حرب إسرائيل على لبنان: فشل تاريخي متكرر وأسباب استمرار المقاومة

Hezbollah fighters in South Lebanon. (Photo: Military Media, via Al Mayadeen)
الصورة: Military Media, via Al Mayadeen عبر News

تشير تحليلات إلى أن حرب إسرائيل على لبنان محكوم عليها بالفشل، وهو استنتاج يستند إلى نمط تاريخي متكرر من الإخفاقات الإسرائيلية في تحقيق أهدافها الأمنية الاستراتيجية في الأراضي اللبنانية. جرى تجريب هذا الأمر من قبل واستمر لأكثر من عقدين قبل أن ينتهي بفشل ذريع في مايو 2000، وهي تجربة أثبتت أن الحلول العسكرية القسرية لا تضمن الاستقرار على المدى الطويل في هذه المنطقة المعقدة. وبعد أحداث أكتوبر 2023، رأت إسرائيل فرصة لتحقيق حلم قديم يتمثل في احتلال جنوب لبنان وصولاً إلى الليطاني، في محاولة لإعادة صياغة المشهد الأمني بما يتماشى مع مصالحها، غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا المسعى يواجه تحديات عميقة ومستمرة، مما يضع مصداقية هذا "الحلم" على المحك مرة أخرى.

دروس الماضي: فشل المناطق العازلة

لطالما سعت إسرائيل إلى إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، وقد تجلى هذا المسعى في عدة مراحل تاريخية، كل منها انتهت بتأكيد فشل هذه الاستراتيجية في تحقيق الأمن المنشود. فبعد غزوها للبنان عام 1978، حاولت إسرائيل ترسيخ هذه المنطقة عبر الاحتلال العسكري المباشر واستخدام قوى وكيلة، أبرزها "جيش لبنان الجنوبي" (South Lebanon Army). كان الهدف المعلن من هذا الوجود العسكري هو حماية حدود إسرائيل الشمالية من الهجمات، وتوفير عمق استراتيجي يمنع أي تهديدات محتملة من الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية. استمر هذا التواجد الإسرائيلي العسكري والميداني لما يزيد عن عقدين من الزمن في الأراضي اللبنانية، مما خلق واقعًا من الاحتلال والتوتر المستمر. ومع ذلك، لم ينجح هذا النهج في تحقيق الاستقرار المنشود، بل أدى إلى تزايد المقاومة اللبنانية وتصاعد التوترات في المنطقة، مما جعل الوجود الإسرائيلي مكلفًا بشريًا وعسكريًا. انتهى هذا الاحتلال بانسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان في مايو 2000، والذي وُصف على نطاق واسع بأنه فشل استراتيجي لإسرائيل، حيث أثبتت التجربة أن المناطق العازلة المحتلة لا تضمن الأمن على المدى الطويل، بل غالبًا ما تولد مقاومة شعبية مسلحة تزيد من تعقيد المشهد الأمني. هذه التجربة الطويلة والمريرة شكلت درسًا تاريخيًا مهمًا حول حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية والأمنية في لبنان.

تكررت المحاولة الإسرائيلية لتغيير ميزان القوى في عام 2006، عندما شنت إسرائيل حربًا واسعة النطاق على لبنان، في محاولة جديدة لفرض إرادتها الأمنية على المنطقة. كان الهدف المعلن لهذه الحرب هو توجيه ضربة حاسمة لحزب الله (Hezbollah) وإعادة تشكيل المعادلة السياسية في لبنان، بما يضمن مصالح إسرائيل الأمنية ويعيد الاستقرار إلى حدودها الشمالية. تضمنت الأهداف الإسرائيلية المعلنة تدمير البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وتقويض قدراته الصاروخية، وإضعاف نفوذه السياسي والعسكري داخل لبنان. إلا أن هذه الحملة العسكرية لم تحقق أهدافها المعلنة، بل واجهت مقاومة شرسة وغير متوقعة من قبل حزب الله. انتهت الحرب بانسحاب إسرائيلي آخر من الأراضي اللبنانية، والذي اعتبره الكثيرون هزيمة استراتيجية لإسرائيل، حيث لم تتمكن من تحقيق أي من أهدافها الرئيسية. على الرغم من الجهود العسكرية المكثفة، لم تتمكن إسرائيل من القضاء على حزب الله أو إضعاف قدراته بشكل دائم، بل على العكس، خرجت المقاومة اللبنانية من هذا الصراع بوضع أقوى في نظر مؤيديها، مما عزز من شعبيتها ونفوذها في المنطقة. تشير هذه التجارب الماضية إلى نمط متكرر من الفشل الإسرائيلي في تحقيق أهدافها الأمنية في لبنان عبر الحلول العسكرية أو فرض مناطق عازلة، مما يدعو إلى إعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات المتبعة.

واقع الحرب الحالي وتكتيكات حزب الله

تُظهر التطورات الأخيرة أن الصراع بين إسرائيل وحزب الله لم يتوقف فعليًا، بل دخل في مرحلة جديدة من التعقيد والحدة. نجحت إسرائيل في اغتيال طبقة كاملة من قيادة حزب الله، بما في ذلك الأمين العام حسن نصر الله، في ضربة اعتبرت قاسية ومؤثرة على بنية الحزب القيادية. هذا الاغتيال، الذي يُعد تطورًا استثنائيًا، أثار تساؤلات حول مستقبل قيادة حزب الله وقدرته على الحفاظ على تماسكه التنظيمي والعملياتي. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا النجاح الإسرائيلي إلى توقف المواجهة. بل على العكس، يُنظر إلى عودة حزب الله إلى الاشتباك العسكري على أنها استمرار لحرب لم تتوقف بالفعل، مما يؤكد على مرونة الحزب وقدرته على التكيف مع التحديات الجديدة.

في سياق هذه المواجهة المستمرة، شكلت عملية أجهزة الاتصال والنداء (البيجر) في سبتمبر 2024 إشارة إلى مستوى غير مسبوق من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي. وعن هذه العملية، قال رمزي بارود إن "عملية الاتصالات والبيجر في سبتمبر 2024، بالرغم من وحشيتها، كانت ربما الأكثر دراماتيكية من هذه الجهود، وتشير إلى مستوى غير مسبوق من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي". هذه العملية، التي استهدفت شبكة اتصالات حزب الله، أثارت صدمة واسعة النطاق وأجبرت الحزب على إعادة تقييم إجراءاته الأمنية والعملياتية. تُبرز هذه العملية مدى القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية في اختراق صفوف التنظيم، مما يضيف بعدًا جديدًا للصراع. وقد أثارت هذه العملية تساؤلات حول طبيعة الحرب الدائرة بين الطرفين وحول استراتيجيات حزب الله في الرد على هذه الضربات، مشيرة إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل تشمل حربًا استخباراتية معقدة ومتطورة.

يعكس هذا التصعيد المستمر واقعاً تكتيكياً معقداً، حيث أن اغتيال قيادات حساسة وعمليات الاختراق الاستخباراتي تشير إلى تحول في طبيعة المواجهة. هذه التطورات تفرض على حزب الله تحديات كبيرة في الحفاظ على سرية عملياته وتأمين قادته وأفراده. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن هذه التطورات لا تغير من مسار الصراع الأساسي، بل تؤكد على استمراريته وضرورة التكيف معها. ويُعد استمرار الاشتباكات دليلاً على أن الصراع لم يشهد توقفاً فعلياً، بل تطور في أساليبه وتكتيكاته، مما يتطلب من الطرفين تطوير استراتيجيات جديدة لمواجهة التحديات المتغيرة. إن هذا الواقع المعقد يبرز أن الحرب بين إسرائيل وحزب الله هي حرب متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الجبهة العسكرية التقليدية، بل تمتد لتشمل الجبهات الاستخباراتية والسياسية والنفسية.

خروقات الهدنة وتصعيد إسرائيلي

جاء توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أواخر عام 2024 لتهدئة التوترات في المنطقة، في محاولة لوضع حد للتصعيد العسكري المستمر بين الأطراف. كان هذا الاتفاق يمثل بصيص أمل لإعادة الاستقرار إلى الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وفتح الباب أمام حلول دبلوماسية محتملة. وبموجب الاتفاق، كان من المتوقع أن يلتزم الطرفان بوقف الأعمال العدائية والامتناع عن أي أنشطة عسكرية قد تؤدي إلى تجدد الصراع، وذلك بهدف بناء الثقة وتوفير بيئة مواتية للمفاوضات.

التزم لبنان بشكل كبير ببنود وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2024، ممتنعًا عن الأعمال العسكرية واسعة النطاق، في إشارة واضحة إلى رغبته في احترام الاتفاق وتجنب المزيد من التصعيد. إلا أن إسرائيل، وفقاً للتقارير، انتهكت شروط الاتفاق مراراً وتكراراً من خلال شن غارات جوية وعمليات توغل وتنفيد عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية. هذه الخروقات المتكررة شملت استهداف مواقع مختلفة وعمليات استطلاع جوي وبري، مما قوض الهدوء النسبي الذي كان من المفترض أن يوفره الاتفاق. وقد أثارت هذه الخروقات تساؤلات جدية حول التزام إسرائيل بالاتفاق وتداعياتها على استقرار المنطقة، حيث أدت إلى تجدد التوتر وتصاعد المخاوف من انهيار الهدنة بالكامل.

في ظل هذه التطورات، يناقش مسؤولون إسرائيليون الآن علناً تكثيف الهجمات ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد معقلاً مدنياً لحزب الله. يشير هذا التوجه إلى تصعيد محتمل في العمليات العسكرية، مع التركيز على مناطق ذات كثافة سكانية عالية، مما يثير مخاوف جدية بشأن الآثار الإنسانية لأي عمليات عسكرية مستقبلية. إن استهداف المناطق المدنية يعكس تحولًا في الاستراتيجية الإسرائيلية، ويهدف على الأرجح إلى الضغط على حزب الله من خلال استهداف بيئته الحاضنة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من مخاطر وقوع ضحايا مدنيين وتصعيد الصراع إلى مستويات خطيرة. هذا النقاش العلني حول استهداف الضاحية الجنوبية يؤكد على أن إسرائيل لا تزال تبحث عن سبل لكسر شوكة حزب الله، حتى لو كان ذلك على حساب تصعيد التوتر الإقليمي وزيادة المعاناة الإنسانية.

مستقبل الصراع وتوقعات الفشل

في مواجهة هذه التحديات المتزايدة، يظهر حزب الله مستعداً لحرب استنزاف طويلة الأمد، مشابهة لتلك التي أدت إلى طرد قوات الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000. ويُعتقد أن هذا الاستعداد يعكس استراتيجية قائمة على الصمود والمواجهة المستمرة، تستمد دروسها من التجارب التاريخية التي أثبتت أن القدرة على التحمل والصمود يمكن أن تقوض قوة الخصم على المدى الطويل. يدرك حزب الله أن المواجهة المباشرة قد تكون مكلفة، لذا فإنه يفضل استراتيجية تستنزف موارد العدو وتصبر على الضربات، مع الحفاظ على قدرته على الرد والضغط.

تُعقد استخدام حزب الله للطائرات المسيرة، والذخائر المتسكعة، والعمليات اللامركزية، حركة القوات الإسرائيلية وإمداداتها بشكل متزايد. هذه التكتيكات المتطورة تمثل تحديًا كبيرًا للجيش الإسرائيلي، حيث تجعل ساحة المعركة أكثر تعقيدًا وتزيد من المخاطر التي تواجه قواته. فالطائرات المسيرة توفر قدرات استطلاع وهجوم غير مكلفة وفعالة، بينما الذخائر المتسكعة تمكن من استهداف دقيق ومفاجئ. أما العمليات اللامركزية، فتقلل من الاعتماد على القيادة المركزية وتجعل من الصعب على إسرائيل شل قدرات حزب الله بضربة واحدة. وتشير هذه التكتيكات إلى تطور في قدرات حزب الله العملياتية، مما قد يؤثر على فعالية أي عمليات عسكرية إسرائيلية مستقبلية في لبنان ويفرض تحديات جديدة على الجيش الإسرائيلي، مما يجعله يواجه خصمًا أكثر مرونة وتطورًا من الناحية التكتيكية. إن هذه القدرات المتزايدة لحزب الله تساهم في تعزيز قناعته بأن حرب الاستنزاف هي السبيل الأمثل لتحقيق أهدافه على المدى الطويل، وتؤكد على أن الصراع في لبنان ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هو صراع يتطلب فهمًا عميقًا للتكتيكات الحديثة والقدرة على التكيف معها.