تُدمر الانفجارات واسعة النطاق والمتكررة في جنوب لبنان الموائل الجيرية القديمة التي كانت تأوي مستعمرات الوبر الصخري لقرون. هذه الانفجارات، التي أصبحت سمة مميزة للصراع الدائر، لا تهدد فقط البنية التحتية والمجتمعات البشرية، بل تمتد آثارها لتطال النظم البيئية الهشة. يعتمد الوبر الصخري السوري (Procavia capensis syriaca)، المعروف محليًا باسم "طَبسون"، بشكل شبه كامل على شقوق وتجاويف الحجر الجيري الكارستي للمأوى، وعلى الغطاء النباتي الساحلي المتفرق للغذاء. هذا الاعتماد يجعله عرضة بشكل خاص لأي تغييرات أو دمار يلحق بهذه الموائل الطبيعية. في 30 أبريل/نيسان، نشرت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تابعة للجيش الإسرائيلي لقطات تظهر تفجيرًا هائلاً استهدف حيًا في البياضة، على طول الساحل الجنوبي للبنان. وقد أصبحت عمليات الهدم شائعة بشكل متزايد عبر القرى التي اجتاحتها القوات الإسرائيلية، مما يعيد تشكيل المناطق الحضرية والكارست المحيطة بشكل جذري وغير مسبوق. أفادت تقارير بأن الانفجارات في البياضة والناقورة المجاورة في 30 أبريل/نيسان كانت قوية بما يكفي لرؤيتها وسماعها في مدينة صور الساحلية، التي تبعد أكثر من ستة أميال إلى الشمال، مما يدل على حجم الدمار الذي تحدثه هذه العمليات. تظهر صور الأقمار الصناعية بعد تفجيرات واسعة النطاق في 26 يونيو/حزيران تغيرًا واسع النطاق للموائل في المشهد الطبيعي المحيط بمجدل زون، حيث وثقت منظمة "غرين ساذرنرز" (Green Southerners) سابقًا مستعمرات للوبر الصخري، مما يثير قلقاً كبيراً بشأن مستقبل هذه الأنواع.
آثار التفجيرات على البيئة الكارستية
تشير دراسات إلى أن الانفجارات القوية يمكن أن تزعزع استقرار التكوينات الكارستية الهشة من خلال موجات الصدمة والاهتزازات الأرضية الشديدة، مما يتسبب في تصدعات وانهيارات وانسداد أنظمة الملاجئ الجوفية التي تعتمد عليها العديد من الكائنات الحية. هذه التكوينات، التي استغرقت آلاف السنين لتتشكل، يمكن أن تتغير بشكل لا رجعة فيه في لحظات قليلة. تولد عمليات التفجير المتكررة غازات ما بعد الانفجار، بما في ذلك أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، بالإضافة إلى غبار الصخور والجسيمات العالقة والمركبات المتفجرة المتبقية التي قد تؤثر على التربة والهواء والمياه المحيطة، مما يشكل تهديدًا صحيًا وبيئيًا. في المناظر الطبيعية الكارستية، قد تنتشر الملوثات الناتجة عن التفجير بسرعة عبر التصدعات والكهوف وأنظمة المياه الجوفية المترابطة، وذلك بسبب النفاذية العالية للحجر الجيري، مما يعني أن التلوث لا يبقى محصوراً في نقطة الانفجار بل ينتشر على نطاق أوسع. يمكن لموجات الانفجار والانهيار الهيكلي أن تغير مستويات الرطوبة وتدفق الهواء وأنظمة درجة الحرارة داخل الكهوف، مما يضر بالموائل التي تعتمد عليها الحيوانات التي تسكن الكهوف والحيوانات المعتمدة على الصخور، والتي تكيفت مع ظروف بيئية مستقرة على مدى أجيال. هذه التغييرات البيئية يمكن أن يكون لها تأثيرات بعيدة المدى على النظم البيئية المحلية، وتؤثر على توازنها الهش وتنوعها البيولوجي.
تداعيات الحرب على الحياة البرية
كشفت تقييمات حديثة للأضرار البيئية الناجمة عن الحرب في جنوب لبنان عن تجزئة الموائل وتشكيل حواجز بيئية تعرقل أنماط حركة الحياة البرية للعديد من الأنواع، بما في ذلك الوبر الصخري (rock hyrax). هذا التجزئة يقلل من المساحات المتاحة للأنواع ويحد من قدرتها على البحث عن الغذاء والتكاثر. ويشير تقرير حديث صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان إلى أن فقدان التنوع البيولوجي يمكن أن يحدث من خلال نفوق الحياة البرية المباشر، وتشريد الأنواع من موائلها الطبيعية، وانهيار التفاعلات البيئية الأساسية مثل التلقيح وتشتت البذور، وهي عمليات حيوية لاستدامة النظم البيئية. كما أن الفسفور الأبيض موجود في بعض أشكال قذائف حجب الرؤية التي تستخدمها القوات العسكرية، وهي مادة معروفة بآثارها السامة والمدمرة على البيئة والكائنات الحية. وقد وصفت الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (International Union for Conservation of Nature) سابقاً السلالة الإقليمية للوبر الصخري بأنها مستقرة نسبياً، ولكن هذا التقييم قد لا يعكس الواقع الحالي في ظل الظروف البيئية المتدهورة. ومع ذلك، لا يوجد تقييم رسمي على مستوى البلاد لتجمعات الوبر الصخري في لبنان، مما يجعل من الصعب تحديد حجم الضرر بدقة. هذه العوامل مجتمعة تثير مخاوف بشأن مستقبل هذا النوع وغيره من الكائنات الحية التي تعتمد على البيئة المتأثرة بالصراع، وتدعو إلى ضرورة إجراء دراسات وتقييمات شاملة.
شهادات وتقييمات دولية
تُظهر المشاهد الجوية من جنوب لبنان، التي نشرتها "غرين ساذرنرز" في 25 يوليو/تموز، دمارًا بيئيًا واسع النطاق في وادي مجدل زون، وهو موقع معروف بتنوعه البيولوجي وأهميته البيئية. وأفاد هشام يونس، مؤسس ومدير "غرين ساذرنرز"، لوكالة رويترز بأن هذه الصور تشير إلى أن "الدمار الحالي يحدث على نطاق لم نشهده من قبل"، مما يؤكد على خطورة الوضع وضرورة التحرك العاجل. وأضاف يونس أن "المشهد الطبيعي يتغير بشكل دائم"، مشددًا على أن هذا التدمير يتجاوز مجرد إزالة الغطاء النباتي ويؤثر على بنية التربة نفسها، مما يعني أن التعافي سيكون صعبًا ويستغرق وقتًا طويلاً إن لم يكن مستحيلاً في بعض المناطق. هذا التغيير الدائم في المشهد الطبيعي يشكل تهديدًا وجوديًا للأنواع المحلية.
وتبرز أهمية منطقة وادي مجدل زون كونها موطنًا للعديد من الأنواع المهددة بالانقراض، ومنها الوبر الصخري السوري، الذي يجد في هذه المنطقة ملجأً ومصدرًا للغذاء. ويشير يونس إلى أن هناك "أعدادًا كبيرة من الوبر الصخري" في المنطقة، مما يجعل أي ضرر بيئي فيها يمثل تهديدًا مباشرًا لهذا النوع ولبقائه. وقد سُجلت هذه المشاهد الجوية بعد تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، والتي تضمنت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا مكثفًا، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع البيئية. وتثير هذه التطورات مخاوف جدية بشأن قدرة النظم البيئية المحلية على التعافي من هذا الدمار الواسع النطاق، وتأثيرها طويل الأمد على الحياة البرية في جنوب لبنان، والتي قد لا تتمكن من التكيف مع هذه التغييرات السريعة والمدمرة.