بدء انسحاب إسرائيلي تجريبي من جنوب لبنان وسط تباين في الروايات وتحديات أمنية

Lebanese soldiers at the site of strike on their vehicle in Al Mansouri, near Tyre, in southern Lebanon. AFP
الصورة: AFP عبر News

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، يوم الاثنين، بدء عمليات المنطقة التجريبية لانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في ثلاث قرى هي فرون وصريفا وزوطر الغربية (Zawtar Al Gharbiyeh). تأتي هذه العمليات وفقاً للإطار الثلاثي وتحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري للبنان. في هذا السياق، أفاد الجيش اللبناني بأنه يواصل عملياته في صريفا وفرون، ويجري محادثات لنشر قواته في زوطر الغربية بعد الانسحاب الإسرائيلي. هذا التطور يمثل خطوة أولية نحو إعادة الانتشار التدريجي والمتحقق منه للقوات الإسرائيلية ونشر القوات المسلحة اللبنانية في هذه المناطق الحيوية.

وصف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إنشاء المناطق التجريبية الأولية بأنه "تقدم حقيقي على الأرض"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة ترحب ببدء عمليات المنطقة التجريبية في جنوب لبنان". كما أشار المسؤول إلى أن هذه الخطوة تمثل "فرصة للدولة اللبنانية للبدء في استعادة السيطرة الحقيقية في المناطق التي سيطر عليها حزب الله تاريخياً". وتابع المسؤول أن "المناطق ستبني الثقة بين الأطراف وستخلق الزخم اللازم لتوسيع العملية والتحرك نحو السلام". تأكيد الولايات المتحدة على هذا التقدم يعكس الأهمية التي توليها واشنطن لهذه المبادرة كجزء من جهود أوسع لتهدئة التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

من جانبه، صرح مسؤول أمني لبناني، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأنهم "مستعدون للانتشار في أي وقت يحدث فيه انسحاب"، مضيفاً: "نحن نتحقق مع الأمريكيين". هذا التصريح يؤكد على استعداد القوات اللبنانية لتولي مسؤولياتها الأمنية فور إتمام الانسحاب الإسرائيلي، مشدداً على التنسيق المستمر مع الوسيط الأمريكي لضمان سلاسة العملية. هذا التأكيد من المسؤول اللبناني يعكس حرص بيروت على الالتزام بالاتفاقيات والعمل على استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، في ظل التحديات الأمنية والسياسية القائمة.

خلفية الاتفاق وأهدافه الاستراتيجية

ينص الاتفاق الإطاري على أن المناطق التجريبية ستكون بمثابة الآلية "التي تخدم آلية إعادة الانتشار التدريجي والمتحقق منه للقوات الإسرائيلية ونشر القوات المسلحة اللبنانية". ويهدف هذا الاتفاق إلى تمكين الدولة اللبنانية من استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، مما يعزز من وجود مؤسساتها الرسمية في مناطق كانت تاريخياً تحت نفوذ جماعات مسلحة غير حكومية.

تُعد المناطق التجريبية نتيجة مباشرة للمناقشات المكثفة التي جرت بين إسرائيل ولبنان في روما، بوساطة أمريكية. ووفقاً للاتفاق الإطاري، فإن هذه المناطق ستؤدي إلى "تولي مسؤولية أمنية حصرية، وسيبدأ إعادة الإعمار المدعوم دولياً، وسيتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة بأمان"، وذلك "بمجرد نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية بنجاح وتفكيك بنيتها التحتية". هذا الشرط يبرز التحدي الأمني الكبير المتمثل في التعامل مع الجماعات غير الحكومية، وفي مقدمتها حزب الله، كعقبة رئيسية أمام التنفيذ الكامل للاتفاق.

يُنظر إلى المناطق التجريبية كفرصة حاسمة للدولة اللبنانية لإعادة تأكيد سيطرتها في المناطق التي هيمن عليها حزب الله تاريخياً. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز وجود الدولة ومؤسساتها الرسمية في هذه المناطق، مما يقلل من الفراغ الأمني الذي قد تستغله الأطراف غير الحكومية. كما تهدف المناطق التجريبية إلى بناء الثقة بين الأطراف المعنية وخلق الزخم اللازم لدفع عملية السلام الشاملة. وتشكل هذه الخطوة جزءاً من جهود أوسع لتهدئة التوترات الإقليمية التي تصاعدت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.

جاء هذا التطور في أعقاب إطلاق حرب جوية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، والتي أسفرت أيضاً عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وقد أثرت هذه الأحداث بشكل كبير على المشهد الإقليمي، وأدت إلى دفع الأطراف نحو البحث عن آليات لخفض التصعيد وإرساء أسس استقرار طويل الأمد، ومن هنا تأتي أهمية هذه المبادرة في جنوب لبنان. هذه الأحداث المتسارعة على الساحة الإقليمية تزيد من أهمية أي خطوات نحو الاستقرار، وتجعل من هذه المناطق التجريبية نقطة محورية في جهود احتواء التوترات.

الوضع الميداني والتحركات اللبنانية والإسرائيلية

أفاد مسؤولون لبنانيون وسكان محليون بأن قريتي فرون وصريفا كانتا خاليتين بالفعل من القوات الإسرائيلية، مع تواجد جنود لبنانيين فيهما، مما يعكس التزاماً مبدئياً بالاتفاق في هاتين المنطقتين. في المقابل، ذكرت تقارير أن القوات الإسرائيلية كانت متمركزة على مشارف زوطر الغربية (Zawtar Al Gharbiyeh)، مما يشير إلى أن الانسحاب من هذه القرية لم يكتمل بعد. فيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الانسحاب من زوطر الغربية لن يبدأ قبل يوم الثلاثاء، مما يوضح أن العملية تتم على مراحل وقد تتطلب وقتاً إضافياً لإنجازها بالكامل.

وقد صرح مسؤولون لبنانيون مراراً بأنهم ينتظرون أن تبدأ إسرائيل العملية بسحب قواتها من المناطق المتفق عليها، مما يسمح للجيش اللبناني (LAF) بالسيطرة الكاملة والاضطلاع بمسؤولياته الأمنية. يأتي هذا التطور في أعقاب غزو بري إسرائيلي لأجزاء واسعة من جنوب لبنان، والذي بدأ بعد أن أطلق حزب الله صواريخ عبر الحدود في 2 مارس. وقد أدت هذه العملية العسكرية الإسرائيلية إلى احتلال مناطق واسعة وتشريد مئات الآلاف من السكان.

وتقوم القوات الإسرائيلية، كجزء من سياستها الأمنية في جنوب لبنان، بهدم عشرات البلدات والقرى التي تحتلها في المنطقة التي تعتبرها جزءاً من "منطقتها الأمنية". هذه التحركات الإسرائيلية، التي تشمل هدم البنى التحتية، تشير إلى تغيير محتمل في الوضع الميداني، خاصة مع بدء عمليات الانسحاب التجريبية. وتتابع الأطراف المعنية عن كثب تطورات الوضع على الأرض، مع التركيز على التزام إسرائيل بالانسحاب والسماح للجيش اللبناني بتولي المسؤولية في المناطق المحددة. يمثل هذا التنسيق المستمر بين الأطراف خطوة نحو إعادة انتشار القوات وتحقيق استقرار أمني في المنطقة، على الرغم من التعقيدات والتحديات القائمة. هذه التحركات الميدانية الدقيقة تتطلب مراقبة مستمرة لضمان التزام جميع الأطراف بالبنود المتفق عليها، خاصة وأن أي انتهاك قد يؤدي إلى تصعيد جديد للتوترات في المنطقة الحساسة.

الزيارة الرئاسية لواشنطن والضغوط الأمريكية المطلوبة

تأتي الزيارة الحالية للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن بعد يومين من المحادثات الإسرائيلية اللبنانية بوساطة أمريكية في روما، والتي اختتمت دون تحديد جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاق الموقع في 26 يونيو. ويهدف الرئيس عون، الذي يزور واشنطن حالياً، إلى حشد الضغط الأمريكي على إسرائيل لدفعها نحو تطبيق الاتفاق بشكل كامل وفعال.

التقى الرئيس عون، يوم الأحد، بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ومن المقرر أن يجتمع مع الرئيس دونالد ترامب يوم الثلاثاء. تهدف هذه اللقاءات رفيعة المستوى إلى مناقشة سبل المضي قدماً في تنفيذ الانسحاب التجريبي من جنوب لبنان وتأكيد الدور الأمريكي كضامن لهذه العملية. ويُنتظر أن يثير الرئيس اللبناني قضايا تتعلق بضمان التزام إسرائيل بالخطوات المتفق عليها، بما في ذلك تسليم مسئولية الأمن للجيش اللبناني في المناطق المحددة، ووقف الهدم المستمر في القرى اللبنانية.

تعد زيارة الرئيس عون الحالية إلى واشنطن هي الأولى له منذ توليه منصبه في يناير من العام الماضي، مما يضفي عليها أهمية خاصة ويبرز مدى جدية لبنان في متابعة هذا الملف. وتضفي هذه الزيارة أهمية خاصة على المحادثات الجارية، حيث يسعى لبنان إلى تأمين دعم أمريكي قوي لترسيخ سيادته على أراضيه الجنوبية وتأمين عودة المدنيين النازحين. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في سياق جهود أوسع لتهدئة التوترات الإقليمية وتطبيق الاتفاقات التي تهدف إلى استعادة الاستقرار في المنطقة، في ظل الحاجة الملحة لتحقيق السلام والأمن. هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة تعكس الإدراك بأن الدعم الدولي، وخاصة من الولايات المتحدة، ضروري لتحقيق تقدم ملموس في تنفيذ الاتفاق الإطاري وضمان استقرار طويل الأمد في جنوب لبنان.

تحديات التنفيذ وموقف حزب الله المعقد

ينص الاتفاق الإطاري على أن القوات المسلحة اللبنانية ستتولى "المسؤولية الأمنية الحصرية" وبدء إعادة الإعمار المدعوم دولياً، وعودة المدنيين اللبنانيين بأمان، "بمجرد نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية بنجاح وتفكيك بنيتها التحتية". هذا الشرط يمثل تحدياً كبيراً، خاصة وأن حزب الله، وهو الفاعل الرئيسي غير الحكومي في الجنوب، قد قاوم أي خطوة لسحب أسلحته، مؤكداً أن ذلك لا يمكن أن يتم "بينما لبنان لا يزال تحت الهجوم والاحتلال".

هذا بينما تشير تقديرات إلى أن مئات الآلاف من السكان نزحوا في جميع أنحاء لبنان جراء الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ في مارس. وقد تسبب هذا الهجوم في أضرار بمليارات الدولارات وأسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الوضع الإنساني والاقتصادي. واستمرت الغارات الجوية الإسرائيلية اليومية في جنوب لبنان على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه الاتفاقات في ظل استمرار الأعمال العدائية.

وتصر إسرائيل على أنها لن تنسحب بشكل كامل حتى يتم إزالة التهديد الذي يشكله حزب الله على مجتمعاتها الشمالية. هذا الموقف الإسرائيلي يتصادم مع موقف حزب الله الذي يرفض التخلي عن سلاحه طالما أن جزءاً من الأراضي اللبنانية لا يزال تحت الاحتلال أو التهديد الإسرائيلي. هذه التحديات المتبادلة تشكل عقبة رئيسية أمام التنفيذ الكامل والشامل للاتفاق الإطاري، وتتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة وتنازلات من جميع الأطراف المعنية لضمان تحقيق السلام والاستقرار المستدام في جنوب لبنان. الأمل معقود على أن تؤدي المناطق التجريبية إلى بناء الثقة اللازمة لكسر هذه الحلقة المفرغة من التوتر والصراع. هذه المواقف المتضاربة تسلط الضوء على الصعوبات الكامنة في تحقيق حل دائم، وتؤكد على الحاجة إلى آليات تحقق الثقة وتضمن الالتزام من جميع الأطراف.