لبنان تحت النار: قراءة في تداعيات الحرب على المدنيين

A man points into a destroyed building that was hit in an Israeli airstrike in Burj el-Shamali, near the southern port city of Tyre on 26 May 2026
الصورة: Mohammed Zaatari/AP عبر News

في لبنان، تسببت الأعمال العدائية المستمرة في مقتل ما يقرب من 14 طفلاً يوميًا منذ الثاني من مارس، وفقًا لتقديرات منظمة اليونيسف (Unicef) حتى 13 مايو 2026. هذه الأرقام المفزعة ترسم صورة قاتمة للواقع الإنساني المتدهور في البلاد. وتأتي هذه الأرقام في ظل دعوات من مسؤولين إسرائيليين لتغيير الوضع الجغرافي للمنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويهدد بمزيد من التصعيد والنزوح.

فقد دعا وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس (Israel Katz) إلى احتلال دائم لمنطقة في جنوب لبنان، مقترحًا أن يكون نهر الليطاني (Litani river) هو الحدود الشمالية لإسرائيل. هذا المطلب يعكس طموحات إسرائيلية بفرض واقع جغرافي جديد. ويهدف هذا المقترح، بحسب كاتس، إلى تهجير 600 ألف شخص من منازلهم في هذه المنطقة، وهو ما يمثل تحديًا خطيرًا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان. هذه الدعوات تثير قلقًا عميقًا بشأن مستقبل السكان المدنيين في جنوب لبنان، وتضعهم في مواجهة مصير مجهول قد يشمل التهجير القسري.

تاريخ من الصراع والنزوح

الواقع اللبناني يتسم بتاريخ طويل من الصراعات والاضطرابات، والتي تركت بصماتها العميقة على حياة الأفراد والمجتمعات. في عام 2006، على سبيل المثال، علق والدا الكاتبة أروى مهدوي (Arwa Mahdawi) في الخارج لأشهر عديدة بسبب الحرب التي اندلعت آنذاك بين لبنان وإسرائيل، مما يسلط الضوء على التأثير المباشر للصراعات على الحياة اليومية للعائلات. وبعد عامين، في عام 2008، حالت بضعة أيام من الاشتباكات الدامية في لبنان دون مغادرة والدتها وشقيقتها لمنزلهما، وهو ما يعكس مدى هشاشة الأمن في البلاد وتأثير الأحداث العنيفة على حرية التنقل والحياة الطبيعية.

تصف الكاتبة تجربة شخصية في بيروت حيث تلقت درس قيادة لسيارة متهالكة، بينما كان السائقون يتجاهلون قواعد المرور، وكان الدرس باللغة العربية. هذه التفاصيل تعكس الفوضى والتحديات اليومية التي يواجهها سكان العاصمة اللبنانية. ومن المفارقات أن هذه الأحداث تتزامن مع فترات من الأمل والتقدير الدولي، ففي يناير 2009، صنفت صحيفة نيويورك تايمز (New York Times) بيروت كأفضل مكان للزيارة في ذلك العام، مما يظهر التناقض الصارخ بين الصورة الخارجية للمدينة والواقع المعيشي لسكانها. هذه الأحداث تتشابك مع سياقات أوسع، مثل الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، مما يسلط الضوء على استمرار الاضطرابات العالمية وتأثيرها على الأمن والاستقرار في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك لبنان.

الدمار الممنهج للبنية التحتية

الصراع الحالي لم يقتصر على الخسائر البشرية فحسب، بل امتد ليشمل تدميرًا واسعًا وممنهجًا للبنية التحتية في لبنان، مما يعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية. في مارس 2026، قصفت إسرائيل مبنى مكونًا من 11 طابقًا في بيروت، مستندة إلى اتهام غير مدعوم بوجود أموال مخبأة داخله. هذه الحادثة تثير تساؤلات جدية حول مدى استهداف البنية التحتية المدنية دون أدلة واضحة. تأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من الهجمات التي تستهدف البنية التحتية، وهو ما يشير إلى نمط مقلق من العمليات العسكرية التي تتجاوز الأهداف العسكرية المشروعة.

وتفيد تقارير بأن الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت بشكل متواصل البنية التحتية الصحية، ويبدو أنها تستهدف المسعفين عبر ما يعرف بـ"الضربات المزدوجة" التي تتبع الضربة الأولى. هذا التكتيك، إذا ثبت، يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية التي تحمي العاملين في المجال الطبي والمرافق الصحية أثناء النزاعات. وفي سياق متصل، وثّق خبراء، بما في ذلك منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، استخدام الفسفور الأبيض في المناطق المدنية، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن امتثال الأطراف المتحاربة للقوانين الدولية التي تحظر استخدام هذه المادة الكيميائية الحارقة في المناطق المأهولة بالسكان. من جانبها، اتهمت الحكومة اللبنانية إسرائيل بما وصفته بـ"الإبادة البيئية"، مشيرة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبيئة الطبيعية في البلاد جراء العمليات العسكرية، بما في ذلك تدمير الغابات والتلوث الكيميائي. هذه التطورات تسلط الضوء على الأثر المدمر للصراع على المدنيين والبنية التحتية والبيئة في لبنان، وتطرح تحديات كبيرة أمام جهود التعافي وإعادة الإعمار.

تداعيات إنسانية وخيمة على الأطفال

تسببت الأعمال العدائية المستمرة في لبنان في نزوح أكثر من مليون شخص، وهو ما يمثل حوالي 20% من إجمالي السكان. هذا العدد الهائل من النازحين يضع ضغطًا هائلاً على الموارد المحدودة في البلاد ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية. تعكس هذه الأرقام تصاعد الأزمة الإنسانية في البلاد، حيث يضطر عدد كبير من المدنيين إلى ترك منازلهم بحثًا عن الأمان والفرار من ويلات الحرب. وتأتي هذه الموجة من النزوح في وقت تشير فيه تقديرات منظمة اليونيسف (Unicef) إلى مقتل ما يقرب من 14 طفلاً يوميًا منذ الثاني من مارس وحتى 13 مايو 2026. هذه الإحصائيات المروعة تؤكد أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من هذا الصراع، حيث يفقدون حياتهم أو يتعرضون لإصابات بالغة أو يواجهون صدمات نفسية عميقة. وتتفاقم الأوضاع الإنسانية مع الدعوات الإسرائيلية لتغيير الوضع الجغرافي للمنطقة، مما ينذر بمزيد من التدهور في الظروف المعيشية للسكان المتضررين ويزيد من صعوبة عودتهم إلى ديارهم.

أبعاد استراتيجية وسياسية

تتجاوز تداعيات الصراع الأبعاد الإنسانية لتشمل أبعادًا استراتيجية وسياسية عميقة تؤثر على مستقبل المنطقة بأسرها. تعتزم الحكومة الإسرائيلية، وفقًا لتصريحاتها، السيطرة على "منطقة أمنية" تمتد لمسافة 30 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية. هذا المخطط، إذا ما تم تنفيذه، سيغير بشكل جذري الخريطة الجغرافية والسياسية للمنطقة، ويثير مخاوف جدية بشأن السيادة اللبنانية ووحدة أراضيها. في المقابل، أطلق حزب الله آلاف الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مما يعكس التصعيد المستمر وتبادل الهجمات الذي يهدد بتحويل الصراع إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا.

ذكرت تقارير أن الجيش الإسرائيلي حذر المجتمعات المسيحية والدرزية من توفير المأوى للمسلمين الشيعة في الجنوب، في خطوة تثير تساؤلات حول التماسك المجتمعي وتوظيف الانقسامات الطائفية في سياق الصراع. هذا التحذير، إذا صح، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الداخلية في لبنان ويقوض النسيج الاجتماعي الهش. هذه التطورات تشير إلى تعميق الأزمة وتأثيرها على التركيبة السكانية والسياسية في المنطقة، وتبرز الحاجة الملحة إلى حلول دبلوماسية تضمن حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار المستدام.