عودة محدودة إلى النبطية بعد هدوء نسبي: دمار واسع وصدمة إنسانية

A municipality worker uses a skid loader as he cleans a destroyed market shop following the announcement of an initial ceasefire agreement between the United States and Iran, in Nabatiyeh town, southern Lebanon, Tuesday, June 16, 2026.
الصورة: AP Photo/Hussein Malla عبر News

عادت عايدة جليلاتي (Aida Jleilati) وابنتها سكينة المهتدي (Sukaina al-Muhtadi) إلى النبطية، جنوب لبنان، يوم الثلاثاء لتفتيش أنقاض منزلهما، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع في المنطقة في وقت متأخر من يوم الأحد. يُعد هذا الاتفاق، الذي أشار مسؤولون إيرانيون إلى أنه سيفرض أيضاً إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، نقطة تحول محتملة بعد فترة طويلة من الاشتباكات العنيفة التي شهدتها المنطقة. هذه العودة المحدودة للسكان تأتي في ظل ظروف صعبة، حيث لم تتوقف الاشتباكات في جنوب لبنان بشكل كامل بعد الاتفاق، لكن الضربات أصبحت أكثر محدودية، مما منح بعض الأسر فرصة لتقييم الأضرار. قالت جليلاتي معبرة عن صدمتها البالغة وحجم الخسارة التي تعرضت لها: "ماذا أقول؟ كل ما جمعناه في حياتنا قد ضاع هباءً."

تُعرف النبطية تاريخياً بسوقها الذي يقام كل يوم اثنين، والذي كان يشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً للمنطقة، حيث يتدفق إليه التجار والزبائن من القرى المحيطة لتبادل السلع والمنتجات. وقد شكّلت المدينة مركزاً للأنشطة الدينية والثقافية منذ تأسيس لبنان كدولة في عام 1920، مما يمنحها أهمية تاريخية وروحية عميقة في النسيج اللبناني. كما تُعد النبطية مركزاً رئيسياً في لبنان حيث يُحيي المسلمون الشيعة شعائر عاشوراء، وهو ما يعكس مكانتها كمدينة ذات طابع ديني وثقافي بارز وتجمع ديني مهم. هذه الأهمية التاريخية والثقافية تجعل الدمار الذي لحق بها أكثر إيلاماً لسكانها الذين يرتبطون بها ارتباطاً وثيقاً، ليس فقط كمكان للعيش ولكن كجزء لا يتجزأ من هويتهم وتراثهم.

قصص العودة وسط الأنقاض: البحث عن بقايا الماضي

دُمّر منزل عايدة جليلاتي وابنتها سكينة المهتدي في غارة جوية إسرائيلية أواخر شهر مايو/أيار، مما أجبرهما على العودة لتفتيش الأنقاض بعد هدوء نسبي في المنطقة. كانت الغارة التي دمرت المنزل قد وقعت في 26 مايو/أيار، مما ترك العائلة بلا مأوى وأسفر عن تدمير شامل لممتلكاتهم. وسط الركام والدمار، استطاعت جليلاتي أن تنتشل من تحت الأنقاض بعض معدات الغوص الخاصة بزوجها وبعض الملابس، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي لحق بممتلكات العائلة ولكنه أيضاً يظهر إصرارها على استعادة أي جزء من حياتهم السابقة. كما عثرت الأم وابنتها على ساعة ثمينة كانت والدة المهتدي قد أهدتها لها، وهي قطعة تحمل قيمة عاطفية كبيرة وسط أنقاض حياتهم، وتُعد رمزاً للذكريات التي يحاولون الحفاظ عليها. كانت سكينة المهتدي تأمل بشكل خاص في العثور على ألبوم صور من طفولتها، في محاولة يائسة للتشبث ببعض الذكريات من ماضٍ سليم، وإعادة ربط نفسها بجذورها في هذه المدينة المدمرة. كانت جليلاتي قد عبرت سابقاً عن صدمتها، قائلة: "ماذا أقول؟ كل ما جمعناه في حياتنا قد ضاع هباءً." هذه الكلمات تلخص حجم اليأس والألم الذي يعتري الكثيرين ممن فقدوا كل شيء، وتجسد حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بهم.

لم يكن منزل جليلاتي مجرد سكن عادي، بل كان مبنى مكوناً من ثلاثة طوابق يضم ست شقق سكنية، وقد انهار بالكامل جراء الضربة الجوية. هذا التدمير الشامل لم يترك العائلة فحسب، بل بقية السكان الذين كانوا يقطنون الشقق الأخرى بلا مأوى، مما يزيد من الأزمة الإنسانية في المدينة التي تعاني أصلاً من نقص الموارد. تعكس هذه الحادثة جانباً قاسياً من المعاناة الإنسانية التي يواجهها سكان المنطقة، حيث تُركوا ليتعاملوا مع تبعات الصراع الذي دمر منازلهم ومصادر رزقهم، وأفقدهم شعورهم بالأمان والاستقرار. الجهود المضنية المبذولة لانتشال المتعلقات الشخصية من بين الأنقاض تسلط الضوء على عمق الخسائر المادية والمعنوية التي تكبدتها الأسر المتضررة، والتي تحاول جاهدة استعادة أي جزء من حياتها السابقة وإعادة بناء ما تبقى من ذكرياتها ومستقبلها.

النبطية: مدينة تحت الحصار والدمار

تعرض منزل سمر الزريق (Samar Zuraik) لأضرار بالغة، لكنه لا يزال قائماً، غير أن الثمن الذي دفعته كان باهظاً بشكل لا يصدق؛ فقد قُتل ابنها علي، البالغ من العمر 27 عاماً، في غارة جوية إسرائيلية، مما تركها في حداد عميق. وصرحت الزريق بأن النبطية أصبحت غير صالحة للسكن بسبب القصف المتواصل وانعدام الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والهواتف والإنترنت، مما يجعل الحياة اليومية مستحيلة تقريباً ويدفع السكان إلى النزوح. وقالت سمر الزريق معبرة عن أسفها العميق وأولوياتها المأساوية: "أتمنى لو خسرت بيتي وبقي ابني على قيد الحياة"، في شهادة مؤثرة على حجم الخسارة البشرية التي لا يمكن تعويضها، والتي تفوق أي خسارة مادية.

خضعت النبطية لقصف جوي مكثف وقصف مدفعي عنيف خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، مما أدى إلى دمار واسع النطاق في البنية التحتية والممتلكات، وشوه معالم المدينة التاريخية. وقد عانى سوق النبطية، الذي يُعد القلب الاقتصادي للمدينة، من دمار واسع النطاق، مما أثر بشكل مباشر على سبل عيش الآلاف من التجار والعاملين الذين يعتمدون عليه. وقد توغلت القوات الإسرائيلية عميقاً في جنوب لبنان، ووصلت إلى مسافة حوالي 4 كيلومترات (2.5 ميلاً) جنوب شرق النبطية، مما يدل على شدة وتوسع العمليات العسكرية في المنطقة، ويشير إلى قرب المواجهات من المناطق السكنية.

يوم الثلاثاء، استمرت الاشتباكات على الرغم من الاتفاق الأخير، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية قذائف مدفعية باتجاه أطراف النبطية، مما يؤكد أن الهدوء لا يزال هشاً وأن التوترات لم تخمد بالكامل بعد. وفي المقابل، أطلق حزب الله صواريخ على مواقع إسرائيلية بالقرب من المدينة، مما يشير إلى استمرار تبادل النيران وردود الفعل المتبادلة. وقد قاتلت القوات الإسرائيلية لأيام للسيطرة على تلة علي الطاهر التي تطل على أجزاء واسعة من النبطية، وهي نقطة استراتيجية تمنح سيطرة نارية ومراقبة على المدينة، مما يجعلها هدفاً عسكرياً حيوياً. هذه المعارك المستمرة ترسم صورة لواقع معقد حيث التوترات لا تزال مرتفعة والهدوء بعيد المنال تماماً، مما يثير مخاوف السكان من تجدد الصراع في أي لحظة.

حصيلة الحرب: خسائر بشرية ومادية فادحة

تأتي عودة السكان إلى بيوتهم بعد إعلان اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء صراعهما، وهو الاتفاق الذي يقول مسؤولون إيرانيون إنه سيفرض أيضاً إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. وقد كانت اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، التي دخلت حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان، تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار، مما يثير تساؤلات حول مدى ديمومة الاتفاق الحالي وقدرته على الصمود أمام التحديات. يشعر السكان بالقلق من أن يكون هذا الهدوء مجرد فترة مؤقتة قبل عودة التصعيد، وأنهم قد يضطرون إلى النزوح مرة أخرى.

وقدّر كامل الكامل (Kamel al-Kamel)، 75 عاماً، خسائره بمبلغ 2.5 مليون دولار بعد أن احترق متجره الكبير ومحمصة القهوة الخاصة به بالكامل، وهي مصادر رزقه التي بناها على مدار عقود من العمل الشاق. وصرح الكامل بأن الحرب الأخيرة كانت الأسوأ التي عاشها على الإطلاق، بما في ذلك الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً والغزو الإسرائيلي عام 1982، مضيفاً بمرارة: "الحمد لله أننا ما زلنا على قيد الحياة"، وهي شهادة على مدى قسوة هذه الحرب مقارنة بالصراعات السابقة التي شهدها لبنان، وتجسد حجم الدمار الذي خلفته هذه الحرب في نفوس وعيش السكان. هذه الخسائر المادية الضخمة تعكس الدمار الاقتصادي الذي لحق بالمنطقة، مما يتطلب جهوداً هائلة لإعادة الإعمار والتعافي، ودعماً دولياً لمساعدة المتضررين على استعادة حياتهم.

تعامل مستشفى النجدة الشعبية (Najdeh El Chaabiyeh Hospital)، الواقع على أطراف النبطية، مع مئات الجرحى خلال فترة الصراع، وكان خط الدفاع الأول للكثيرين، حيث قدم الرعاية الطبية العاجلة للمصابين. وقال الدكتور شافي فوعاني (Dr. Shafi Fouani)، المدير الطبي لمستشفى النجدة الشعبية، إن الحرب الأخيرة كانت مشابهة لحرب عام 2024 من حيث الشدة والدمار، ووصفها بأنها "حرب قاسية جداً"، مما يؤكد حجم المعاناة التي شهدها الطاقم الطبي والمرضى تحت القصف المستمر. خلال الحرب الحالية، تعامل المستشفى مع حوالي 500 حالة وفاة وقدم العلاج لنحو 1,200 مريض، مما يبرز الضغط الهائل الذي تعرضت له المنشآت الطبية ونقص الموارد في مواجهة هذا العدد الكبير من الضحايا.

تجاوزت الخسائر البشرية في لبنان أرقاماً مفجعة؛ فقد قُتل أكثر من 3,800 شخص في لبنان خلال المعارك الأخيرة، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، مما يمثل حصيلة مأساوية للحرب ويشير إلى حجم الكارثة الإنسانية. في المقابل، قُتل 30 جندياً إسرائيلياً ومقاول دفاعي في جنوب لبنان أو بالقرب منه، فيما سقط مدنيان اثنان في شمال إسرائيل، مما يوضح أن الصراع خلف ضحايا من كلا الجانبين، وأن الثمن البشري للحرب كان باهظاً للجميع. هذه الأرقام تعكس الثمن البشري الباهظ الذي دفعه المدنيون والعسكريون على حد سواء في هذه الحرب المدمرة، وتؤكد الحاجة الملحة إلى سلام دائم في المنطقة.

آفاق المستقبل وهشاشة الهدوء: تحديات العودة

رغم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لم تتوقف الاشتباكات في جنوب لبنان بشكل كامل، لكن الضربات أصبحت أكثر محدودية، مما يمنح نافذة أمل صغيرة للسكان للعودة وتفقد ممتلكاتهم، وإن كان الحذر لا يزال يسيطر على الأجواء. في غضون ذلك، عادت عايدة جليلاتي وابنتها سكينة المهتدي لتفقد أنقاض منزلهما المدمر، في رحلة بحث عن بقايا حياتهما وذكرياتهما. كانت سكينة تأمل في العثور على ألبوم صور من طفولتها بين الركام، وعثرت الأم وابنتها على ساعة ثمينة كانت والدة المهتدي قد أهدتها لها، وهي لحظة مؤثرة وسط الدمار ترمز إلى الأمل في استعادة بعض من الماضي. صرحت عايدة جليلاتي عن الوضع قائلة: "ماذا أقول؟ كل ما جمعناه في حياتنا قد ضاع هباءً." هذه الكلمات تعكس حجم الخسارة والشعور باليأس الذي يسيطر على العديد من العائدين، لكنها أيضاً تحمل في طياتها صبراً وقوة لمواجهة الواقع.

في الوقت الحالي، تخطط جليلاتي والمهتدي للعودة إلى ضاحية بيروت التي يقيمان فيها حالياً، حيث يجدان بعض الاستقرار المؤقت بعيداً عن خطوط المواجهة، بينما يقيّمان خياراتهما المستقبلية. في محاولة لتأمين المناطق المتضررة، أغلقت القوات اللبنانية بعض الطرق المؤدية إلى المناطق التي تتواجد فيها القوات الإسرائيلية داخل لبنان، مما يزيد من تعقيد حركة السكان وعودتهم، ويفرض قيوداً إضافية على حرية التنقل. ورغم كل الصعوبات والدمار، أكدت سكينة المهتدي تمسكها بمدينتها قائلة: "لا يمكننا العيش خارج النبطية"، معبرة عن الارتباط العميق للأهالي بأرضهم ومدينتهم، وتصميمهم على العودة وإعادة البناء مهما كانت التحديات. هذه العبارة تلخص صمود سكان النبطية ورغبتهم في استعادة حياتهم في مدينتهم المحبوبة، على الرغم من كل ما مرت به من ويلات الحرب، وتؤكد أن الأمل في العودة والبناء لا يزال حياً.