عاد آلاف اللبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان يوم الجمعة، مستغلين وقف إطلاق النار الهش الذي استمر عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان، للعودة إلى ديارهم التي نزحوا عنها. وقد انطلقت قوافل من المركبات جنوباً من بيروت بعد تمديد وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس رغبة عارمة في استعادة ولو جزء يسير من الحياة الطبيعية. تمثل هذه العودة مخاطرة محسوبة تواجهها عائلة هلال (Hilal) ومئات الآلاف من اللبنانيين الآخرين الذين أجبروا على النزوح من منازلهم جراء شهرين من الصراع. هذه العائلات، التي يبلغ عددها حوالي 1.2 مليون نسمة، تخوض هذه المغامرة المحسوبة في ظل ظروف بالغة التعقيد، على أمل تقييم ما تبقى من ممتلكاتهم ومواجهة واقع الدمار.
قال حسن النجدي، أحد العائدين، إنه سيعود إلى منزله في صريفا (Srifa) على الرغم من أن ثلاثة أرباع المنازل في حيه قد دمرت بالكامل. وأضاف النجدي، وهو مهندس كهربائي يبلغ من العمر 28 عاماً: "يمكننا العيش في الخيام، حتى لو لم يكن لدينا منازل". وتُظهر عودته إلى صريفا، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان، حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة. يتطلع العديد من النازحين إلى تقييم الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم واتخاذ قرارات بشأن مستقبلهم في ظل التحديات الأمنية المستمرة والتهديدات المتجددة.
تحديات العودة إلى مناطق مدمرة وواقع مؤلم
عادت عائلة فايز هلال إلى شقتها بالقرب من مدينة صور الساحلية الجنوبية في لبنان، حيث وجدت شارعها مدمراً جراء الغارات الجوية الإسرائيلية. المشهد لم يكن مقتصراً على الدمار المادي، بل امتد ليشمل الخسائر البشرية الفادحة. وقد فُجعت الأوساط الصحفية اللبنانية بمقتل أمل الخليل، الصديقة المقربة من قاسم إسطنبولي وصحفية لبنانية، خلال ضربات إسرائيلية الأسبوع الماضي. هذه الأحداث تسلط الضوء على الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالمنطقة، وتترك ندوباً عميقة في نسيج المجتمع.
على صعيد آخر، تواجه العائلات خسائر فادحة في الأرواح نتيجة الصراع المستمر. فقد فقدت عائلة صلاح شيت اثني عشر فرداً ممن قاتلوا مع حزب الله على مر السنين، وهم من قرية كفر كلا. هذه الأرقام تعكس الثمن الباهظ الذي تدفعه المجتمعات المحلية في جنوب لبنان، حيث تتشابك قصص الحياة اليومية مع مآسي الحرب.
وفي سياق مختلف، شهدت الساحة الثقافية مبادرة مهمة من خلال جمعية تيرو للفنون (TIRO Association for Arts)، التي قامت بتجديد المسرح الوطني اللبناني في بيروت عام 2025. يعتبر هذا المسرح منارة ثقافية، وقد استضاف 150 نازحاً في ذروة الصراع، مما يعكس الحاجة الملحة للمأوى التي فرضها الوضع الأمني المتدهور. ومع ذلك، لم تسلم هذه الجمعية من تبعات الصراع، حيث أودت حروب إسرائيل وحزب الله منذ أواخر عام 2023 بحياة ستة من أعضاء جمعية تيرو (TIRO)، في خسارة مؤلمة للمشهد الثقافي والإنساني.
الجيش الإسرائيلي وتدمير ممنهج يثير قلقاً دولياً
تشير تقارير في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إلى عمليات نهب واسعة النطاق قامت بها القوات الإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة الحدودية، مما يضيف بعداً آخر للانتهاكات التي تحدث في المنطقة. كما أفادت "هآرتس" بأن الأولوية العسكرية الإسرائيلية تحولت من محاربة حزب الله إلى جعل جنوب لبنان غير صالح للسكن، في استراتيجية تهدف إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي للمنطقة. وقد شمل ذلك احتلال الجيش الإسرائيلي لمساحة تتجاوز ستة أميال عمقاً داخل جنوب لبنان، ما أدى إلى عزل 67 بلدة وتدميرها بشكل ممنهج.
على مدى احتلالها الذي استمر شهراً، قامت القوات العسكرية الإسرائيلية بتسوية قرى بأكملها على طول الحدود، مستخدمة عمليات هدم محكومة وقصفاً مكثفاً. هذه الإجراءات أدت إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية والمنازل في المنطقة المتضررة، تاركة وراءها مدناً وقرى أشباحاً لا تصلح للحياة. يشير هذا التكتيك إلى نية واضحة لجعل العودة مستحيلة أو صعبة للغاية، مما يثير تساؤلات حول الأهداف طويلة المدى لهذه العمليات.
مخاوف أمنية وتداعيات إنسانية عميقة
محمد عاشور، الذي نزح لمدة 44 يوماً، انطلق في الساعة الخامسة صباحاً في طريقه إلى بلدته شقرا، معرباً عن رغبته في رؤية منزله بنفسه بعد أن أُبلغ بتدميره. وقال عاشور: "أخبروني أن منزلي دُمر. لكنني أردت أن آتي وأراه بنفسي"، مؤكداً على ارتباطه بالأرض بقوله: "إنها أرضنا. سواء كانت الهدنة قصيرة أم طويلة، حتى لو كانت لساعة واحدة فقط، سنعود". وقد تحولت الرحلة التي تستغرق عادة ساعتين إلى عشر ساعات بسبب الازدحام المروري الناجم عن عودة السكان، مما يعكس حجم التحدي اللوجستي الذي يواجهه العائدون.
عاد المهندس الكهربائي حسن النجدي، البالغ من العمر 28 عاماً، إلى منزله المتضرر بشدة في بلدة صريفا. وقد وصف النجدي التغيرات الجذرية التي طرأت على المنطقة قائلاً: "بصراحة، كل شيء تغير كثيراً. ملامح المكان مختلفة تماماً. عندما تدخل القرية لأول مرة، لا يمكنك حتى التعرف على أنها صريفا التي كانت عليها". وأضاف النجدي: "لقد عدنا خلال هذه الأيام العشرة لنرى ما هو الوضع مع هذه الهدنة، وما إذا كان هناك التزام فعلي من الجانب الإسرائيلي"، مشدداً على تصميم السكان قائلاً: "يمكننا العيش في الخيام، حتى لو لم يكن لدينا منازل". هذه التصريحات تعكس مزيجاً من الأمل والحذر، وتبرز الصمود الاستثنائي للسكان في مواجهة الدمار.
وعلى صعيد الخسائر البشرية، قُتل أكثر من 2100 شخص على يد إسرائيل على مدار الأسابيع الستة الماضية من الحرب في لبنان، في حصيلة مروعة تضاف إلى سجل الصراع. وفي تطور آخر، احتفظت القوات الإسرائيلية بمواقعها في القرى الحدودية وواجهت السكان العائدين بإطلاق نار، مما يؤكد على استمرار التوتر وعدم الأمان حتى خلال فترة الهدنة. كما تعرض مستشفى تبنين لأضرار في ضربتين إسرائيليتين قريبتين هذا الأسبوع، مما أسفر عن إصابة 11 من أفراد طاقم المستشفى، في انتهاك صارخ للقوانين الإنسانية الدولية التي تحمي المنشآت الطبية. في غضون ذلك، عمل الجيش اللبناني طوال الليل لإصلاح جسر القاسمية المؤدي إلى صور، والذي قصفته إسرائيل قبل ساعات من بدء وقف إطلاق النار، في سباق مع الزمن لإعادة ربط المناطق المتضررة وتسهيل حركة العائدين ووصول المساعدات.
أمل في استعادة الحياة وتهديدات مستمرة
قامت عائلة هلال بتجهيز غرفة واحدة لتكون صالحة للسكن لجميع أفراد العائلة الستة، في محاولة يائسة لخلق مساحة للعيش وسط الركام. وفي قرية كفر كلا، شاهدت عائلة صلاح شيت المكونة من 14 فرداً مقاطع فيديو نشرها جنود إسرائيليون تُظهر دماراً واسع النطاق لقريتهم، مما يزيد من معاناتهم النفسية. ويذكر مسؤولون إسرائيليون أنهم سيبقون جنوب لبنان محتلاً "إلى أجل غير مسمى"، في تصريح يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل المنطقة ويشير إلى نية الاحتلال الدائم. في غضون ذلك، حذر حزب الله السكان من العودة حالياً إلى معاقله في الضاحية الجنوبية لبيروت أو جنوب لبنان، في إشارة إلى استمرار المخاطر الأمنية. جاء هذا التحذير من حزب الله رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي الذي وقع في طهران قبل أيام، مما يربط الأحداث المحلية بتطورات إقليمية أوسع ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في لبنان.
إن عودة الآلاف من اللبنانيين إلى ديارهم المدمرة ليست مجرد رحلة مادية، بل هي رحلة محفوفة بالمخاطر النفسية والعاطفية، حيث يواجهون واقعاً مريراً من الدمار والغياب الأمني. وبينما يسعى البعض لإعادة بناء ما يمكن إعادة بنائه، يظل شبح الصراع قائماً، مما يجعل مستقبل هذه المناطق مرهوناً بالتطورات السياسية والعسكرية المعقدة في المنطقة. يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت هذه العودة ستكون بداية لتعافٍ طويل الأمد، أم مجرد فترة هدوء مؤقتة قبل عاصفة جديدة.