمني المتدهور، صرحت ساريت زهافي، رئيسة مركز ألما للبحث والتعليم (Alma Research and Education Center)، في 31 مايو/أيار، أن سكان رميش وعين إبل ودبل بحاجة ماسة إلى الحماية والمساعدة الإنسانية، مشددة على ضرورة التدخل العاجل لإنقاذ هذه المجتمعات. يأتي هذا التطور في ظل تداعيات الصراع المستمر الذي يؤثر بشكل مباشر على المجتمعات المحلية في جنوب لبنان، ويزيد من معاناتها على كافة المستويات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
جهود الإغاثة والدعم الحكومي
تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في جنوب لبنان بشكل كبير نتيجة للصراع، حيث ارتفعت أسعار الخضروات بأكثر من 20%، بينما سجلت أسعار الخبز زيادة بنحو 15%، مما يثقل كاهل الأسر ويقلل من قدرتها الشرائية بشكل كبير، ويهدد الأمن الغذائي للسكان. وفي هذا السياق، قدمت الحكومة دعماً لحوالي 50 ألف أسرة متعففة في الجنوب، تراوحت المدفوعات بين 20 دولاراً و150 دولاراً لكل أسرة، في محاولة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عنهم وتقديم بعض العون المالي الضروري.
وفي خطوة لتعزيز الدعم الإنساني والتنموي، أعلن رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، عن حزمة مساعدات بقيمة 360 مليون دولار للمجتمعات المحلية، تم الحصول عليها من مقرضين دوليين. تهدف هذه الحزمة إلى دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار في المناطق المتضررة، وتوفير الموارد اللازمة لتعافي المجتمعات. كما وصلت حوالي 25 شاحنة مساعدات إلى رميش والبلدات المجاورة في منتصف مايو/أيار، لتوفير الإغاثة العاجلة للمتضررين من الصراع، وتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والمستلزمات الضرورية، في محاولة لتخفيف المعاناة الفورية. هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل قطرة في محيط من الاحتياجات المتزايدة، في ظل استمرار الصراع وتداعياته المدمرة على حياة آلاف اللبنانيين في الجنوب، الذين يواجهون مستقبلاً غامضاً ومخاطر متزايدة.