نهاية مهمة اليونيفيل في لبنان: تداعيات قرار أممي على الاستقرار الإقليمي

A UNIFIL soldier at the UN mission base in the Lebanese town of Houla, September 2, 2019.
الصورة: Ali Hashisho (REUTERS) عبر News

أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا بإنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) بحلول عام 2025، ما يشير إلى تحول كبير في الوضع الأمني في جنوب لبنان. يأتي هذا القرار الأممي بعد عقود من وجود القوة الدولية في المنطقة، مما يثير تساؤلات حول التداعيات المحتملة على الاستقرار الإقليمي. وقد حدد مجلس الأمن الدولي موعدًا نهائيًا لانتهاء مهمة اليونيفيل بشكل كامل في يناير 2027، مما يضع جدولًا زمنيًا واضحًا لانسحاب هذه القوة الدولية التي لعبت دورًا محوريًا في المنطقة منذ تأسيسها.

تأسست مهمة اليونيفيل قبل 48 عامًا، في عام 1978، بهدف مراقبة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان واستعادة السلام والأمن الدوليين في المنطقة. على مدار ما يقرب من خمسة عقود، عملت القوة الأممية كحاجز بين لبنان وإسرائيل، وساهمت في حفظ الهدوء النسبي عبر حدود حساسة. وقد شملت مهامها في جنوب لبنان مراقبة وقف إطلاق النار، ودعم الجيش اللبناني، وتقديم المساعدة الإنسانية. حالياً، يتكون قوام اليونيفيل من 7,478 جندياً من 47 دولة، يعملون في ظروف بالغة التعقيد والخطورة لضمان استقرار المنطقة.

تاريخ المهمة وجذور القرار

تأسست بعثة اليونيفيل (UNIFIL) في عام 1978 في أعقاب الغزو الإسرائيلي الثالث لجنوب لبنان. جاء إنشاء القوة الأممية في وقت شهدت فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً كبيراً، وكان الهدف الأساسي من وجودها هو مراقبة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية واستعادة السلام والأمن الدوليين. وصلت أولى دفعات قوات اليونيفيل في ذات العام، لتتمركز في جنوب لبنان في محاولة لتهدئة الأوضاع على طول الحدود المضطربة. وقد تطورت مهام القوة على مر السنين لتشمل دعم الجيش اللبناني والحفاظ على الاستقرار.

وقد شهدت المنطقة تطورات بارزة أدت إلى تعديل ولاية اليونيفيل، أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. صدر هذا القرار في عام 2006 بعد حرب لبنان الثانية، وأمر بوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله. نص القرار بشكل صريح على ضرورة أن يكون الجيش اللبناني هو القوة المسلحة الوحيدة في جنوب لبنان، إلى جانب قوات اليونيفيل، مما يعني حظر وجود أي جماعات مسلحة أخرى في تلك المنطقة. شكل هذا القرار علامة فارقة في ولاية اليونيفيل، حيث منحها صلاحيات أوسع لدعم السيادة اللبنانية ومنع أي انتهاكات للحدود، وأكد على أهمية الدور الذي تلعبه القوة الأممية في تحقيق الأمن الإقليمي.

على مدار ما يقرب من خمسة عقود، عملت اليونيفيل كحاجز حيوي بين لبنان وإسرائيل. وقد ساهمت هذه القوة الدولية في الحفاظ على الهدوء النسبي عبر هذه الحدود الحساسة، وقدمت الدعم للسكان المحليين من خلال أنشطتها المدنية والإنسانية. وخلال هذه الفترة، تمكنت اليونيفيل من بناء علاقات مع المجتمعات المحلية والجيش اللبناني، مما مكنها من أداء مهامها في بيئة معقدة ومتوترة. بعد عام 2006، شهدت المنطقة فترة استقرار استمرت 17 عامًا، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي لوجود اليونيفيل وتطبيق القرار 1701، مما يؤكد على أهمية استمرار هذا الدور في غياب أي بديل فعال.

التصعيد الحالي وتأثيره على اليونيفيل

بدأت التوترات الإقليمية تتصاعد بشكل كبير بعد هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. عقب هذا الهجوم، شرع حزب الله في استهداف إسرائيل لدعم حليفه الفلسطيني، مما أدى إلى تصعيد متبادل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وقد استمر إطلاق حزب الله للنيران باتجاه إسرائيل في مارس من هذا العام 2026، ما يعكس استمرار المواجهة العسكرية ويضع ضغوطاً هائلة على مهمة اليونيفيل.

في ظل هذه الأحداث، وثقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) حوالي 53,700 مسار نيران بين 2 مارس و9 يونيو. تُعزى حوالي 6,000 من هذه المسارات إلى جهات فاعلة غير حكومية، والتي تفترض اليونيفيل أنها "حزب الله". بينما تُنسب الـ 47,000 مسار نيران المتبقية، أو 89% من الإجمالي، إلى الجيش الإسرائيلي. تشير هذه الأرقام إلى كثافة كبيرة في تبادل إطلاق النار في منطقة عمليات اليونيفيل، مما يضع ضغطاً متزايداً على مهامها وقدرتها على تحقيق الاستقرار، ويبرز التحديات الأمنية غير المسبوقة التي تواجهها القوات الأممية على الأرض.

شهادات ميدانية وتقييمات خبراء

تُفيد تقارير بأن الولايات المتحدة مستعدة لخفض مساهمتها في الأمم المتحدة، ممارسةً ضغطاً على إسرائيل. في سياق متصل، تتهم حكومة بنيامين نتنياهو اليونيفيل بالفشل في منع إعادة تموضع حزب الله في المنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والدبلوماسي المحيط بمستقبل البعثة. يتكون قوام اليونيفيل حالياً من 7,478 جندياً من 47 دولة، يعملون في ظروف بالغة التعقيد والخطورة، ويواجهون تحديات متزايدة مع تصاعد التوترات الإقليمية.

انضم النقيب جون تيمينز (Captain John Timmins) إلى بعثة حفظ السلام في نوفمبر 2025، وهو أحد الجنود الذين يشهدون على الوضع الميداني. وقال تيمينز: "نحن نقوم بعمل مهم. نوثّق الأحداث حتى يكون للأمم المتحدة عيون وآذان على الأرض وتدرك ما يحدث". وأضاف: "لقد دعمنا الجيش اللبناني في ترسيخ وجوده في جنوب لبنان. كانت القوات اللبنانية تزيد من تواجدها لتحل محل انسحاب بعثة حفظ السلام الوشيك". هذه الشهادة تبرز الدور الحيوي الذي تلعبه اليونيفيل في توفير معلومات حيوية للمجتمع الدولي وفي دعم القدرات الأمنية للجيش اللبناني.

منذ مارس، لقي سبعة من "الخوذ الزرقاء" حتفهم، مما يسلط الضوء على المخاطر التي يواجهها جنود حفظ السلام في هذه المنطقة المتوترة. وفي يوم الجمعة الماضي، أصيب جنديان من الجنسية الماليزية، مما يؤكد استمرار التهديدات الأمنية التي تواجه قوات اليونيفيل. هذه الحوادث تبرز التحديات الجسيمة التي يواجهها أفراد البعثة في أداء مهامهم اليومية، وتؤكد على الحاجة الماسة إلى بيئة عمل آمنة ومستقرة لتمكينهم من تنفيذ ولايتهم بفعالية.

مخاوف من الفوضى وانعدام المساءلة

يجب أن تختتم مهمة اليونيفيل (UNIFIL) في يناير 2027، مما يثير تساؤلات حول الفراغ الأمني المحتمل في جنوب لبنان بعد انسحابها. تتزامن هذه الخطوة مع اتهامات متبادلة، حيث تتهم الحكومة اللبنانية إسرائيل بقتل 30 فرداً من أفراد الجيش اللبناني، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المنطقة. وقد شهدت المنطقة فترة استقرار استمرت 17 عاماً بعد عام 2006، بفضل جهود اليونيفيل والجيش اللبناني، وهو ما يثير المخاوف بشأن احتمالية تدهور الوضع الأمني مع انتهاء مهمة القوة الأممية. يرى البعض أن إنهاء المهمة قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد، خاصة في ظل التوترات المستمرة على الحدود، ويقوض أي جهود سابقة لتحقيق السلام.

إن الانسحاب الوشيك لليونيفيل يطرح تحديات كبيرة تتعلق بالحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان. فمع غياب القوة الدولية، قد تتفاقم التوترات القائمة بين الأطراف المتنازعة، ويزداد خطر اندلاع مواجهات عسكرية واسعة النطاق. كما أن قدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ الأمني بشكل كامل، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يواجهها لبنان، تعد مصدر قلق رئيسي. يرى مراقبون أن غياب اليونيفيل قد يؤدي إلى تآكل خطوط الفصل القائمة، وربما يشجع على المزيد من الانتهاكات للقرار 1701، مما يهدد بتقويض أي مكاسب تحققت في مجال حفظ السلام على مدار العقود الماضية. هذه المخاوف تبرز الحاجة الملحة لإيجاد حلول مستدامة لضمان الأمن في المنطقة بعد انسحاب القوات الأممية.

تتزايد الدعوات من قبل بعض الأطراف الفاعلة إلى ضرورة إيجاد آلية بديلة تضمن استمرار مراقبة الحدود ومنع التصعيد، أو على الأقل تعزيز قدرات الجيش اللبناني بشكل كبير ليتمكن من الاضطلاع بهذه المهمة الحساسة بمفرده. وإلا، فإن المنطقة قد تشهد عودة إلى حالة عدم الاستقرار التي سادت قبل وجود اليونيفيل، مما يهدد الأمن الإقليمي بشكل عام، ويزيد من احتمالية تفجر صراع أوسع نطاقاً. يجب على المجتمع الدولي أن يأخذ هذه المخاطر على محمل الجد وأن يعمل على وضع خطة انتقال مدروسة لضمان استمرار الاستقرار والسلام في جنوب لبنان.