انشقاق في معقل حزب الله: نداءات في النبطية تثير تساؤلات حول الأمن والسيادة

Is Nabatiyeh’s vocal dissent the beginning of a political shift in Hezbollah’s southern heartland?
الصورة: AFP/File عبر News

شهدت مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية المطلة على النبطية انفجاراً هائلاً ليلة الخميس، هز المنطقة بأسرها وأثار حالة من القلق والترقب بين السكان. وقد فجّر الجيش الإسرائيلي ما وصفه بأنه مجمع لحزب الله تحت الأرض يمتد لأكثر من كيلومترين تحت المرتفعات، في عملية عسكرية واسعة النطاق. وقد ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية أن دوي الانفجار شعر به سكان النبطية والمناطق المحيطة بها على نطاق واسع، مما يعكس حجم وقوة التفجير.

صرحت إسرائيل بأنها دمرت مراكز قيادة ومخازن أسلحة ومساكن وصواريخ وطائرات مسيرة وغيرها من البنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في الموقع المستهدف. وأكدت إسرائيل أنها حققت "السيطرة العملياتية" على المرتفعات، فوق الأرض وتحتها، في إشارة إلى إحكام قبضتها على هذه المنطقة الحيوية. وقد تسبب الانفجار الذي وقع في مرتفعات علي الطاهر في حدث زلزالي بقوة 4.1 درجة، مما يدل على شدة الانفجار وتأثيره على المنطقة المحيطة. هذا الحدث الزلزالي يعكس القوة التدميرية للعملية العسكرية التي نفذتها إسرائيل.

صوت السكان المطالب بالأمن

في أعقاب هذه التطورات، رحّب سكان النبطية بمركبات الجيش اللبناني عند وصولها إلى المدينة، حيث استقبلوها بالزهور وحفنات الأرز، في مشهد يعبر عن تطلعهم للأمن والاستقرار. هذا الاستقبال الحار يعكس تطلعات السكان الملحة للأمن في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة الحدودية، وحاجتهم إلى وجود قوة رسمية تضمن حمايتهم.

وقد وقّع أكثر من 400 شخص على نداء يطالب الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولية أمن النبطية ونشر الجيش اللبناني فيها، في خطوة غير مسبوقة في منطقة تعد معقلاً تقليدياً لحزب الله. هذا النداء، الذي عُرف باسم "النبطية 2"، يشير بوضوح إلى أن بعض سكان الجنوب بدأوا يتساءلون عن الجهة التي يثقون بها لحمايتهم من إسرائيل، مما يعكس تحولاً في الرأي العام في هذه المناطق. هذا التحول في الرأي يعكس قلقاً متزايداً بشأن الوضع الأمني والحاجة إلى وجود قوة رسمية تضمن الاستقرار وتحمي المدنيين من تداعيات الصراع.

في هذا السياق، حذر علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، من أن تحدي حزب الله يمكن أن يغير وظيفة أسلحته، ويحولها من مقاومة إسرائيل إلى مواجهة الدولة اللبنانية. هذا التحذير يسلط الضوء على المخاطر المحتملة لاستمرار التوترات وتأثيرها على النسيج الاجتماعي والسياسي في لبنان، خاصة في المناطق التي تعد معقلاً للحزب، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع.

تحليل استراتيجي لعملية علي الطاهر

أفاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس بأن العملية العسكرية الأخيرة أكملت ترسيخ ما وصفته إسرائيل بمنطقتها الأمنية المعلنة ذاتياً داخل جنوب لبنان. هذا الإعلان يأتي في سياق التوترات المستمرة على الحدود الشمالية لإسرائيل، ويشير إلى مرحلة جديدة في استراتيجية إسرائيل الأمنية في المنطقة، والتي قد تتضمن تداعيات أوسع على المشهد الإقليمي. تصريحات نتنياهو وكاتس تبرز التركيز الإسرائيلي على تأمين حدودها الشمالية، وهو ما قد يحمل تداعيات على المشهد الأمني في جنوب لبنان، ويزيد من تعقيدات الوضع.

في المقابل، صرح الكاتب السياسي ساطع نور الدين بأن مرتفعات علي الطاهر سقطت منذ فترة، وأن عناصر حزب الله كانوا قد أخلوها قبل أسابيع من إعلان إسرائيل عن العملية. وأضاف نور الدين في تصريحاته: "مرتفعات علي الطاهر سقطت منذ فترة. المعلومات أشارت إلى أن عناصر حزب الله كانوا قد أخلوها قبل أسابيع، وليس الآن". هذا الطرح يشير إلى تباين في الروايات حول توقيت وأهمية العملية، ويثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء الإعلان الإسرائيلي وتداعياته السياسية والعسكرية.

وذكر الجيش الإسرائيلي أن الشبكة التي تم استهدافها في علي الطاهر كانت تحتوي على مجمع قيادة مركزي تابع لوحدة "بدر" التابعة لحزب الله، وهي وحدة عسكرية مهمة ضمن هيكلية الحزب. يشير هذا التصريح إلى أن إسرائيل كانت تستهدف بنية تحتية عسكرية محددة وذات أهمية استراتيجية للحزب، مما يعكس استراتيجية إسرائيلية لضرب القدرات العسكرية لحزب الله. تأكيد الجيش الإسرائيلي على استهداف وحدة "بدر" يوضح طبيعة الأهداف العسكرية التي تسعى إسرائيل لتدميرها في جنوب لبنان، ضمن إطار عملياتها المعلنة.

من جانب آخر، رأى ساطع نور الدين أن تنامي المعارضة الشعبية في النبطية يشير إلى أن البنية السياسية لحزب الله بدأت تتفكك، وأن الحزب يواجه تحديات داخلية متزايدة. وعبر نور الدين عن هذا الرأي بقوله: "حزب الله في طريقه إلى الزوال - قيادته ومكتبه السياسي على حد سواء. إنه يعيش مرحلته الأخيرة. لقد بدأ الكيان السياسي للحزب في التفكك، ولن يبقى سوى خلايا متفرقة تواصل مساره وقد تختفي تحت الأرض". وأضاف نور الدين أن "عدد الموقعين على نداء النبطية يتضاعف كل يوم. هذا مؤشر على تزايد المعارضة لحزب يتلاشى"، مما يعكس تحولاً في المزاج الشعبي في المناطق الجنوبية.

واقترح نور الدين أن إعلان إسرائيل عن سقوط علي الطاهر كان توقيته يهدف إلى تحقيق مكاسب انتخابية في انتخابات 27 أكتوبر، مما يربط العملية العسكرية بالديناميكيات السياسية الداخلية الإسرائيلية. وقال نور الدين في هذا الصدد: "ما أراه غريباً، وما يثير أكثر من سؤال، هو لماذا أعلنت إسرائيل عن سقوط علي الطاهر الآن. أعتقد أن هذا يشير إلى أن إسرائيل ستنفذ عملية عسكرية أكبر من علي الطاهر، يسعى بنيامين نتنياهو من خلالها لتحقيق مكاسب انتخابية في انتخابات 27 أكتوبر". هذا التحليل يربط العملية العسكرية بالتطورات السياسية الداخلية في إسرائيل، ويشير إلى أن التوقيت قد يكون مدروساً لأغراض سياسية.

تداعيات على مستقبل حزب الله

يطالب النداء، المعروف باسم "النبطية 2"، صراحة بأن تكون الدولة اللبنانية هي السلطة الوحيدة المسؤولة عن الأمن، وألا يحدد أي طرف مسلح خارج مؤسساتها متى تدخل لبنان في حرب، مؤكداً على سيادة الدولة ورفض وجود أطراف مسلحة خارج إطارها. يشكك هذا النداء في ادعاء حزب الله بأن ترسانته المستقلة ضرورية لأنه يستطيع الدفاع عن الجنوب بفاعلية أكبر من الدولة اللبنانية نفسها، مما يضع الحزب في موقف دفاعي أمام مطالبات شعبية متزايدة.

وفي هذا السياق، صرح علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، بأن حزب الله ليس لديه خيارات سوى "مواصلة مهاجمة السلطات بشكل عام، بينما تتسع دائرة الاحتجاج ضد الحزب في الجنوب وسط مخاوف من توغلات إسرائيلية إضافية ومن سقوط الجنوب بأكمله تحت الاحتلال". وأضاف الأمين أن "حتى أنصار حزب الله بدأوا يعبرون عن عدم ارتياحهم لما أحدثته الحروب دعماً لغزة وإيران. وتتعالى الأصوات حتى من داخل القاعدة الانتخابية لحزب الله لأن المعادلة على الأرض باتت مكشوفة. وقد أظهرت كل الأدلة أن الحزب يقول شيئاً ويفعل شيئاً آخر. لقد أصبح واضحاً أنه لا يمتلك سوى الكلمات والتهديدات"، مما يعكس تراجع الثقة في رواية الحزب وقدرته على حماية الجنوب.

كما أشار الأمين إلى أن حزب الله "لم يقاوم الإسرائيليين عندما تقدموا نحو علي الطاهر، على الرغم من أنه وصفها بأنها 'أم المعارك'"، مما يثير تساؤلات حول مدى جدية الحزب في مواجهة التوغلات الإسرائيلية. وحذر الأمين من أن "الخطر اليوم هو أن تحدي حزب الله قد يغير وظيفة أسلحته، ويحولها من أسلحة تهدف إلى مقاومة إسرائيل إلى أسلحة تستخدم لمواجهة الدولة اللبنانية"، مما ينذر بصراع داخلي محتمل. وأوضح الأمين أن "حزب الله يحاول إيجاد ذرائع لعدم تسليم أسلحته. ولكن إذا لاحظنا المسار، نجد أن حجة الحزب تضعف وتستنزف بمرور الوقت. هذا ما فعلته إسرائيل من خلال تصعيد عملياتها العسكرية. اليوم، تحول ميدان الاختبار إلى شمال نهر الليطاني، بدلاً من بقائه جنوبه"، مما يشير إلى تكتيك إسرائيلي يهدف إلى إضعاف حجج الحزب.

تاريخ النبطية مع الصراع

شهدت النبطية في عام 2019 احتجاجات تحدت حزب الله وحركة أمل، حيث رفع المتظاهرون أصواتهم ضد الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة الاقتصادية، والنظام السياسي الطائفي في لبنان، مما يدل على وجود سخط شعبي سابق على الأوضاع. وتكررت معاناة المدينة من الصراع، فقد تعرضت عيادة الدكتور علي حسن وهبي لطب الأسنان في النبطية للتدمير ثلاث مرات: خلال حرب 2006، وفي عام 2024، ومرة أخرى في عام 2026، مما يبرز الأثر المدمر للصراعات المتكررة على حياة المدنيين وممتلكاتهم. وصرح الدكتور وهبي بأن "النداء هو، أولاً وقبل كل شيء، يتعلق بإزالة ذريعة إسرائيل وإنقاذ النبطية. إسرائيل تتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا الدمار وهذه الوحشية". وأضاف: "هل أصبح إدخال الجيش اللبناني والدولة اللبنانية إلى النبطية ممنوعاً فجأة؟ هل أصبح هذا عملاً من أعمال الخيانة ضد البلاد؟ أيهما أفضل - دخول الجيش اللبناني، أم، لا سمح الله، دخول الجيش الإسرائيلي؟ بالطبع، يجب أن يدخل الجيش اللبناني. إنهم أبناؤنا". وتابع الدكتور وهبي: "نحن لسنا ورقة مساومة ولسنا بطاقة تفاوض. النبطية هي شريان الجنوب. إنها قلب جبل عامل. ليس لدينا بديل للدولة". وأشار إلى أنه "منذ أن كنت في العاشرة من عمري، عشت النزوح والحروب. لا نريد أن نستمر في الحداد على أطفالنا. لا نريد أن نستمر في العيش على الذكريات. نريد أن نعيش في الحاضر ونبني المستقبل". كما وجه الدكتور وهبي رسالة إلى قيادة حزب الله قائلاً: "تعاملوا مع هذه المعارضة بعقلانية وهدوء، لأن هذه المعارضة كانت هي نفسها معقلاً للمقاومة". وتساءل: "هل لم يعد مسموحاً لنا أن نعبر عن ألمنا؟ هل لم يعد مسموحاً لنا أن نقول: كفى نزوحاً؟"، مما يعكس حالة من اليأس والتساؤل حول الوضع الراهن ومستقبل المنطقة.